للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فقهُ التَّعاملِ بين الزوجين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فقهُ التَّعاملِ بين الزوجين. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 10 ديسمبر 2025

(46) فقه التعامل بين الزوجين

 

                                       موافقة ما تهوى الزوجة

إنَّ من رِفْقِ الزوج بزوجته موافقة ما تهواه؛ احترامًا لمشاعرها، ومداراتِهَا، وإدخال السرور على قلبِهَا، وهذا حيث لا يكون هناكَ ضرر، أو المصلحة في خلافه.

روى الإمام مسلم (1213) من حديث جابر بن عبدالله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا في قصة حجة أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ.

قال الزرقاني رَحِمَهُ الله في «شرح المواهب اللدنية»(4/386): من حبه لها-أي: لعائشة- أنها كانت (إذا هويت الشيء)- بفتح الهاء وكسر الواو- أحببته، (تابعها عليه)، وافقها. اهـ.

وقَالَتْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا في حديثٍ لها: فَتَوَاطَأْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ»، فَنَزَلَ: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ} [التحريم: 1] إِلَى قَوْلِهِ: {إِنْ تَتُوبَا} [التحريم: 4] لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} [التحريم: 3]، لِقَوْلِهِ: «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا». رواه البخاري (5268)، ومسلم (1474) واللفظ له.

وهذا من حسن أخلاق النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أهله وليْنِهِ معهم، امتنع عن شرب العسل، وحلف ألَّا يعود لشربه؛ إرضاءً لأهله، {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1].

والحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»(14/ 221) قال عن شيخه أبي الحجاج المزي في شأن حسن معاملته لزوجته زينب: وَكَانَ الشَّيْخُ-الإمام المزي- مُحْسِنًا إِلَيْهَا مُطِيعًا، لَا يَكَادُ يُخَالِفُهَا؛ لِحُبِّهِ لَهَا طَبْعًا وَشَرْعًا، فَرَحِمَهَا اللَّهُ وَقَدَّسَ رُوحَهَا، وَنَوَّرَ مَضْجَعَهَا بِالرَّحْمَةِ، آمِينَ.

 

الاثنين، 13 أكتوبر 2025

(45) فقه التعامل بين الزوجين

 

                   المرأة تساعد زوجها بالمال

لقد كانت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تساعد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بالمال، حَسَب ما اشتهر في كتب السيرة؛ لأنها كانت عندها تجارة، وقد قال تَعَالَى في المهر: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)} [النساء: 4].

  فهذا يدل على أنه لا بأس  أن تساعد المرأة زوجها -إذا احتاج- بالمال، ولكن  من دون مَنٍّ ولا أذًى، والمرأة يغيِّرها أي شيء فتبطل صدقاتها ومعروفها بالمن والأذى، وقد قال الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 264].

 فإذا كانت المرأة تَمُنُّ فهذه لم تصنعِ المعروف، ولم تتأسَّ بأمِّ المؤمنين خديجة، وهذا هو الغالب في النساء الضعف وعدم الاتِّزان، وقد جعل الله من قوَّامة الرجل على أهله الإنفاق عليها، قال تَعَالَى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34].

الاثنين، 7 يوليو 2025

(44) فقه التعامل بين الزوجين

 

                               من الحقوق الزوجية

 

عن عمرو بن الأحوص الجُشمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قال: <ألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنَّما هنَّ عوانٌ عندكم، ليس تملكون منهنَّ شيئًا غير ذلك، إلَّا أن يأتين بفاحشةٍ مبيِّنةٍ، فإن فعلن فاهجروهنَّ في المضاجع، واضربوهنَّ ضربًا غير مبرِّحٍ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلًا، ألا إنَّ لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا، فأمَّا حقُّكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقُّهنَّ عليكم أن تحسنوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامهنّ>.

 

كتبت عن والدي الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رَحِمَهُ الله:

أخرجه الترمذي(1163) من طريق سليمان بن عمرو بن الأحوص الجُشمي، عن أبيه.

وسليمان مجهول الحال، لكن وجد في «مسند أحمد»([1])  بمعناه يرتقي به للحجية؛ فلأجل هذا تراجعت عن تضعيفه.

 

قلت: رواه أحمد(34/299)من طريق عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَذُودُ عَنْهُ النَّاسَ، الحديث وفيه: « أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَكُمْ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقًّا: أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا غَيْرَكُمْ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ خِفْتُمْ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ ...».

 وعلي بن زيد: ابن جدعان، ضعيف. وضعيف مع مجهول حال يرتقي الحديث للحسن لغيره.

 



([1]) رواه أحمد(34/299)من طريق عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَذُودُ عَنْهُ النَّاسَ، الحديث وفيه: « أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَكُمْ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقًّا: أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا غَيْرَكُمْ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ خِفْتُمْ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ ...». وعلي بن زيد: ابن جدعان، ضعيف.

الاثنين، 7 أبريل 2025

(43) فقه التعامل بين الزوجين

 

                      من أخلاقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أهله

 

عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قالت: كَانَ يَوْمَ عِيدٍ، يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا قَالَ: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ» حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: «حَسْبُكِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاذْهَبِي» رواه البخاري (949)، ومسلم (892).

 

 وفي رواية للبخاري(5236): رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَسْأَمُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الجَارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ، الحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ.

 

في هذا الحديث: أخلاق النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أهله، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يستر عائشة وهي تنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون يوم العيد.

ومعنى قولها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أَسْأَمُ» أي: تمل.

 وقد كانت صغيرة، توفي النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وعمرها ثمانية عشر عامًا؛ فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كان يترك لها الفرصة حتى تسأم؛ لأنها شابة صغيرة وما فعل هذا مع بقية نسائه، وهذا يدل أن الشابة تحتاج إلى تدليل ما ليس لغيرها.

قال الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ الله في «شرح بلوغ المرام»(1/616): ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: لها أشبعت؟ حتى قالت: شبعت، يعني: لم يجعلها تتفرج لمدة وجيزة ثم يصرفها، أبقاها حتى انتهت رغباتها.

 وكذلك ينبغي في معاملة الأهل، لاسيما في الشابات من بنات أو زوجات أو ما أشبه ذلك؛ لأن لكل مقام مقالًا، ولكن الشابة يجب أن يقدر لها قدرها.

 

[مقتطف من دروس بلوغ المرام لابنة الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله]

 

(42) فقه التعامل بين الزوجين

 

                          مواساة الزوجة

 

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أنها قَالَتْ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَارَأْسَاهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ وَأَدْعُوَ لَكِ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَا ثُكْلِيَاهْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، وَلَوْ كَانَ ذَاكَ، لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ، لَقَدْ هَمَمْتُ-أَوْ أَرَدْتُ-أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ: أَنْ يَقُولَ القَائِلُونَ-أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ-ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى المُؤْمِنُونَ» رواه البخاري (5666).

 

في هذا الحديث أن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « وَارَأْسَاهْ» تتوجع، فقال النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ».

 وهذا فيه مواساة الزوجة، إذا أصيبت بشيء يواسيها الزوج، يتْعَبُ لتعبها، ويألم لألَمِهَا.

قال ابن القيم رَحِمَهُ الله في «الروح»(258) في الكلام على الفرق بين الإخبار بالألم والشكوى: وَلَعَلَّ من هَذَا-أي: الإخبار بالحال لقصد صحيح لا الشكوى- قَول النَّبِي لما قَالَت عَائِشَة: وارأساه، فَقَالَ: «بل أَنا وارأساه»، أَي: الوجع الْقوي بِي، أَنا دُونك فتأسي بِي فَلَا تَشْتَكِي.

قال: ويلوح لي فِيهِ معنى آخر، وَهُوَ:

 أَنَّهَا كَانَت حَبِيبَة رَسُول الله، بل كَانَت أحب النِّسَاء إِلَيْهِ على الْإِطْلَاق، فَلَمَّا اشتكت إِلَيْهِ رَأسهَا أخْبرهَا أَن بمحبها من الْأَلَم مثل الَّذِي بهَا، وَهَذَا غَايَة الْمُوَافقَة من الْمُحب ومحبوبه، يتألم بتألمه، وَيسر بسروره، حَتَّى إِذا آلمه عُضْو من أَعْضَائِهِ آلم الْمُحب ذَلِك الْعُضْو بِعَيْنِه.

 وَهَذَا من صدق الْمحبَّة وصفاء الْمَوَدَّة.

 فَالْمَعْنى الأول يفهم أَنَّك لَا تَشْتَكِي واصبري، فَبِي من الموجع مثل مَا بك، فتأسي بِي فِي الصَّبْر وَعدم الشكوى.

 وَالْمعْنَى الثَّانِي يفهم إعلامها بِصدق محبته لَهَا، أَي: انظري قُوَّة محبتي لَك كَيفَ واسيتك فِي ألمك ووجع رَأسك، فَلَمْ تَكُونِي متوجعة وَأَنا سليم من الوجع؟ بل يؤلمني مَا يؤلمك، كَمَا يسرني مَا يَسُرك، كَمَا قيل

وَإِنَّ أَولى البَرايا أَن تُواسِيَهُ...عِندَ السُرورِ الَّذي واساكَ في الحَزَنِ

[مقتطف من دروس بلوغ المرام لابنة الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله]

 

 

الأحد، 2 مارس 2025

(41) فقه التعامل بين الزوجين

 

                استئذان المرأة الزوج في الخروج

 

قال الإمام البخاري رَحِمَهُ الله (9/ 337): (باب استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره).

ثم أخرج عن عبدالله بن عمر، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدَكُمْ إِلَى المَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا».

وتقول عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:  فَقُلتُ لَهُ-أي: للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ رواه البخاري ومسلم.

 

وهنا تنبيه على حديث فيه الوعيد على خروج المرأة بغير إذن زوجها، وهو ما يلي:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْهُ، فَقَالَتْ: مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى امْرَأَتِهِ؟ فَقَالَ: «لَا تَمْنَعُهُ نَفْسَهَا وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ، وَلَا تُعْطِي مِنْ بَيْتِهِ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ وَعَلَيْهَا الْوِزْرُ، وَلَا تَصُومُ تَطَوُّعًا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ أَثَمْتَ، وَلَمْ تُؤْجَرْ، وَأَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مَلَائِكَةُ الْغَضَبِ وَمَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتَّى تَتُوبَ أَوْ تُرَاجَعَ»، قِيلَ: وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا». رواه أبو داود الطيالسي في «المسند»( 2063)، وفيه ليث بن أبي سليم مختلط.

وجاء من حديث ابن عباس  أخرجه أبو يعلى(2455) الحديث، وفي آخره: «وَمِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ أَوْ تَتُوبَ»، وسنده ضعيفٌ جدًّا؛ فيه حُسَيْن بْن قَيْسٍ الملقب بـ (حنش) متروك.

وقد ضعَّف الحديث العلامة الألباني رَحِمَهُ الله في «سلسلة الأحاديث الضعيفة »( 3515)، وذكر له هاتين الطريقَين.

الثلاثاء، 4 فبراير 2025

(36) فقه التعامل بين الزوجين

 

            مواساة المرأة لزوجها وتثبيته

عن جَارٍ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ لِخَدِيجَةَ: «أَيْ خَدِيجَةُ، وَاللهِ لَا أَعْبُدُ اللَّاتَ وَالعُزَّى، وَاللهِ لَا أَعْبُدُ أَبَدًا».

 قَالَ: فَتَقُولُ خَدِيجَةُ: خَلِّ اللَّاتَ، خَلِّ العُزَّى.

 قَالَ: كَانَتْ صَنَمَهُمُ التِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، ثُمَّ يَضْطَجِعُونَ. رواه الإمام أحمد رَحِمَهُ الله (29/467).

في هذا الحديث:

أن عادة الرجل يخبر زوجته بهمومه وغمومه وعقيدته والدين الذي هو عليه.

وفيه: أن المرأة الصالحة تعين زوجها على الثبات على الحق والتثبيت.

ونظير هذا موقف خديجة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا  لما رجع النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ من غار حراء، وقال: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، قَالَ لِخَدِيجَةَ: «أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»، فَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ.

فقالت أم المؤمنين خديجة: «كَلَّا، أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ» الحديث رواه البخاري (4953)، ومسلم (160) عن عَائِشَةَ رضي الله عنها.

 فهذا نستفيد منه:

 أن الرجل يخبر أهله الرزينة العاقلة بغمومه وكربه.

 وأن المرأة الصالحة تقوم بالمؤانسة والتسلية والتثبيت.

وفيه  أيضًا من الفوائد:

 -تكرير القسم والكلام؛ للتأكيد.

واللات والعزى صنمان كان يعبدهما أهل الجاهلية.

-وقول النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لخديجة بهذا، هل كان قبل البعثة أو بعدها؟

قال السندي رَحِمَهُ اللهُ في «حاشية مسند أحمد»(4/284): « يَقُولُ لِخَدِيجَةَ » قبل النبوة أو بعدها، والأول أقرب.

«خَلِّ اللَّاتَ» تقريرًا له على ما قال. اهـ.

(والأول أقرب) أي: أنه قبل النبوة، وصنيعنا في ترتيب « الصحيح المسند من الشمائل المحمدية»  يدل على ذلك، وهذا من فعل والدي أثناء ترتيب مواضع الكتاب، هو الذي وضعه في هذا الموضع. رحمه الله بمنِّهِ وكرمه. آمين.

وقوله: (فَتَقُولُ خَدِيجَةُ: خَلِّ اللَّاتَ، خَلِّ العُزَّى) أي: اتركها، واثبُت على التوحيد.

وقوله: كَانَتْ صَنَمَهُمُ التِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، ثُمَّ يَضْطَجِعُونَ.

معناه: أنهم كانوا يعبدونها قبل أن يناموا، والله أعلم.

«حاشية ابن البنا الساعاتي على مسند أحمد»(22/39).

وفيه أيضًا من الفوائد:

سلامة عقيدة النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قبل البعثة، وبغضه للأصنام، وقد تولاه الله سُبحَانَهُ بحفظه وعصمه  عن الشركيات، وحفظه عن ارتكاب القبائح والرذائل كلها.

قال الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء»(1/131): وَالَّذِي لا رَيْبَ فِيْهِ أَنَّهُ كَانَ مَعْصُوْمًا قَبْلَ الوَحْيِ وَبَعْدَهُ، وَقَبْلَ التَّشْرِيْعِ مِنَ الزِّنَى قَطْعًا، وَمِنَ الخِيَانَةِ، وَالغَدْرِ، وَالكَذِبِ، وَالسُّكْرِ، وَالسُّجُوْدِ لِوَثَنٍ، وَالاسْتِقْسَامِ بِالأَزْلَامِ، وَمِنَ الرَّذَائِلِ، وَالسَّفَهِ، وَبَذَاءِ اللِّسَانِ، وَكَشْفِ العَوْرَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يَطُوْفُ عُرْيَانًا. اهـ المراد.

فكانت فطرة النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مجبولة على كل خير، وكانت صفاته جميلة؛ ولهذا كانت قريش تلقبه بالصادق الأمين، وكان يعجبه أن يتعبَّد لله في غار حراء قُبيل نزول الوحي.

[مقتطف من درس الصحيح المسند من الشمائل المحمدية لابنة الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله تَعَالَى]