تسأل إحدى أخواتي في
الله:
قد أعلمنا ربنا جل وعلا أن من يتوكل عليه فهو حسبه، فكيف يحقق الإنسان
التوكل على ربه جل وعلا على وجه يرضيه، وما هي الأسباب المعينة على تحقيق هذه العبادة
الجليلة؟
ج: معرفة
معنى التوكل يتجلى المراد به، وأنه الاعتماد على الله، وعدم الالتفات إلى النفس،
ولا إلى أحدٍ سواه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
قال ابن رجب رحمه الله في «جامع العلوم والحكم» (2/ 497): هو صِدْقُ اعْتِمَادِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ مِنْ أُمُورِ
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُلِّهَا، وَكِلَةُ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيْهِ،
وَتَحْقِيقُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ لَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ وَلَا يَضُرُّ
وَلَا يَنْفَعُ سِوَاهُ.
وقال ابن القيم في «مدارج السالكين»(1/103): فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى التَّوَكُّلِ
وَالِاسْتِعَانَةِ؟
قُلْتُ: هُوَ حَالٌ
لِلْقَلْبِ يَنْشَأُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ، وَالْإِيمَانِ بِتَفَرُّدِهِ
بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالضُّرِّ وَالنَّفْعِ، وَالْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ،
وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَإِنْ لَمْ يَشَأِ النَّاسُ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ
يَكُنْ وَإِنْ شَاءَهُ النَّاسُ، فَيُوجِبُ لَهُ هَذَا اعْتِمَادًا عَلَيْهِ،
وَتَفْوِيضًا إِلَيْهِ، وَطُمَأْنِينَةً بِهِ، وَثِقَةً بِهِ، وَيَقِينًا
بِكِفَايَتِهِ لِمَا تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَأَنَّهُ مَلِيٌّ بِهِ، وَلَا
يَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، شَاءَهُ النَّاسُ أَمْ أَبَوْهُ.
فَتُشْبِهُ حَالَتُهُ حَالَةَ الطِّفْلِ مَعَ أَبَوَيْهِ فِيمَا
يَنْوِيهِ مِنْ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ هُمَا مَلِيَّانِ بِهِمَا، فَانْظُرْ فِي
تَجَرُّدِ قَلْبِهِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِ أَبَوَيْهِ، وَحَبْسِ هَمِّهِ
عَلَى إِنْزَالِ مَا يَنْوِيهِ بِهِمَا، فَهَذِهِ حَالُ الْمُتَوَكِّلِ.
وقال الشيخ ابن باز في « مجموع الفتاوى»(4/427): التوكل يجمع شيئين: أحدهما: الاعتماد على
الله، والإيمان بأنه مسبب الأسباب، وأن قدره نافذ، وأنه قدر الأمور وأحصاها وكتبها
سبحانه وتعالى.
الثاني: تعاطي الأسباب؛ فليس من التوكل تعطيل الأسباب، بل التوكل
يجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله. اهـ المراد.
وإن من الأشياء المعينة
على التوكل على الله وحده:
-العلم النافع؛ فإنه نورٌ وضياء، يهدي
إلى صراط مستقيم.
-العقيدة، فمن كان ذا عقيدة ومعرفة
بالله، وأسمائه وصفاته، ورسله وكتبه أثمر له التوكل، وزاده قوة فيه.
-الإيمان بالقدر. وقد ذكر والدي الشيخ
مقبل رحمه الله تعالى في «الجامع الصحيح في القدر»(14)من ثمرات الإيمان بالقدر: التوكل
واليقين والاعتماد على الله والاستسلام له: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا
كَتَبَ اللَّهُ َ لَنَا ﴾ [التوبة:51].
-معرفة سيرة الأنبياء؛ فهم أسوة
المتوكلين.
-كثرة الذكر والدعاء والاستغفار، قال
ربنا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا
بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ [الرعد].
-التواضع، قال ابن الحاج في
«المدخل»(3/71): إذَا ثَبَتَ التَّوَاضُعُ فِي الْقَلْبِ ثَبَتَ فِيهِ جَمِيعُ
الْخَيْرِ: مِنْ الرَّأْفَةِ، وَالرِّقَّةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالِاسْتِكَانَةِ،
وَالْقَنُوعِ، وَالرِّضَى، وَالتَّوَكُّلِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ، وَشِدَّةِ
الْحَيَاءِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَنَفْيِ الطَّمَعِ، وَجِهَادِ النَّفْسِ،
وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ، وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَالتَّشَاغُلِ عَنْ النَّفْسِ،
وَالْمُبَادَرَةِ فِي الْعَمَلِ بِالْخَيْرِ، وَالْبِطَاءِ عَنْ الشَّرِّ.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم التوكل على
الله وحده لا شريك له.