للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة في الطِّبِّ وَالْمَرْضَى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة في الطِّبِّ وَالْمَرْضَى. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 17 سبتمبر 2025

(38) سلسلة في الطِّبِّ وَالْمَرْضَى

 

تسأل إحدى أخواتي في الله:

تلقّينا عرضًا لشراء أوراقٍ، مكتوب فيها القرآن الكريم كاملًا، وقد أُعدّت خصيصًا لوضعها في الماء، ثم شربه، وهذا بعد نزع الورقة منه وقد مسح الحبر، وهو حبر صالح للأكل، يسمونها "أوراقًا قرآنية".

 فهل يجوز بيعها وشراؤها؟

الجواب:

قال النووي رَحِمَهُ الله  في « التبيان في آداب حملة القرآن»:

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كِتَابَةِ الْقُرْآنِ فِي إِنَاءٍ، ثُمَّ يُغْسَلُ وَيُسْقَاهُ الْمَرِيضُ.

 فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصَرِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَالأَوزَاعِيُّ رَحِمَهُمْ اللهُ: لَا بَأسَ بِهِ.

وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ. اهـ.

أقول:

الاستشفاء بالقرآن بكتابته في إناء ثم يُغسل أو في ورقة  ثم يشربه المريض، هذا ذهب إلى جوازه جمع من السلف، قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (12/59): وَإِذَا كُتِبَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرِ فِي إنَاءٍ أَوْ لَوْحٍ، وَمُحِيَ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ، وَشُرِبَ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد، وَغَيْرُهُ.

وقال ابن القيم في «زاد المعاد» (4/157): وَرَأَى جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ أَنْ تُكْتَبَ لَهُ الْآيَاتُ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يَشْرَبَهَا. 

وفي «اللقاء المفتوح» للشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ الله رقم اللقاء(56): أما كون القرآن يكتب في إناء ويصب عليه الماء، ثم يروج ويشربه الإنسان فهذا فعله السلف رحمهم الله، يكتبون في إناء للزعفران آية الكرسي، المعوذات وشيئًا من القرآن ثم يصب عليه الماء، ويروج هكذا باليد أو بتحريك الإناء، ثم يشربه الإنسان فهذا فعله السلف، وهو مجرب عند الناس، ونافع بإذن الله. اهـ.

فإذا كتب بعض الآيات بشيء لا ضرر فيه، مثل: الزعفران، وماء الورد، فهذا مباح لا شيء فيه، يتناوله عمومات، كحديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» رواه مسلم (2200).

وأما أن تكتب الآيات بالحبر فهذا قد لا يخلو من ضرر، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رواه البيهقي في «السنن الكبرى»(6/114)عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إلا إذا كان الحبر صالحًا للأكل فلا بأس.

فعلى هذا لا بأس ببيع مثل هذا وشرائه، وإن كان الأولى أن المريض هو الذي يعتني بنفسه ويرقيها.

الاثنين، 14 يوليو 2025

(37) سلسلة في الطِّبِّ وَالْمَرْضَى

 

     حكم إعطاء صحيحٍ بعض أجزائه لمريض

 

إذا أراد إنسان أن يتبرع بجزء من كبده أو كُليته لمريض هل يجوز أو لا؟

 

الجواب:

 لا يحل له أن يتصرف في أعضائه بالبيع أو الهبة إذا كان فيه ضرر عليه، الله عَزَّ وَجَلَّ يقول في كتابه الكريم: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].

 وقال:{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)} [الأنعام: 162].

 ويقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».

 وأما إذا لم يكن فيه ضرر فلا بأس، النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ»، والله عَزَّ وَجَلَّ يقول: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].

 

[مقتطف من دروس بلوغ المرام لابنة الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله]

 

السبت، 3 مايو 2025

(36) سلسلة في الطِّبِّ وَالْمَرْضَى

 

                                   الكي

قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وصف السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: «ولا يكتوون»:

قال الشارح الشيخ سليمان صاحب «تيسير العزيز الحميد»:

 أي: لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم؛ استسلامًا للقضاء، وتلذذًا بالبلاء.

 استدراك الشيخ عبد الرحمن بن حسن:

والظاهر أن قوله: «لا يكتوون» أعم من أن يَسألوا ذلك، أو يفعل بهم ذلك باختيارهم.

يستدرك الشيخ عبدالرحمن حسن رَحِمَهُ اللهُ على الشارح هذا القول، وأن اللفظ أعم في الكي، سواء طلب من غيره أو كوي باختياره، بخلاف الرقية فقد جاء في الاسترقاء، أما الكي سواء سأل ذلك، أو فُعِل باختياره ولو لم يسأل.

وقوله: (استسلامًا للقضاء) انقيادًا لقضاء الله وقدره.

 (وتلذذًا بالبلاء) كالفقر والمرض.

 وهذا لا يصل إليه إلا ذوو المراتب العالية؛ فإن المصائب جهد وضيق وكرب وألَم؛ فلا يصل إلى التلذذ بها إلا أناس اختصهم الله واختارهم لذلك، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)﴾ [القصص].

قال ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ في «الفوائد»( 112): وعبوديته فِي قَضَاء المصائب الصَّبْر عَلَيْهَا، ثمَّ الرِّضَا بهَا وَهُوَ أَعلَى مِنْهُ، ثمَّ الشُّكْر عَلَيْهَا وَهُوَ أَعلَى من الرِّضَا. اهـ.

فهذه ثلاث مراتب للعبد عند المصائب: الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر.

وقد ذكر ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ في «طريق الهجرتين»(278) من هذه الأسباب التي تعين على ذلك:

 النظر إلى أجر الصبر على الابتلاء، وأنه يكفر الذنوب، والإيمان بالقدر، ثم قال: فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء؛ فإن قويت أثمرت الرضا والشكر، فنسأل الله أن يسترنا بعافيته ولا يفضحنا بابتلائه، بمنه وكرمه.

 

[مقتطف من دروس فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، لابنة الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله]

الأحد، 2 مارس 2025

(35) سلسلة في الطِّبِّ وَالْمَرْضَى

 

  الكمأة

 

  عن سعيد بن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قال: < الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ> رواه البخاري(5708)، ومُسْلِمٌ (2049).

 

قال ابن القيم في «زاد المعاد»(4/331): فِيهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْحُلْوَ فَقَطْ، بَلْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَا، مِنَ النَّبَاتِ الَّذِي يُوجَدُ عَفْوًا مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ وَلَا عِلَاجٍ وَلَا حَرْثٍ؛ فَإِنَّ الْمَنَّ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَيْ: مَمْنُونٌ بِهِ.

 فَكُلُّ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ الْعَبْدَ عَفْوًا بِغَيْرِ كَسْبٍ مِنْهُ وَلَا عِلَاجٍ، فَهُوَ مَنٌّ مَحْضٌ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِرُ نِعَمِهِ مَنًّا مِنْهُ عَلَى عَبْدِهِ فَخَصَّ مِنْهَا مَا لَا كَسْبَ لَهُ فِيهِ وَلَا صُنْعَ بِاسْمِ الْمَنِّ؛ فَإِنَّهُ مَنٌّ بِلَا وَاسِطَةِ الْعَبْدِ، وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ قُوَّتَهُمْ بِالتِّيهِ الْكَمْأَةَ، وَهِيَ تَقُومُ مَقَامَ الْخُبْزِ، وَجَعَلَ أُدْمَهُمُ السَّلْوَى، وَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ اللَّحْمِ، وَجَعَلَ حَلْوَاهُمُ الطَّلَّ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الْأَشْجَارِ يَقُومُ لَهُمْ مَقَامَ الْحَلْوَى، فَكَمُلَ عَيْشُهُمْ.

 

وقد تكلم  ابن القيم قبل ذلك على الكمأة وذكر أضرارها، وقال:

 وَالْكَمْأَةُ تَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُزْرَعَ.

 وَسُمِّيَتْ كَمْأَةً؛ لِاسْتِتَارِهَا، وَمِنْهُ كَمَأَ الشَّهَادَةَ، إِذَا سَتَرَهَا وَأَخْفَاهَا، وَالْكَمْأَةُ مَخْفِيَّةٌ تَحْتَ الْأَرْضِ لَا وَرَقَ لَهَا وَلَا سَاقَ، وَمَادَّتُهَا مِنْ جَوْهَرٍ أَرْضِيٍّ بُخَارِيٍّ مُحْتَقِنٍ فِي الْأَرْضِ نَحْوَ سَطْحِهَا يَحْتَقِنُ بِبَرْدِ الشِّتَاءِ، وَتُنَمِّيهِ أَمْطَارُ الرِّبِيعِ، فَيَتَوَلَّدُ وَيَنْدَفِعُ نَحْوَ سَطْحِ الْأَرْضِ مُتَجَسِّدًا، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهَا: جُدَرِيُّ الْأَرْضِ، تَشْبِيهًا بِالْجُدَرِيِّ فِي صُورَتِهِ وَمَادَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَادَّتَهُ رُطُوبَةٌ دَمَوِيَّةٌ، فَتَنْدَفِعُ عِنْدَ سِنِّ التَّرَعْرُعِ فِي الْغَالِبِ، وَفِي ابْتِدَاءِ اسْتِيلَاءِ الْحَرَارَةِ، وَنَمَاءِ الْقُوَّةِ، وَهِيَ مِمَّا يُوجَدُ فِي الرَّبِيعِ، وَيُؤْكَلُ نِيئًا وَمَطْبُوخًا، وَتُسَمِّيهَا الْعَرَبُ: نَبَاتَ الرَّعْدِ؛ لِأَنَّهَا تَكْثُرُ بِكَثْرَتِهِ، وَتَنْفَطِرُ عَنْهَا الْأَرْضُ، وَهِيَ مِنْ أَطْعِمَةِ أَهْلِ الْبَوَادِي، وَتَكْثُرُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَأَجْوَدُهَا مَا كَانَتْ أَرْضُهَا رَمْلِيَّةً قَلِيلَةَ الْمَاءِ.

وَهِيَ أَصْنَافٌ: مِنْهَا صِنْفٌ قَتَّالٌ يَضْرِبُ لَوْنُهُ إِلَى الْحُمْرَةِ يُحْدِثُ الِاخْتِنَاقَ.

وَهِيَ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، رَدِيئَةٌ لِلْمَعِدَةِ، بَطِيئَةُ الْهَضْمِ، وَإِذَا أُدْمِنَتْ أَوْرَثَتِ الْقُولَنْجَ وَالسَّكْتَةَ وَالْفَالِجَ، وَوَجَعَ الْمَعِدَةِ، وَعُسْرَ الْبَوْلِ، وَالرَّطْبَةُ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنَ الْيَابِسَةِ، وَمَنْ أَكَلَهَا فَلْيَدْفِنْهَا فِي الطِّينِ الرَّطْبِ، وَيَسْلُقْهَا بِالْمَاءِ وَالْمِلْحِ وَالصَّعْتَرِ، وَيَأْكُلْهَا بِالزَّيْتِ وَالتَّوَابِلِ الْحَارَّةِ؛ لِأَنَّ جَوْهَرَهَا أَرْضِيٌّ غَلِيظٌ، وَغِذَاؤُهَا رَدِيءٌ.

 لَكِنْ فِيهَا جَوْهَرٌ مَائِيٌّ لَطِيفٌ يَدُلُّ عَلَى خِفَّتِهَا، وَالِاكْتِحَالُ بِهَا نَافِعٌ مِنْ ظُلْمَةِ الْبَصَرِ وَالرَّمَدِ الْحَارِّ، وَقَدِ اعْتَرَفَ فُضَلَاءُ الْأَطِبَّاءِ بِأَنَّ مَاءَهَا يَجْلُو الْعَيْنَ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ الْمَسِيحِيُّ وَصَاحِبُ الْقَانُونِ وَغَيْرُهُمَا.

ثم قال: فَإِنْ قُلْتَ: فَإِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَ الْكَمْأَةِ فَمَا بَالُ هَذَا الضَّرَرِ فِيهَا، وَمِنْ أَيْنَ أَتَاهَا ذَلِكَ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ، وَأَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَهُوَ عِنْدَ مَبْدَأِ خَلْقِهِ بَرِيءٌ مِنَ الْآفَاتِ وَالْعِلَلِ، تَامُّ الْمَنْفَعَةِ لِمَا هُيِّئَ وَخُلِقَ لَهُ، وَإِنَّمَا تَعْرِضُ لَهُ الْآفَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأُمُورٍ أُخَرَ مِنْ مُجَاوَرَةٍ أَوِ امْتِزَاجٍ وَاخْتِلَاطٍ، أَوْ أَسْبَابٍ أُخَرَ تَقْتَضِي فَسَادَهُ، فَلَوْ تُرِكَ عَلَى خِلْقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقِ أَسْبَابِ الْفَسَادِ بِهِ لَمْ يَفْسُدْ.

وَمَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَحْوَالِ الْعَالَمِ وَمَبْدَئِهِ يَعْرِفُ أَنَّ جَمِيعَ الْفَسَادِ فِي جَوِّهِ وَنَبَاتِهِ وَحَيَوَانِهِ، وَأَحْوَالِ أَهْلِهِ حَادِثٌ بَعْدَ خَلْقِهِ بِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْ حُدُوثَهُ. اهـ المراد.

وكتبت عن والدي الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رَحِمَهُ الله: المن: طعام من خير الطعام، أنزله الله على بني إسرائيل { وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى}[البقرة:57].

وقال الشيخ ابن عثيمين في «شرح رياض الصالحين»(6/710): الكمأة هي التي تعرف عند الناس بالفقعة، تنبت من كثرة الأمطار ولاسيما الأمطار الموسمية، وهي معروفة لذيذة الطعم تنبت على الأرض، وإذا كبرت يأخذها الناس بدون كلفة وبدون مشقة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها من المن»،  أي: مما من الله به على عباده بيسر وسهولة، «وماؤها شفاء للعين»، يعني: أن الماء الذي يستخرج منها إذا مرضت العين بسبب الرطوبة، فإن هذه تشفيه بإذن الله عز وجل؛ لأن ماءها ناشف، وإن كان سائلًا ينشف العين ويزيل عنها الرطوبات؛ ولهذا قال: «وماؤها شفاء للعين»، يعني: ليس من كل مرض، بل من الأمراض التي أسبابها الرطوبة، فإنها تُشفى بإذن الله عز وجل.

 

الاثنين، 10 فبراير 2025

(34) سلسلة في الطِّبِّ وَالْمَرْضَى

 

من آداب عيادة المريض

في رواية في«صحيح البخاري» (5659): قال سعد: «ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي وَبَطْنِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ»، وهذا نستفيد منه: تنفيس العائد على المريض، ووضع اليد على جبهته، ومسح وجهه وبطنه، والدعاء له.

فعيادة المريض لها أحكام وآداب، ليس مجرد أن يذهب إلى المريض، فينبغي أن يحتسب الأجر في عيادته، وأن يحرص على آداب عيادة المريض، ومن ذلك أن يدعو له، والمريض يفرح إذا وجد من يؤانسه ويدعو له، وممكن يرقيه، وهذا من طرق الخير، وقد لا ينساها المريض لذلك العائد؛ فإن المريض في ضعف وانكسار نفس، فيحتاج إلى من يذكره، ويقوي إيمانه، ويسلي عليه ويدعو له، النّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا عاد مريضًا جلس عند رأسه، وقال: «أَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ، رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَكَ»، فَإِنْ كَانَ في أَجَلِهِ تَأخِيرٌ عُوفِيَ مِن وَجَعِهِ. رواه البخاري رَحِمَهُ الله في «الأدب المفرد» (536).

وروى مسلم (2186) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ جِبْرِيلَ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ».

وقد يرتفع المرض إذا أدخل السرورَ على قلب المريض، ورَفَع معنويَّته.

قال ابن القيم رحمه الله في«زادالمعاد»(4/107): وَتَفْرِيحُ نَفْسِ الْمَرِيضِ، وَتَطْيِيبُ قَلْبِهِ، وَإِدْخَالُ مَا يَسُرُّهُ عَلَيْهِ، لَهُ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي شِفَاءِ عِلَّتِهِ وَخِفَّتِهَا؛ فَإِنَّ الْأَرْوَاحَ وَالْقُوَى تَقْوَى بِذَلِكَ، فَتُسَاعِدُ الطَّبِيعَةَ عَلَى دَفْعِ الْمُؤْذِي، وَقَدْ شَاهَدَ النَّاسُ كَثِيرًا مِنَ الْمَرْضَى تَنْتَعِشُ قُوَاهُ بِعِيَادَةِ مَنْ يُحِبُّونَهُ، وَيُعَظِّمُونَهُ، وَرُؤْيَتِهِمْ لَهُمْ، وَلُطْفِهِمْ بِهِمْ، وَمُكَالَمَتِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ فَوَائِدِ عِيَادَةِ الْمَرْضَى الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِمْ، فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَوَائِدِ: نَوْعٌ يَرْجِعُ إِلَى الْمَرِيضِ، وَنَوْعٌ يَعُودُ عَلَى الْعَائِدِ، وَنَوْعٌ يَعُودُ عَلَى أَهْلِ الْمَرِيضِ، وَنَوْعٌ يَعُودُ عَلَى الْعَامَّةِ.

الاثنين، 11 نوفمبر 2024

(33) سلسلة في الطِّبِّ وَالْمَرْضَى

 

                         ماذا يقول: من أعجبه شيء؟

 

قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ﴾[الكهف: 39].

قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية من سورة الكهف: هَذَا تَحْضِيضٌ وحث على ذلك، أي: هلا إذ أَعْجَبَتْكَ حِينَ دَخَلْتَهَا وَنَظَرْتَ إِلَيْهَا، حَمِدْتَ اللَّهَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ وَأَعْطَاكَ مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ مَا لَمْ يُعْطَهُ غَيْرُكَ، وَقُلْتَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضَ السَّلَفِ: مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ حاله أو ماله أو ولده، فَلْيَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.

وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي «مُسْنَدِهِ»: حَدَّثَنَا جَرَّاحُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً مِنْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَيَرَى فِيهِ آفَةً دُونَ الْمَوْتِ».

 وَكَانَ يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

 قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ: عِيسَى بْنُ عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَنَسٍ لَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. اهـ.

فنكون استفدنا من هذه الآية: أن مَنْ أعجبه شيء في نفسِه أو ولده أو ماله فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

واستدل بعضهم بهذه الآية على قول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) لدفع العين، فإذا رأى ما يعجبه يقول هذا؛ لدفع العين، والآية ليس فيها دليل على ذلك، فهذا حوار بين رجل مؤمن ورجل مشرك لا يؤمن بيوم الحساب، فالرجل المؤمن وعظه وذكره وأوصاه بأن يعلم أن المشيئة لله والقوة قوة الله؛ فلو أراد أن يسلبها عنه لسلبها، وقد دعا عليه فيما بعد وقال: ﴿ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) ﴾[الكهف].

﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ أهلكته آفة.

﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ يضرب إحداهما على الأخرى؛ حسرة وندامة.

والعين حق، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: 51]. أَي: يعينوك بِأَبْصَارِهِمْ.

والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقول: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» رواه مسلم (2188) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وجاء عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَتُدْخِلُ الْجَمَلَ الْقِدْرَ».

 يعني: العين قد تكون سببًا للموت.

وقد أرشد النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ من رأى شيئًا يعجبه أن يبرك، ثبت عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ، وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ، اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ، حَسَنَ الْجِسْمِ، وَالْجِلْدِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ، فَلُبِطَ بِسَهْلٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ؟ وَاللهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَمَا يُفِيقُ، قَالَ: «هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟»، قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِرًا، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟»،  ثُمَّ قَالَ لَهُ: « اغْتَسِلْ لَهُ»، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ، وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. رواه أحمد(25/355)، والحديث  حسن، وله شواهد.

وقد استنبط الحافظ في « فتح الباري» تحت رقم(5740) من هذا الحديث بعض فوائده، وقال: وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:

أَنَّ الْعَائِنَ إِذَا عُرِفَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالِاغْتِسَالِ.

 وَأَنَّ الِاغْتِسَالَ مِنَ النّشْرَةِ النَّافِعَةِ.

 وَأَنَّ الْعَيْنَ تَكُونُ مَعَ الْإِعْجَابِ وَلَوْ بِغَيْرِ حَسَدٍ وَلَوْ مِنَ الرَّجُلِ الْمُحِبِّ وَمِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ.

 وَأَنَّ الَّذِي يُعْجِبُهُ الشَّيْءُ يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الدُّعَاءِ لِلَّذِي يُعْجِبُهُ بِالْبَرَكَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ رُقْيَةً مِنْهُ.

 وَأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ.

 وَفِيهِ جَوَازُ الِاغْتِسَالِ بِالْفَضَاءِ.

 وَأَنَّ الْإِصَابَةَ بِالْعينِ قد تقتل.

والأذكار حصن في دفع العين والأذى، أيضًا الصدقة والإحسان لهما مبلغ عظيم في دفع العين والأذى والحسد، فالإنسان يحرص على الوقاية من شر شياطين الإنس والجن، ومن الابتلاءات، والله المستعان.

والعين قد تكون من إنسي وقد تكون من جني، وقد تكون من أعمى، وقد تكون من محب، يصيب ولده، بل قد يصيب نفسه بالعين، فما يدري إلا والنعمة قد زالت، والبلاء قد نزل.