للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اختصار درس تبصرة العقول في شرح ثلاثة الأصول. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اختصار درس تبصرة العقول في شرح ثلاثة الأصول. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 2 أكتوبر 2023

(14) اختصار درس تبصرة العقول في شرح ثلاثة الأصول- الأخير

 

(وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُوا يُبعَثُونَ، وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾[طه:55]).

 وهذا من عقيدتنا الإيمان بالبعث، وهو اليوم الآخر، الركن الخامس من أركان الإيمان،.

 (وَبَعدَ البَعثِ مُحَاسَبُونَ وَمُجزِيُّونَ بِأَعمَالِهِم، وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾[النجم:31]) هذا من عقيدتنا الإيمان بالحساب والجزاء في عرصات يوم القيامة.

فالله يحاسب عباده يوم الحساب على أعمالهم خيرها وشرها ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)﴾ [القيامة: 13]. ومن دُقِّقَ عليه في الحساب يهلك والعياذ بالله، فقد روى البخاري (103) عن عَائِشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 8]؟ قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ».

وهذا فيه موعظة للمسلم والمسلمة في الاستعداد لدار الآخرة، وأنه سيرى أعماله، وتظهر له مخبآت، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9)﴾ [الطارق: 9].

(وَمَن كَذَبَ بِالبَعثِ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[التغابن:7])

هذه المسألة في حكم الذي يكذب بالبعث وأنه كافر.

وقد ورد في القرآن ثلاثة مواضع لا رابع لها أمر الله سُبحَانَهُ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقسم فيها: في هذا الموضع، وفي قوله تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53)﴾ [يونس: 53]. والموضع الثالث: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ﴾ [سبأ: 3].

وقوله: ﴿ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ أي: البعث يسير على الله، والبدء بالخلق أشد من إعادته-وهو البعث-، قال سُبحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27].

والله خلق السماوات والأرض وهي أعظم من خلق الناس، قال تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: 57].

وكل الرسل دعت إلى الإيمان بالبعث، قال سُبحَانَهُ: ﴿قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)﴾[المؤمنون].

(وَأَرسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ، وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:165]) (مُبَشِّرِينَ) أي: أرسلهم الله بالبِشارة، بالأجر، بالجنة. (وَمُنذِرِينَ) أرسلهم بالنذارة، والتخويف بالنار، والعذاب لمن عصى وكفر بالله عَزَّ وَجَل.

ثم قال سُبحَانَهُ: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ هذه الحكمة من إرسال الرسل؛ لتقوم الحجة وقطع الأعذار والحجج الواهية.

 (وَأَوَّلُهُم نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامِ، وَآخِرُهُم مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم)

أول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام، والدليل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾، وفي حديث الشفاعة: «فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا، أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟».

(وَآخِرُهُم مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم) والدليل قوله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40].

 (وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيهَا رَسُولًا مِن نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ يَأمُرُهُم بِعِبَادَةِ اللهِ وَحدِهِ، وَيَنهَاهُم عَن عِبَادَةِ الطَاغُوتِ، وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[النحل:36])

كل الأمم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يبعث إليها رسلًا يدعونهم إلى التوحيد واجتناب الشرك، وكما قال تَعَالَى: ﴿وَاسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: 45].

 (وَافتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ العِبَادِ الكُفرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانِ بِاللهِ) ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.

 (قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الطَّاغُوتُ مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبدُ حَدَّهُ مِن مَعبُودٍ، أَو مَتبُوعٍ، أَو مُطَاعٍ)

(مِن مَعبُودٍ) يدعوه من دون الله، يستغيث به، ويعتقد فيه الضر والنفع، يذبح له، هذا طاغوت إذا كان راضيًا بذلك.

(أَو مَتبُوعٍ) كالعلماء يتبعونهم في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله.

فلا يجوز أن يُتبع أحد على خطئِه؛ لأن العالم ليس بمعصوم، العلماء مرجع الناس لكن إذا حصلت زلة ما يُتَّبعون فيها.

(أَو مُطَاعٍ) وهذا كالأمراء، إذا أمروا بما يخالف الشرع فإنهم لا يطاعون.

 (وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرَةٌ، وَرُؤُوسُهُم خَمسَةٌ: إِبلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ) إبليس أبو الجن.

(وَمَن عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَن دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفسِهِ) قال الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ اللهُ في «شرح الثلاثة الأصول»(152): أي: من دعا الناس إلى عبادة نفسه وإن لم يعبدوه، فإنه من رؤوس الطواغيت سواء أجيب لما دعا إليه أم لم يجيب. اهـ.

يعني: عبدوه أو لم يعبدوه، الذي يدعو إلى عبادة نفسه طاغوت سواء عبد أو لم يعبد.

 (وَمَنِ ادَّعَى شَيئًا مِن عِلمِ الغَيبِ) علم الغيب المطلق من ادعاه فهو كافر.

 وعلم الغيب على قسمين:  نسبي مثل: الشخص يعرف ما في بيته. وعلم غيب مطلق، هذا لا يعلمه إلا الله سُبحَانَهُ، قال الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: 179].

 (وَمَن حَكَمَ بَغَيرِ مَا أَنزَلَ اللهُ) أي: أنه من رؤوس الطواغيت. قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)﴾ [المائدة].

وقوله رَحِمَهُ الله: وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى:  ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾.

 الله عَزَّ وَجَل يقول: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلاسِلِ» رواه البخاري (3010)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

 فهذا فيه الإكراه، إكراه الكفار على الدخول في ديننا إما أن تسلم وإما القتل، والآية هنا ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾.

والجواب عن هذه الآية أنها في أهل الكتاب الذين يدفعون الجزية، إذا أعطوا الجزية يبقون؛ لأنهم تحت الذلة وسيطرة المسلمين.قال تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].

﴿ الرُّشْدُ ﴾ ضد الغي.

﴿ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ العروة الوثقى الإسلام.

(وَهَذَا مَعنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) الآية اشتملت على الكفر بالطاغوت وتوحيد الله، وهذا معنى (لا إله إلا الله)، نفي وإثبات.

قال: (وَفِي الحَدِيثِ: «رَأسُ الأَمرِ الإِسلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِروَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»، وَاللهُ أَعلَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ)

(رَأسُ الأَمرِ) أي: شأنه.

(وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ) عمود الإسلام الصلاة، ومن ترك الصلاة فهو لغيرها أضيع، فالصلاة شأنها عظيم، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام.

(وَذِروَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: سنام الإسلام، وهو أعلاه الجهاد في سبيل الله.

 

الخميس، 14 سبتمبر 2023

(13) اختصار درس تبصرة العقول في شرح ثلاثة الأصول

 


قوله رَحِمَهُ اللهُ: (وَالهِجرَةُ: الانتِقَالُ مِن بَلَدِ الشِّركِ إِلَى بَلَدِ الإِسلَامِ) هذا تعريف الهجرة شرعًا.

 والهجرة لغة: الترك.

والهجرة على ثلاثة أقسام: هجرة البلد، وهجرة العمل، وهجرة العامل.

هجرة العمل: من الكفر والبدع والفسوق والعصيان.

وهجرة العامل، وهذا يشمل هجر الكافر والمبتدع.

ضابط بلاد الكفر:

 استفدنا من والدي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى الضابط في هذا: أن بلاد الكفر هي التي أغلب مَنْ فيها كفار.

 (وَالهِجرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن بَلَدِ الشِّركِ إِلَى بَلَدِ الإِسلَامِ)

(فَرِيضَةٌ) أي: واجبة، والدليل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآيات، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ» رواه الترمذي (1604) عَنْ جَرِيرِ.

وهذا إذا كان في بلاد الكفر لا يستطيع أن يقيم فيها دين الله، ولا أن يظهر فيها شعائر الله، فيجب عليه الهجرة إذا كان قادرًا عليها.

أما إذا كان آمنًا على دينِهِ، ويقدر على إقامة دين الله وإظهار شعائر الله فلا يجب عليه الهجرة.

ونستفيد من أدلة وجوب الهجرة: أن الذي لا يهاجر مع القدرة مرتكب لكبيرة، وليس معنى هذه الأدلة التي فيها الوعيد أنه يخرج من الملة.

(وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَن تَقُومَ السَّاعَةِ) الهجرة لا تنقطع ما بقي الجهاد.

 أما قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» رواه البخاري (2783)، ومسلم (1353) عن ابْنِ عَبَّاسٍ، فهذا لأن مكة صارت بلد إسلام.

والمهاجر لا يحل له أن يرجع إلى بلده ويبقى فيها، حتى ولو صارت بلد إسلام إلا ثلاثة أيام-وهذا من مشقة الهجرة-كما في «صحيح مسلم»(1352) عن الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعْدَ الصَّدَرِ بِمَكَّةَ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا .

وهناك بعض استثناءات كضرورة علاج ونحو ذلك.

(فَلَمَّا استَقَرَّ بِالمَدِينَةِ أَمَرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسلَامِ، مِثلُ: الزَّكَاةِ) فيها قولان لأهل العلم:

 أحدهما: أنها فرضت في المدينة.

 الثاني: أنها فرضت في مكة، قال تَعَالَى: ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾[فصلت: 6-7]. وهذه الآية مكية، قالوا: ولكن أنصباؤها وتفصيل الكلام عليها شرع في المدينة، وبهذا يجمع بين الأدلة.

(وَالصَّومِ) فرض في المدينة السنة الثانية من الهجرة، فتوفي صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات.

(وَالحَجِّ) فرض بالمدينة، وفي تحديد السنة خلاف، فمنهم من قال: في السنة السادسة، واستدلوا بقوله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، ومنهم من قال: في السنة التاسعة، وهذا قول جمهور أهل العلم، ومنهم من قال: في التاسعة أو العاشرة، القول الأخير فيه تردد.

(وَالجِهَادِ) فرض في السنة الثانية من الهجرة.

(وَالأَذَانِ) فرض في السنة الأولى، وقيل: في السنة الثانية.

والنّبِيّ صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يكن هناك أذان، فكانوا يتحينون الصلاة ثم يخرجون.

 (أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشرَ سِنِينَ) هذه المدة التي بقيها صلى الله عليه وسلم في المدينة: عشر سنين.

 والدليل عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ فَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَكَثَ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم» رواه البخاري (3851).

(وَبَعدَهَا تُوُفِّيَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ) ووفاته صلى الله عليه وسلم كانت في رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وقد أصيب الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم بمصيبة لا أشد منها.

(وَدِينُهُ بَاقٍ) لأن الله تكفل بحفظه.

 (لَا خَيرَ إِلَّا دَلَّ الأُمَّةُ عَلَيهِ، وَلَا شَرَّ إِلَّا حَذَّرَهَا مِنهُ)

روى مسلم (1844) عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو أن النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ».

 (بَعَثَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَافتَرَضَ اللهُ طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَينِ: الجِنِّ وَالإِنسِ) فرسالته صلى الله عليه وسلم عامة، وروى البخاري (335، 438)، ومسلم (521) عن جَابِرِ الحديث وفيه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً». وأدلة أخر: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19].

(وَأَكمَلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ، وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]).

وهذه من أعظم النعم على هذه الأمة أن الله أكمل لها هذا الدين، وهذه الآية نزلت في حجته صلى الله عليه وسلم بعرفة.

روى البخاري (45)، ومسلم (3017)عَنْ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

 قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.

وهذا يفيدنا أن اليهود يخترعون الأعياد بأهوائهم، ولكن نحن نتبع في أعيادنا الشرع، فليس لنا إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى.

الثلاثاء، 22 أغسطس 2023

(12) اختصار درس تبصرة العقول في شرح ثلاثة الأصول

 


قوله رَحِمَهُ اللهُ: (الأَصلُ الثَّالِثُ) من ثلاثة الأصول: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.

قوله رَحِمَهُ اللهُ: (مَعرِفَةُ نَبِيِّكُم مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ: مُحَمَّدُ بنُ عَبدِاللهِ بنِ عَبدِالمُطَّلِبِ بنِ هَاشِمٍ) نسب النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعبِ بْنِ لؤَيِّ بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.

وإلى عدنان متفق عليه بين النسَّابين، وما فوق ذلك مختلف فيه.

قوله رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَاشِمٌ مِن قُرَيشٍ) روى الإمام مسلم (2276) عن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».

«اصْطَفَى» أي: اختار.

فهذا الحديث دليل على أن بني هاشم من قريش.

وهنا قاعدة في الأنساب: كل هاشمي قرشي، وليس كل قرشي هاشميًّا.

قوله رَحِمَهُ اللهُ: (وَقُرَيشٌ مِنَ العَرَبِ) من أصول العرب، من كنانة من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله.

وقريش: هو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.

 وقيل: هو النضر بن كنانة-أي: جد فهر بن مالك-ابنِ خُزيمةَ بنِ مُدرِكةَ بنِ إلْياسَ بنِ مُضَرَ.

قوله رَحِمَهُ اللهُ: (وَالعَرَبُ مِن ذُرِّيَّةِ إِسمَاعِيلَ بنِ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ) ظاهر كلامه رَحِمَهُ اللهُ أن العرب كلهم العدنانية والقحطانية من ذرية إسماعيل بن إبراهيم.

ولم يختلفوا أن العدنانية من ذرية نبي الله إسماعيل، ونقل الإجماع عليه  ابن عبد البر رَحِمَهُ الله.

وأما القحطانية فاختلفوا على قولين:

 أحدهما: أنهم ليسوا من ذرية إسماعيل، وهذا قول جمهور أهل الأنساب، وذهب إليه ابن حزم، ورجحه ابن تيمية.

والقول الثاني: أنهم من ذرية إسماعيل.

وتبويب البخاري(بَابُ نِسْبَةِ اليَمَنِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ) يفيد ترجيح هذا القول الثاني، حيث جزم بنسبة اليمن إلى إسماعيل، ورجحه الحافظ ابن حجر.

فائدة: قبائل اليمن قحطانيون.

قوله رَحِمَهُ اللهُ: (الخَلِيلِ عَلَيهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ)

الخليل لقب لنبي الله إبراهيم، والخلة أرفع من المحبة.

ولم يتخذ الله عَزَّ وَجَل من خلقه خليلًا سوى نبيين: نبينا محمد، وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام.

قوله رَحِمَهُ اللهُ: (وَلَهُ مِنَ العُمرِ ثَلَاثٌ وَسِتِّونَ سَنَةً) توفي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وعمره ثلاث وستون سنة.

 (مِنهَا أَربَعُونَ قَبلَ النُّبُوَّةِ) أي: نُبِّئ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وهو ابن أربعين.

 (وَثَلَاثٌ وَعِشرُونَ نَبِيًّا رَسُولًا) هذه مدة النبوة ثلاث وعشرون عامًا.

(نُبِّئَ بِـ ﴿اقْرَأْ﴾[العلق: 1]) نزلت الخمس الآيات الأولى من سورة العلق.

(وَأُرْسِلَ بِالمُدَّثِّرِ) يعني: الآيات الأولى منها.

النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ نبئ بسورة اقرأ –والمراد: كما سبق الخمس الآيات الأولى-، وأرسل بأول المدثر.

(وَبَلَدُهُ مَكَّةَ) قال تَعَالَى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: 13]. أي: مكة، كما في كتب التفسير.

 (وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ) البلدة التي هاجر إليها النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ المدينة.

(بَعَثَهُ اللهُ بِالنَّذَارَةِ عَنِ الشِّركِ وَيَدعُو إِلَى التَّوحِيدِ، وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)﴾ ...)

﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، يُنذِر عَنِ الشِّركِ وَيَدعُو إِلَى التَّوحِيدِ. ينذر عن غضب الله، ينذر عن النار.

﴿ فَكَبِّرْ ﴾ أَي: عَظَمَهٌ بِالتَّوحِيدِ، فمن لم يوحد الله عَزَّ وَجَل لم يعظمه.

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ الآية أعم تشمل: تطهير الأعمال من الشرك، وتطهير الأخلاق من الأخلاق السيئة، وطهارة القلب، وتشمل أيضًا الطهارة من النجاسة الحسية.

﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، الرُّجزُ: الأَصنَامُ.

﴿ فَاهْجُرْ﴾ أي: اترك عبادتها، وتبرأ إلى الله منها ومن أهلها.

﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)﴾ أي: لا تعطِ عطاءً وتطلب أكثر مما أعطيت.

﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) ﴾ أي: اصبر لحكم ربك الشرعي والقدري.

 (أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشرَ سِنِينَ يَدعُو إِلَى التَّوحِيدِ) أي: استمر على هذا يدعو إلى التوحيد.

 النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وهو بمكة كان تركيز دعوته على التوحيد ثلاثة عشر عامًا، وقد يدعو إلى غير التوحيد من شرائع الإسلام.

قوله رَحِمَهُ اللهُ: (وَبَعدَ العَشرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ) أي: في السنة الحادي عشرة.

وهذا التحديد مختلف فيه بين أهل السير، فعلى هذا القول يكون الإسراء والمعراج قبل الهجرة بثلاث سنين، ومنهم من قال: بسنة ونصف، إلى غير ذلك.

ولا نعلم في أي شهر عُرج بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، أما ما اشتهر بين الناس أنه عرج به على سبعة وعشرين في شهر رجب، فهذا ليس عليه دليل صحيح.

قوله رَحِمَهُ اللهُ: (وَفُرِضَت عَلَيهِ الصَّلَوَاتُ الخَمسُ) يعني: فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج بمكة قبل الهجرة، فلما هاجر النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أُتمت الرباعية؛ لأنها أول ما فرضت ركعتين.

 (وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ) الحادي عشرة والثاني عشرة والثالث عشرة، وهذا على قول بعضهم كما تقدم.

 (وَبَعدَهَا أُمِرَ بِالهِجرَةِ إِلَى المَدِينَةِ) أي: بعد ثلاثة عشر عامًا من البعثة.