»دروس مختصرة في الصيام من كتاب عمدة الفقه الحنبلي«
لأم عبد الله بنت الشيخ مقبل بن هادي الوادعي
حفظها الله تعالى
»دروس مختصرة في الصيام من كتاب عمدة الفقه الحنبلي«
لأم عبد الله بنت الشيخ مقبل بن هادي الوادعي
حفظها الله تعالى
الدرس الخامس عشر
قال الإمام أبو محمد عبدالله
بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله في كتاب الصيام من عمدة الفقه:
وَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ.
وَنَهىَ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ،إِلاَّ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيْ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ.
وَلَيْلَةُ
الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ.
الشرح
هذه جملةٌ من المسائل:
النهي
عن صيام يومين: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ
هذا ثابتٌ عَنْ أبي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ
الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وقد أجمع العلماء على تحريم صيام يومي العيدين وأن الصيام لا يصح في هذين اليومين.
النهي عن صيام أيام التشريق
عن كعب بن مالك أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَأَوْسَ بْنَ
الْحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَنَادَى «أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ
إِلَّا مُؤْمِنٌ وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ»رواه مسلم (1142).
عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيَّامُ
التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ » أخرجه مسلم (1141).
عَنْ أَبِي مُرَّةَ،
مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَلَى
أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمَا طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ،
فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمْرٌو: كُلْ، «فَهَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا
بِإِفْطَارِهَا، وَيَنْهَانَا عَنْ صِيَامِهَا»قَالَ مَالِكٌ:«وَهِيَ أَيَّامُ
التَّشْرِيقِ» رواه أبوداود(2419).وذكر الحديث والدي رحمه الله في «الصحيح
المسند».
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ
عَامِرٍ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«يَوْمُ عَرَفَةَ
وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأيام التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أهلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أيام
أَكْلٍ وَشُرْبٍ»والحديث صحيح.
وأيام التشريق ثلاثة
أيام بعد عيد الأضحى،الحادي عشر،والثاني عشر،والثالث عشر.
و هي الأيام
المعدودات،قال تعالى:﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾[البقرة:203].
وَيُقَالُ لَهَا
أَيَّامُ مِنَى لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يُقِيمُونَ فِيهَا بِمِنَى.
وَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ منها يُقَالُ لَهُ:
يَوْمُ الْقَرِّ بِفَتْحِ الْقَافِ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنَى.
وَالثَّانِي: يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ
لِأَنَّهُ يَجُوزُ النَّفْرُ فِيهِ لِمَنْ تَعَجَّلَ.
وَالثَّالِثُ:يَوْمُ
النَّفْرِ الثَّانِي.[المجموع 6/442 للنووي].
الترخيص
في صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي
لقول الله تعالى :﴿فمن تمتَّعَ بالعُمْرةِ إلى الحجِّ فما
اسْتَيْسَرَ من الهَدْي فمنْ لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ وسَبْعةٍ إذا
رَجَعْتُمْ تلك عَشَرَةٌ كاملةٌ ﴾[البقرة:196].
ولحديث عائشة وابن عمر :«لَمْ يُرَخَّصْ فِي أيام التَّشْرِيقِ أن يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ
يَجِدْ الْهَدْيَ»رواه البخاري.
وَلَيْلَةُ
الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ.
أي:تُلتمس ليلة القدر
في الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ.
والدليل: عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ
مِنْ رَمَضَانَ»رواه البخاري(2017)،ومسلم(1169).
انتهى الدرس الخامس
عشر ،وهو خاتمة دروس الصيام من كتاب الصيام من عمدة الفقه الحنبلي،بتاريخ/8/12/
1441.
والحمد لله الذي
هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله،والحمد لله رب العالمين.
قال الإمام أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله في كتاب الصيام من عمدة الفقه:
وَالصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيْرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ
وكذلك سائر التطوع إِلاَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ،فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُمُا، وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَ مِنْهُمَا
الشرح
قوله:(وَالصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيْرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ)
هذا لفظُ حديث ورد عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَدَعَا بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ.رواه الترمذي(732)،وأحمد(44/463). وفي سنده جعدة المخزومي حفيد أم هانئ مجهول حال.
ولكنه قد ثبت عن عائشة في «صحيح مسلم» (1154)قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاتَ يَوْمٍ «يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ» قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ - أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ - قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ - أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ - وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا، قَالَ: «مَا هُوَ؟» قُلْتُ: حَيْسٌ، قَالَ: «هَاتِيهِ» فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا».وهذا دليلٌ على جواز الفطر من صيام التطوع،ولكن لا ينبغي قطع الصيام لغير عذر.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى (4/ 234)..ولَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى الصَّوْمِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ بِالْإِجْمَاعِ.
وأما الإفطار في صوم الفريضة لغير عذر كسفر أو مرضٍ فهذا لا يجوز. قال ابن قدامة في «المغني» (2097):وَمِنْ دَخَلَ فِي وَاجِبٍ، كَقَضَاءِ رَمَضَان، أَوْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ، أَوْ صِيَامِ كَفَّارَةٍ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ،لِأَنَّ الْمُتَعَيِّنَ وَجَبَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ، وَغَيْرَ الْمُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ بِدُخُولِهِ فِيهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ الْمُتَعَيِّنِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ.اهـ
(وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ)
إذا أفطر من صيام تطوع فلا قضاء عليه،لحديث عائشة المذكور إذ ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى اليوم الذي أفطره،قال الشوكاني رحمه الله تعالى (4/ 234): ظَاهِرُهُ-أي حديث الصائم المتطوع-أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. اهـ.
(وكذلك سائر التطوع)أي:لا يلزم إتمام التطوع مثل الصدقة والصلاة وقراءة القرآن.
وقد قاسوا هذا على صيام التطوع ،فكما يجوز الإفطار في صيام التطوع كذلك يجوز في سائر التطوعات.
قال ابن قدامة في «المغني»(3/160):وَسَائِرُ النَّوَافِلِ مِنْ الْأَعْمَالِ حُكْمُهَا حُكْمُ الصِّيَامِ، فِي أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا إذَا خَرَجَ مِنْهَا، إلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُمَا يُخَالِفَانِ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ فِي هَذَا، لِتَأَكُّدِ إحْرَامِهِمَا، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِإِفْسَادِهِمَا.
وكذلك استنبط الحافظ من حديث عائشة وما في معناه في عدم لزوم إتمام صوم التطوع أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِبَادَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِتْمَامَ إِذَا كَانَت نَافِلَة بِهَذَا النَّص فِي الصَّوْم وبالقياس فِي الْبَاقِي.كذا في«فتح الباري»(46)أي: باستثناء نافلة الحج والعمرة فإنه يلزم بالشروع فيهما الإتمام.
ولكن الأولى ألا يخرج لغير عذر،قال الشيخ ابن عثيمين في«الشرح الممتع»(6/486)عن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعبد الله بن عمرو-بن العاص- رضي الله عنهما:«لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل».قال:إذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم انتقده لترك قيام الليل، فكيف بمن تلبَّس بالنافلة فإنّ انتقاده إذا تركها من باب أولى؟
ولهذا نقول للإنسان إذا شرع في النافلة: لا تقطعها إلا لغرض صحيح.اهـ
(إِلاَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُمُا)
حج التطوع وعمرة التطوع يجب إتمامهما بالشروع فيهما،والدليل قوله تعالى:﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾[البقرة:196].
ولا يتحلَّل من أحرم بالحج والعمرة إلا بواحدٍ من ثلاثة:
قال ابن قدامة في «المغني »(2441):التَّحَلُّلَ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ كَمَالِ أَفْعَالِهِ، أَوْ التَّحَلُّلِ عِنْد الْحَصْرِ، أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شَرَطَ، وَمَا عَدَا هَذَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِهِ. فَإِنْ نَوَى التَّحَلُّلَ لَمْ يَحِلَّ، وَلَا يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِرَفْضِهِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِالْفَسَادِ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِرَفْضِهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.اهـ
(وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَ مِنْهُمَا) إذا أفسد حجه أو عمرته بالجماع فذكر أهل العلم أن عليه القضاء.
قال ابن قدامة في «المغني »(2442) فَأَمَّا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، فَيَلْزَمُهُ بِكُلِّ حَالٍ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ الَّتِي أَفْسَدَهَا وَاجِبَةً بِأَصْلِ الشَّرْعِ، أَوْ بِالنَّذْرِ، أَوْ قَضَاءً، كَانَتْ الْحَجَّةُ مِنْ قَابِلٍ مُجَزِّئَةً، لِأَنَّ الْفَاسِدَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْقَضَاءُ، أَجْزَأَهُ عَمَّا يُجْزِئُ عَنْهُ الْأَوَّلُ، لَوْ لَمْ يُفْسِدْهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْفَاسِدَةُ تَطَوُّعًا، وَجَبَ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ بِالدُّخُولِ فِي الْإِحْرَامِ صَارَ الْحَجُّ عَلَيْهِ وَاجِبًا، فَإِذَا أَفْسَدَهُ، وَجَبَ قَضَاؤُهُ، كَالْمَنْذُورِ، وَيَكُونُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ الْحَجَّ الْأَصْلِيَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، فَهَذَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَالْوَاجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِذَلِكَ.هذا ما ذكره ابن قدامة،والله أعلم.
انتهى الدرس الرابع عشر،ولله الحمد والمنة.
الدرس الثالث عشر:
قال الإمام أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله في كتاب الصيام من عمدة الفقه:
وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ
وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ
وَلا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ أَنْ يَصُوْمَهُ
وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيْضِ
وَالاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيْسِ
الشرح
قوله رحمه الله:
وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ
وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ
دليل ذلكَ: عن أبي قتادة رضي الله عنه قال:سُئِلَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ»رواه مسلم (1162).
في هذا الحديث:استحباب صيام يوم عرفة وصوم يوم عاشوراء.
وَلا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ أَنْ يَصُوْمَهُ
دليل ذلك:
عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ.رواه البخاري ومسلم.
هذا الحديث فيه:أن الحاج يستحب له ألا يصومَ بعرفة.
والحكمة من أجل التَّقَوِّي على طاعة الله وعبادته.
قوله رحمه الله:وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيْضِ
والدليل:عن أبي ذَرٍّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ»رواه الترمذي(761).
قوله رحمه الله:وَالاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيْسِ
والدليل:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ»رواه الترمذي(745).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»رواه الترمذي(747).
انتهى الدرس الثالث عشر ،ولله الحمد والمنة.
الدرس الثاني عشر
قال الإمام أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله في كتاب الصيام من عمدة الفقه:
بَابُ صِيَامُ التَّطَوُّعِ
أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ عليه السلام، كَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الَّذِيْ يَدْعُوْنَهُ الْمُحَرَّمَ،
وَمَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ،
وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ.
قوله رحمه الله:أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ عليه السلام..
دليله:عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ: «فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ «لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» رواه البخاري (1976)،ومسلم (1159).
هذا الحديث نصٌّ أن أفضل صيام التطوع صيام يوم وإفطار يوم،وذلك نصف الدهر.
وهذا لِمَن لديه قوة واستطاعة على صيام نبي الله داود،ولم يفوِّت به الحقوق والواجبات،ولا
ما هو أهَمُّ.
قوله: وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ..
دليل ذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ رواه مسلم(1163).
وهذا الحديث فيه استحباب الإكثار من الصيام في شهر محرم،وليس المراد صيامه كله،فقد قالت عائشة رضي الله عنها :وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ.رواه الإمام مسلم(746).
قوله:وَمَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ..
دليله:عن ابن عباس رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:«مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟» قَالُوا: وَلاَ الجِهَادُ؟ قَالَ:«وَلاَ الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ». رواه البخاري (969).
وهذا الحديث فيه فضل عشر ذي الحجة واستحباب الإكثار من الأعمال الصالحة فيها.
قوله:وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ..
دليله:عن أَبِي أَيُّوبَ الأنصاري رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ»رواه مسلم.
هذا الحديث فيه استحباب صيام ست من شوال.
انتهى الدرس الثاني عشر ولله الحمد والمنة.
الدرس الحادي عشر
قال ابن قدامة رحمه الله:
وَمَنْ أَكَلَ يَظُنُّهُ لَيْلًا، فَبَانَ نَهَارًا، أَفْطَرَ، وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ طُلُوْعِ الْفَجْرِ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ ، وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ فَسَدَ صَوْمُهُ.
قوله رحمه الله:وَمَنْ أَكَلَ يَظُنُّهُ لَيْلًا فَبَانَ نَهَارًا أَفْطَرَ
هذا له صورتان:
أن يأكل ظانًّا أنه ليل ثم تبيَّن أنه أكلَ بعد طلوع الفجر
أن يأكل ظانًّا أن الشمس قد غربت ثم تبيَّن أن الشمس لم تغرب
وهذا على المذهب الحنبلي وأكثر أهل العلم يفسدُ صومُه وعليه القضاء.
والصحيح أن صومه صحيح،لأن هذا وقع خطأ وقد قال تعالى:﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾[البقرة: 286].
وروى البخاري (1959)عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَتْ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ». (25/ 216)،
وليس فيه أن الصحابة قضوا هذا اليوم.
وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم قالوا:ليس عليه قضاء كالناسي.
وهذا قول عروة والحسن البصري.
وقول إسحاق بن راهويه - وَهُوَ قَرِينُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَيُوَافِقُهُ فِي الْمَذْهَبِ:أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَقَوْلُهُمَا كَثِيرًا مَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ.«مجموع الفتاوى»(25/232)لشيخ الإسلام.
وأهل الظاهر.
واختاره شيخ الإسلام في«مجموع الفتاوى»(20/572)،واستدل ببعض ما تقدم من الأدلة وبعض الآثار ثم قال رحمه الله:وَفِي الْجُمْلَةِ فَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى أَثَرًا وَنَظَرًا وَأَشْبَهُ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ.
وهو قول والدي الشيخ مقبل.
وقول الشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع»(6/398).ويُنظر «المغني»(3/147).
قوله:وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ طُلُوْعِ الْفَجْرِ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ
والدليل قوله تعالى:﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187].
فإذا أكل وهو متردد في طلوع الفجر هذا صومه صحيح،لأنه لم يتبين له طلوع الفجر،ولأن الأصل بقاء الليل.
والفرق بين الظن والشك:
الظن:ترجيح أحد الطرفين على الآخر.
الشك:استواء الطرفين.
قوله:وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ فَسَدَ صَوْمُهُ
هذه المسألة في صائم شك في غروب الشمس و أكل، هذا صيامه فسد،لأن الأصل بقاء النهار.
انتهى ولله الحمد والمنة الدرس الحادي عشر.
ويليه:بَابُ صِيَامُ التَّطَوُّعِ. إن شاء الله تعالى.
الدرس العاشر :
أشياء لا تفطر الصائم
قال الإمام أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله في سياق بيان بعض الأشياء التي لا تفسد الصيام:
وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ، أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَوَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ مَاءٌ ، أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ،أَوْ قَطَّرَ فِيْ إِحْلِيْلِهِ ، أَوِ احْتَلَمَ ، أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ.
الشرح
قوله رحمه الله:(وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ، أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَوَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ مَاءٌ)
إذا غلب الصائم دخول شيء إلى جوفه فصومه صحيح.
والدليل قوله تعالى:﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].
قوله: أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ
إذا فكَّر في الجماع فأنزل لا يفسد صومُه،والدليل:
عن أبي هريرة أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» رواه البخاري (5269)، ومسلم (127)وهذا لم يعمل ولم يتكلم.
قوله:أَوْ قَطَّرَ فِيْ إِحْلِيْلِهِ
قال الشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع»(6/371): أي: قناة الذكر، فلو أدخل عن طريق الذكر خيطاً فيه طعم دواء فإنه لا يفطر، لأن الذكر لا يصل إلى الجوف ما دخل عن طريقه، فإن البول إنما يخرج رشحًا، هكذا علل الفقهاء ـ رحمهم الله ـ ومرادهم بذلك أن البول يجتمع في المثانة عن طريق الرشح؛ لأنه ليس لها إلا منفذ واحد.
والحمد لله نحن في غنى عن هذه التعليلات من الأصل إذا أخذنا بالقول الراجح، وهو أن المفطر هو الأكل والشرب، وما أدخل من طريق الإحليل فإنه لا يسمى أكلاً ولا شرباً، وإذا كانت الحقنة وهي التي تدخل عن طريق الدبر لا تفطر على القول الراجح، فما دخل عن طريق الإحليل من باب أولى.
قوله:أَوِ احْتَلَمَ
الاحتلام لا يُفسد الصيام
قال النووي في «المجموع»(6/322):إذَا احْتَلَمَ فَلَا يُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ .اهـ.
قوله:أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ
أي:غلبه القيء.وهذا في المسألة شِبه إجماع بين أهل العلم أنه لا يُفسِدُ الصيامَ.
قال ابن المنذر في «الإجماع»فقرة (126):أجمعوا على أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء، وانفرد الحسن البصري، فقال: عليه، ووافق في أُخرى.اهـ.
انتهى الدرس العاشر ولله الحمد والمنة.
الدرس التاسع
بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ
وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ اسْتَعَطَ أَوِ اسْتَقَاءَ أَوِ اسْتَمْنَى، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ، فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى،أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَنْزَلَ،أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ عَامِدًا، ذاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ،وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ يَفْسُدْ.
الشرح
قوله رحمه الله:(وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ)
من مبطلات الصيام الأكل و الشرب عامدًا ذاكرًا،وقد صرَّح بذلك المؤلف في قوله:(عَامِدًا، ذاكِرًا لِصَوْمِهِ).
والدليل قوله تعالى:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْط الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْط الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ).
قوله رحمه الله ( أو استعط )
السعوط : ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف .
و هذا إن كان من المطعومات والمشروبات فهو من المفطرات.والدليل:عن لَقِيطِ بْنِ صَبرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» رواه أبو داود (2366).نُهي الصائم عن المبالغة في الاستنشاق حتى لا يدخل إلى حلقه شيءٌ من الماء.
قوله:(أَوِ اسْتَقَاءَ)
الاستقاء: إخراج القيء عمدًا . وهذا على قول جمهور العلماء أنَّ من استقاء فعليه القضاء، ودليلهم:عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنِ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ» رواه أبو داود (2380)،والترمذي (720).ولكنه حديث معل.وقد ذكره والدي رحمه الله في أحاديث معلة.
وجاء عن ابن عباس وأبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أن الذي يفطر هو ما دخل لا ما خرج ،وهو اختيار البخاري في صحيحه تبويب حديث (1938)،وهو إحدى الروايتين عن مالك.
أما من غلبه القيء فقال ابن المنذر في «الإجماع»فقرة (126):أجمعوا على أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء، وانفرد الحسن البصري، فقال: عليه، ووافق في أُخرى.اهـ.
(أَوِ اسْتَمْنَى)قال الشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع »(6/373): أي: طلب خروج المني بأي وسيلة، سواء بيده، أو بالتدلك على الأرض، أو ما أشبه ذلك حتى أنزل، فإنّ صومه يفسد بذلك، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة رحمهم الله ،مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد.اهـ
والدليل أنه من المفطرات إذا استدعى المني فأنزل:عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفيه: « يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي » رواه البخاري (1894)،ومسلم (1151).
(أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ، فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى)
هذا على مذهب جمهور الحنابلة أنه إذا قبَّل أو لمس فأمنى أو أمذى فسد صومُه.
أما فساد الصوم بخروج المذي إذا قبَّل أو لمس فبعيدٌ جدًّا،لعدم الدليل أنه يُفَطِّر.وهذا اختيار شيخ الإسلام والشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع»(6/376).
والقُبْلة جائزة للصائم إذا أمِن على نفسِه،شيخا كان أو شابًّا.
والدليل:عَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ: أَنَّهُ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ: سَلْ هَذِهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ لَهُ: أما وَاَللَّهِ إنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قوله:(أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَنْزَلَ)
ذكر الشيخ ابن عثيمين فيه تفصيلًا،وقال:إن كرره حتى أنزل فسد صومه، وإن أنزل بنظرة واحدة لم يفسد، إلا أن يستمر حتى ينزل فيفسد صومه، لأن الاستمرار كالتكرار، بل قد يكون أقوى منه في استجلاب الشهوة والإنزال.«الشرح الممتع»(6/377).
(أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ)
من أدلة من قال:الحجامة من المفطرات:عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ».وهذا قول الحنابلة،وإسحاق بن راهويه،واختاره شيخ الإسلام.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تبطل الصوم، وهذا اختيار البخاري في «صحيحه» في تبويب حديث (1938)،والشوكاني في «نيل الأوطار»(4/568)،وهو قول والدي.
والدليل:عن ابن عباس «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»رواه البخاري.
عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ لأنسِ بْنِ مَالِكٍ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا إلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ»رواه البخاري.
والجواب عن حديث الفطر بالحجامة أن هذا باعتبار ما يؤول إليه الأمر، فالحاجم قد يدخل إلى جوفه شيء من الدم بواسطة آلة الحجامة، والمحجوم قد يضعف فيحتاج إلى الفطر، كما قال أنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا إلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ». وهذا قول والدي الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله فقد سألته وأجابني بذلك.
قوله:(عَامِدًا، ذاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ،وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ يَفْسُدْ)
العامد:هذا القيد أخرج من يحصل له بغير اختياره،وهذا في حالين:
-المكره،والدليل:قول الله عز وجل:﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)﴾[النحل]،فإذا كان هذا في الكفر للمكره فما دونه من باب أولى.
-أن يدخل إلى حلقه شيءٌ بالغلبة مثل:صائم تمضمض أو استنشق فدخل الماء إلى حلقه،أو ذباب دخل إلى حلقه،والدليل قوله تعالى:﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]
والذاكر أخرج الناسي،فالناسي إذا أكل أو شرب فصيامه صحيح.
والدليل: عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».رواه البخاري (6669)، ومسلم (1155).
نكون استفدنا بعض المفطرات للصائم،وفي بعضها خلاف.
ولم يذكر رحمه الله أن يكون عالمًا ليخرج بهذا القيد الجاهل. وقد نبَّه على هذا القيد الشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع»(6/ 387)،وقال:والصحيح اشتراط العلم، لدلالة الكتاب والسنة عليه، فتكون شروط المفطرات ثلاثة: العلم، والذكر، والعمد.
انتهى الدرس التاسع،ولله الحمد والمنة.