للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اختصار من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اختصار من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 8 أغسطس 2019

(30)اختصار الدرس الأخير (رقم 28) من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية


حكم صوم يومَي العيدين وأيام التشريق.

عَنْ أبي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَأَوْسَ بْنَ الْحَدَثَانِ أيام التَّشْرِيقِ فَنَادَيَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا مُؤْمِنٌ، وأيام مِنًى أيام أَكْلٍ وَشُرْبٍ». رَوَاهُ أحمد وَمُسْلِمٌ.

عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أيام التَّشْرِيقِ أن يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

صوم العيدين: أجمع العلماء على تحريم صيام يومي العيدين وأن الصيام لا يصح في هذين اليومين، قال الشوكاني رحمه الله في «نيل الأوطار» (4/310): وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الْعِيدَيْنِ أَنَّ فِيهِ إعْرَاضًا عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْأُصُولِ. اهـ.


صيام أيام التشريق وهي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.

سُمِّيَتْ بذلك لتَشْرِيقِ النَّاسِ لُحُومَ الْأَضَاحِي فِيهَا وَهُوَ تَقْدِيدُهَا وَنَشْرُهَا فِي الشَّمْسِ.

ويقال لأيام التشريق الأيام المعدودات، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾[البقرة: 203].

وَيُقَالُ لَهَا أَيَّامُ مِنَى لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يُقِيمُونَ فِيهَا بِمِنَى.

 وَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ منها يُقَالُ لَهُ: يَوْمُ الْقَرِّ بِفَتْحِ الْقَافِ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنَى.

 وَالثَّانِي: يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ النَّفْرُ فِيهِ لِمَنْ تَعَجَّلَ.

وَالثَّالِثُ: يَوْمُ النَّفْرِ الثَّانِي. [«المجموع» (6/442) للنووي].

وقد دلَّت هذه الأحاديث على النهي عن صيام أيام التشريق.

وفي معناها ما جاء:

§    عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» أخرجه مسلم (1141).

§    عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأيام التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أهلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أيام أَكْلٍ وَشُرْبٍ» والحديث صحيح.

 وخُصَّ من هذا النهي المتمتع الذي لم يجد الهدي لحديث عائشة وابن عمر في الباب: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أيام التَّشْرِيقِ أن يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ».

§    ولقول الله تعالى: ﴿فمن تمتَّعَ بالعُمْرةِ إلى الحجِّ فما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي فمنْ لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ وسَبْعةٍ إذا رَجَعْتُمْ تلك عَشَرَةٌ كاملةٌ ﴾[البقرة: 196].

وقد ذهب إلى ما دلت عليه هذه الأدلة -في النهي عن صيام أيام التشريق إلا المتمتع الذي لم يجد الهدي- الشافعي في القديم.

وجاء هذا أيضًا عن ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ والأوزاعي ومالك وأحمد في رواية عنه وإسحق.

وهناك قولان آخران في المسألة:

§    أنه لا يصام أيام التشريق لا لمتمتع ولا لغيره أخذًا بعمومات النهي.

 جاء هذا عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب وأبي حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ومذهب الشافعي في الجديد. وهو قول ابن حزم في «المحلى»(802).

§    جَوَازُ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ وَغَيْرِهِ

جاء هذا عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ سِيرِينَ. يراجع/«المجموع شرح المهذب»(6/545).

ويَرَدُّ هذين القولين الأحاديث السابقة وما في معناها.

وأما الاستدلال بالعمومات في النهي عن صيام أيام التشريق فهي عامة، وأدلة جواز صيام أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد الهدي خاصة، والخاص يقدم على العام.

والصحيح هو ما تقدم أنه لا يصام أيام التشريق سوى المتمتع الذي لم يجد الهدي ولم يصم الثلاثة الأيام قبل يوم عرفة فإنه يجوز له صيام أيام التشريق لهذه الأدلة المذكورة السابقة. 

وهذا آخر شيء من اختصار دروس الصيام  للمجد ابن تيمية من كتابه المنتقى.والحمد لله الذي أعاننا ووفقنا،فله الفضل والمنة  7/شهر ذي الحجة 1440

الخميس، 1 أغسطس 2019

(30)اختصار الدرس السابع والعشرين من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية



عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ إلَّا أن يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ». رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

من فوائد هذا الحديث

§    فيه النهي عن تقدم رمضان بصوم يومٍ أو يومين.

قال الترمذي في «سننه»(684): وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: كَرِهُوا أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْمًا فَوَافَقَ صِيَامُهُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَهُمْ. اهـ.

وتقييد النهي بما كان (لِمَعْنَى رَمَضَانَ) خلاف ظاهر الحديث.فالنهي عام سواء كان بنية الاحتياط لرمضان أو نفلًا مطلقًا..وقد نبَّه على ذلك الصنعاني في سبل السلام.

وذكروا أمورًا في الحكمة في النهي عن تقدم رمضان:

§    أحدها: أنه على وجه الاحتياط لرمضان فينهى عن التقدم قبله لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه كما نهي عن صيام يوم العيد لهذا المعنى حذرا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم.

§    الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع، ولهذا حُرِّم صيام يوم العيد، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام، وخصوصًا سنة الفجر قبلها فإنه يشرع الفصل بينها وبين الفريضة، ولهذا يشرع صلاتها في البيت والاضطجاع بعدها.

وهذا رده ابن حجر في «فتح الباري»(1914) وَقال: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.

§    الثالث: الاستعداد لصوم رمضان بنشاط ورغبة وقوة.

§    الرابع: أن الْحُكْمَ عُلِّقَ بِالرُّؤْيَةِ فَمَنْ تَقَدَّمَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَدْ حَاوَلَ الطَّعْنَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وهذا رجحه ابن حجر في «فتح الباري» وقال: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. اهـ ويراجع «لطائف المعارف»(144) لابن رجب.

وعلى المعنى الأول والرابع يكون فيه الحث على التقيد بالدليل من دون زيادة ولا نقصان، وترك الغلو في الدين.



§    هذا الحديث عام في النهي عن تقدم رمضان بصوم يومٍ أو يومين سواء كان بنية الاحتياط أو صيام يوم الشك أو صيام نفلٍ مطلق. ومن قال بجواز ذلك فالحديث ردٌّ عليه.

§    وفيه استثناء من كان له عادة صيام كمن يصوم الاثنين والخميس فوافق التاسع والعشرين أو الثلاثين فإنه يصوم ويصل الصوم بصوم رمضان.

ومثَّل لذلك أيضًا الشيخ ابن عثيمين في «مجموع الفتاوى» (6/2) بمن إذا كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيامٍ من كل شهر ولكنه لم يصمها في شعبان ولم يتيسر له صومها إلا في آخر شعبان فصامها في اليوم السابع والعشرين والثامن والعشرين والتاسع والعشرين فإنه لا شيء عليه لأن ذلك صومٌ كان يصومه. اهـ.

ويلحق به من كان عليه قضاء من رمضان أو صيام نذرٍ فإنه يصوم ولو تقدم رمضان.

§    مفهوم الحديث يفيد: جواز صيام آخر شعبان سوى اليومين اللذين قبل رمضان.

§    فيه دليل على نكارة حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إذا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلَا تَصُومُوا» رواه أبو داود (2337) وقد أُنكر هذا الحديث على العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب.

§    وفيه رَدٌّ عَلَى مَنْ يَرَى تَقْدِيمَ الصَّوْمِ عَلَى الرُّؤْيَةِ كَالرَّافِضَةِ. «فتح الباري».

§    جواز قول رمضان من غير إضافة شهر.

§    تعليم الناس أحكام الصيام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ: هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

هذا الحديث فيه دليل على جواز تقدم رمضان بصوم يومٍ أو يومين لمن كان له عادة صيام أو يكون عليه نذر.

 وهذا على أن «سَرَرِ الشَّهْرِ» آخر الشهر.

 ويدل له تبويب البخاري (1983) «باب الصوم من آخر الشهر». وهذا قول جمهور العلماء أن سرر الشهر آخره، سميت بذلك لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمانٍ وعشرين وتسعٍ وعشرين وثلاثين.

وَقِيلَ: السّرَرُ وَسَطُ الشَّهْرِ حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ السُّرَرَ جَمْعُ سُرَّةٍ وَسُرَّةُ الشَّيْءِ وَسَطُهُ. وَيُؤَيِّدُهُ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ الْبِيضِ وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي صِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ نَدْبٌ، بَلْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ وَهُوَ آخِرُ شَعْبَانَ لِمَنْ صَامَهُ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَفْرَدَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا سُرَّةُ هَذَا الشَّهْرِ عَنْ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ وَأَرْدَفَ بِهَا الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْحَضُّ عَلَى صِيَامِ الْبِيضِ وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ. اهـ المراد من «فتح الباري»(1983).

نستفيد من هذا الحديث:

§    صيام آخر شعبان لمن كان معتادًا صيام آخر الشهر وأنه لا يتناوله النهي عن تقدم رمضان بيومٍ أو يومين.

§    وفيه كما قال القرطبي في «المفهم» (3/235): حمل على ملازمة عادة الخير حتى لا تقطع، وحض على ألا يمضي على المكلَّف مثل شعبان فلم يصم منه شيئًا.

§    ثم استنبط منه القرطبي مزية الصيام في شعبان لأنه أمره بصوم يومين للمزية التي يختص بها شعبان، فلا بُعد في أن يقال: إن صوم يوم منه كصوم يومين في غيره. ويشهد لهذا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم منه أكثر مما كان يصوم من غيره، اغتنامًا لمزية فضيلته.

§    وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ قَضَاءِ التَّطَوُّعِ «فتح الباري».






الأربعاء، 17 يوليو 2019

(29)اختصار الدرس الخامس والعشرين من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية




حكم الصوم في السفر تطوعًا

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يُفْطِرُ أيام الْبِيضِ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ ذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (580) وحسَّن إسناده.

دل الحديث على استحباب صيام البيض في السفر والحضر.

ويدل للصوم في السفر حديث عَائِشَةَ «أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ: إن شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» رواه البخاري ومسلم.

قال الشوكاني في «نيل الأوطار»(4/621) في شرح حديث ابن عباس المذكور: وَيَلْحَقُ بِهَا صَوْمُ سَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا.

والسفر فيه مشاق ومتاعب، فيحصل شغلٌ وتقصير ونقصٌ كبير، ولهذا جاء التيسير والرخص للمسافر في أُمورٍ كثيرةٍ.

قال ابن القيم في «إعلام الموقعين»(3/359): لا ريبَ أن الفِطْرَ والقصر يختص بالمسافر، ولا يُفطر المقيم إلا لمرض، وهذا من كمال حكمة الشارع، فإن السفر في نفسه قطعة من العَذَاب، وهو في نفسه مشقةٌ وجهد، ولو كان المسافر من أرْفَه الناس فإنه في مشقة وجهد بحسبه، فكان من رحمة اللَّه بعباده وبِرِّه بهم أن خفَّف عنهم شطر الصلاة واكتفى منهم بالشَّطْر، وخفف عنهم أداء فرض الصوم في السفر، واكتفى منهم بأدائِه في الحَضَر، كما شرع مثل ذلك في حق المريض والحائض، فلم يُفوِّت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملة، ولم يلزمهم بها في السفر كإلزامهم في الحضر. اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكم التنفل بعد صلاة الوتر

عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «إِنَّ السَّفَرَ جَهْدٌ وَثُقْلٌ، فَإِذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ وَإِلَّا كَانَتَا لَهُ» رواه الدارمي في «سننه» (1635)، والدارقطني في «سننه» (1681) واللفظ له والحديث حسن.

قال البيهقي في «السنن الكبرى»(4825) في معنى هذا الحديث: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوِتْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْوِتْرِ. اهـ.

قلت: والاحتمال الأول جزم به الدارمي في «سننه» (1635)، والدارقطني في «سننه» (1681) حيث بوبا على هذا الحديث: بَابٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ. والشيخ الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1993)، ووالدي في تبويبه في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين» (1069) فقد قال: جواز التنفل بعد الوتر في بعض الأحيان.

فنكون استفدنا: جواز التنفل بعد صلاة الوتر أحيانًا وعدم نقض الوتر لمن أراد أن يتنفل بعد الوتر. فلا يعارض قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» لأن هذا يكون أحيانًا.

ويدل له أيضًا حديث عائشة الذي رواه مسلم (746) في صفة قيام الليل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ.

(بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ) أي: يسلم من الوتر.

وأما حمل الحديث على ركعتي الفجر فبعيد جدًّا.

وأما الاحتمال الثاني الذي ذكره البيهقي وهو حمْلُ الحديث على أنه إذا أراد أن يوتر فليركع ركعتين قبل الوتر فالمراد لا يتساهل المسافر ويقتصر على الوتر بركعة.

وللفائدة يراجع «زاد المعاد»(1/322)لابن القيم.

ومن كرمِ الله وفضله وسعة رحمته أنه إذا حصل للمسافر قصور في النوافل وكان يعملها في إقامته كقيام الليل أو صلاة الضحى أو كان يصوم الاثنين والخميس إلى غير ذلك فإنه يكتبُ له أجر ما كان يعمله في إقامته. قال البخاري «بَابُ يُكْتَبُ لِلْمُسَافِرِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي الإِقَامَةِ» ثم أخرج برقم (2996) عن أَبي مُوسَى الأشعري: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا».

وهذا الحديث فيه حثٌّ للعبد المسلم أن يغتنم صحته ومحلَّ إقامته بالطاعة والعبادة لأنه إذا جاءه عائق مرض أو سفر كُتِبَ له ما كان يعمل في صحته وفي محلِّ إقامته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكم صوم الغازي

عَنْ أبي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد.

الغازي: هو المجاهد في سبيل الله.والغالب أن المجاهد يكون في سفر.

واختلف أهل العلم في المراد بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَن صَامَ يَومًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»

فمنهم من قال: المراد في سبيل الله الجهاد. وعليه يدل تبويب البخاري فقد أخرج هذا الحديث في كتاب الجهاد (2840) تحت باب: «فضل الصوم في سبيل الله». والترمذي في «سننه»(1622).

وقال النووي في شرح هذا الحديث من «شرح صحيح مسلم»: فِيهِ فَضِيلَةُ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ وَلَا يُفَوِّتُ بِهِ حَقًّا وَلَا يَخْتَلُّ بِهِ قِتَالُهُ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ مُهِمَّاتِ غَزْوِهِ وَمَعْنَاهُ الْمُبَاعَدَةُ عَنِ النَّارِ وَالْمُعَافَاةُ مِنْهَ. اهـ.

وقال ابن الجوزي في «كشف المشكل»(3/153): إِذا أطلق ذكر سَبِيل الله كَانَ الْمشَار بِهِ إِلَى الْجِهَاد. اهـ.

وقال ابن دقيق العيد في «شرح عمدة الأحكام»(2/37): الْعُرْفُ الْأَكْثَرُ فِيهِ: اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِهَادِ، فَإِذَا حُمِلَ عَلَيْهِ: كَانَتْ الْفَضِيلَةُ لِاجْتِمَاعِ الْعِبَادَتَيْنِ-أَعْنِي عِبَادَةَ الصَّوْمِ وَالْجِهَادِ-وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ: طَاعَتُهُ كَيْفَ كَانَتْ. اهـ.

قلت: ومن إطلاق في سبيل الله على الغزو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)﴾[البقرة]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)﴾ [البقرة]، و

ومنهم من قال: المراد يبتغي بذلك وجه الله.

وهذا قول القرطبي في «المفهم» (3/217) قال رحمه الله: أي: في طاعة الله، يعني بذلك: قاصدًا به وجه الله تعالى. اهـ.

وقول الشيخ ابن باز في «الإفهام في شرح عمدة الأحكام» (429).وعلى هذا يشمل الصوم في الجهاد وفي غيره.

ومما يدل على هذا العموم أنه قد جاء النص أن الحج في سبيل الله. روى الدولابي في «الكنى والأسماء» (249) عن أَبِي طَلِيقٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ امْرَأَتَهَ أُمَّ طَلِيقٍ أَتَتْهُ فَقَالَتْ لَهُ: حَضَرَ الْحَجُّ يَا أَبَا طَلِيقٍ، وَكَانَ لَهُ جَمَلٌ وَنَاقَةٌ يَحُجُّ عَلَى النَّاقَةِ وَيَغْزُو عَلَى الْجَمَلِ. فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُعْطِيَهَا الْجَمَلَ تَحُجُّ عَلَيْهِ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي أَنِّي حَبَسْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: إِنَّ الْحَجَّ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ فَأَعْطِنِيهِ يَرْحَمْكَ اللَّهُ. قَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكِ. قَالَتْ: فَأَعْطِنِي نَاقَتَكَ وَحُجَّ أَنْتَ عَلَى الْجَمَلِ. قَالَ: لَا أُوثِرُكِ بِهَا عَلَى نَفْسِي. قَالَتْ: فَأَعْطِنِي مِنْ نَفَقَتِكَ، قَالَ: مَا عِنْدِي فَضْلٌ عَنِّي وَعَنْ عِيَالِي مَا أَخْرُجُ بِهِ وَمَا أَنْزِلُ لَكُمْ، قَالَتْ: إِنَّكَ لَوْ أَعْطَيْتَنِي أَخْلَفَكَهَا اللَّهُ. قَالَ: فَلَمَّا أَبِيتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: فَإِذَا أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ بِالَّذِي قُلْتُ لَكَ. قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْرَأْتُهُ مِنْهَا السَّلَامَ وَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَتْ أُمُّ طَلِيقٍ قَالَ: «صَدَقَتْ أُمُّ طَلِيقٍ لَوْ أَعْطَيْتَهَا الْجَمَلَ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ أَعْطَيْتَهَا نَاقَتَكَ كَانَتْ وَكُنْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ أَعْطَيْتَهَا مِنْ نَفَقَتِكَ أَخْلَفَكَهَا اللَّهُ». قَالَ: وَإِنَّهَا تَسْأَلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَعْدِلُ الْحَجَّ؟ قَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ» وهو في «الصحيح المسند » (2ص285) والدي الشيخ مقبل رحمه الله تعالى.


الاثنين، 15 يوليو 2019

(28)اختصار الدرس الرابع والعشرين من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية




                                   صيام نبي الله داود عليه الصلاة والسلام

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أيام قُلْتُ: إنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُنِي حَتَّى قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، وَهُوَ صَوْمُ أَخِي دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ» متفق عليه.

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» رواه البخاري (3420)، ومسلم (1159).

وقال عبد الله بن عمرو للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» أي: أفضل من صيام داود أنكر عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَالَ: «لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» رواه البخاري (3418)، ومسلم (1159).

 نستفيد من هذه الروايات فضل صيام نبي الله داود وأنه أفضل نوافل الصيام .وهذا في حق من لم يضعف عن القيام بالواجبات وعما هو أهم ولم يفوِّت الحقوق ولم ينشغل به عن العلم النافع.

 روى أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: 62) من طريق أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بن مسعود: إِنَّكَ لَتُقِلُّ الصَّوْمَ؟

 قَالَ: «إِنَّهُ يُضْعِفُنِي عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ». والأثر صحيح.

فمن كان لديه قوة واستطاعة على صيام نبي الله داود ولم يفوِّت به واجبًا ولا ما هو أهم فهذا أفضل الصيام، يصوم يومًا ويفطر يومًا، وذلك نصف الدهر.

وإذا كان صيام يوم وفطر يوم أفضل أنواع صيام التطوع فلماذا لم يصمه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟

هذا السؤال ذكره ابن رجب في «لطائف المعارف»(130)، وأجاب عنه.

قال رحمه الله:

فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما» ولم يصم كذلك، بل كان يصوم سردا ويفطر سردا، ويصوم شعبان، وكل اثنين وخميس؟

قيل: صيام داود الذي فضَّله النبي صلى الله عليه وسلم على الصيام قد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديثٍ آخر بأنه صوم شطر الدهر، وكان صيام النبي صلى الله عليه وسلم إذا جُمع يبلغُ نصف الدهر أو يزيد عليه، وقد كان يصوم مع ما سبق ذكره يوم عاشوراء أو تسع ذي الحجة، وإنما كان يفرِّق صيامه، ولا يصوم يوما ويفطر يوما لأنه كان يتحرى صيام الأوقات الفاضلة، ولا يضر تفريق الصيام والفطر أكثر من يوم ويوم إذا كان القصد به التقوِّي على ما هو أفضل من الصيام، من أداء الرسالة وتبليغها والجهاد عليها والقيام بحقوقها، فكان صيام يوم وفطر يوم يضعفه عن ذلك، ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة عمَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ» رواه مسلم (1162) ، وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص لما كبر يسرد الفطر أحيانا، ليتقوى به على الصيام، ثم يعود فيصوم ما فاته محافظة على ما فارق عليه النبي صلى الله عليه وسلم من صيام شطر الدهر، فحصل للنبي صلى الله عليه وسلم أجر صيام شطر الدهر وأزيد منه بصيامه المتفرِّق، وحصل له أجرُ تتابع الصيام بتمنيه لذلك، وإنما عاقه عنه الاشتغال بما هو أهم منه وأفضل والله أعلم. اهـ.

ومعلوم أن هناك نوافل من الصيام حث النبي على صيامها، كصيام ست من شوال، وصيام يوم عرفة، وصيام يوم عاشوراء، وصوم شهر الله المحرم، والاكثار من الصيام في شعبان، وصيام الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر و غير ذلك، فمن لم يتيسر له صيام نبي الله داود فيعدل إلى نوافل الصيام الأخرى.

وينبغي ألا يخلو شهرٌ من الصيام ولو يومًا واحدًا. لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي عقرب: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ يَوْمًا».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكم صوم الدهر

صوم الدهر مكروه وهذا يدل له أدلة كثيرة، منها:

·    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

·    وَعَنْ أبي قَتَادَةَ قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ صَامَ الدَّهْرَ؟ قَالَ: لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ، أو لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ. يعني: لا أُجر على صيامه ولا أفطر فسَلِم من التعب.

وقد ذهب إلى كراهة صوم الدهر مطلقا -وإن لم يشق عليه أو يفوت به حقا، وسواء أفطر الأيام المنهي عن صيامها أم لا-إسحاق وأحمد في رواية عنه، كما في «الانصاف»(3/242)، ورجحه ابن قدامة في «المغني»، وابن القيم في «زاد المعاد»(2/77)، وهذا الذي يدل له ظاهر الدليل.

وقد رجحه والدي الشيخ مقبل فقد سألته عن هذه المسألة وقال: صيام الدهر مكروه.

ومنهم من قال: يجوز صيام الدهر، وحملوا النهي على من صام الدهر مع الأيام المحرم صومها كالعيدين وأيام التشريق، وهذا قول ابن المنذر كما في «فتح الباري»(1977)، وابن حبان في «صحيحه»(تحت رقم3583) وآخرين. وهذا رده ابن القيم في «زاد المعاد»(2/76).

وذهب ابن حزم إلى تحريم صيام الدهر. وهو قول الشيخ الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»(3202).

وذهب جمهور العلماء إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفوِّت حقًّا.

واستدلوا لذلك بأدلة منها:

·    عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» رواه البخاري ومسلم.

·    عن أَبِي أَيُّوبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ» رواه مسلم.

قالوا: دل هذان الدليلان على استحباب صوم الدهر لأن المشبه دون المشبه به. وقد ردَّه ابن القيم في «زاد المعاد»(2/77).

·     عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ، سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: «صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ» رواه مسلم (1121).

قال الحافظ في «فتح الباري» (1977): وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سُؤَالَ حَمْزَةَ إِنَّمَا كَانَ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لَا عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سَرْدِ الصِّيَامِ صَوْمُ الدَّهْرِ فَقَدْ قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَيُقَالُ لَا يُفْطِرُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

 وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ الدَّهْرَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ السَّرْدِ صِيَامُ الدَّهْرِ. اهـ.

·    عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا» وَقَبَضَ كَفَّهُ. رواه أحمد(32/484).

قال جمهور العلماء: المراد ضيقت عنه جهنم فلا يدخلها.

وهذا تأويل غير صحيح. قال ابن حزم في «المحلى»(4/436)في ردِّه لذلك: هَذِهِ لُكْنَةٌ وَكَذِبٌ.

 أَمَّا اللُّكْنَةُ: فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ هَذَا لَقَالَ: ضُيِّقَتْ عَنْهُ، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَيْهِ.

 وَأَمَّا الْكَذِبُ: فَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ عَلَى التَّشْدِيدِ وَالنَّهْيِ عَنْ صَوْمِهِ. اهـ.

[الألكن هو الذي لَا يُقِيمُ العَرَبيَّةَ لعُجْمةِ لِسانِه. وقيلَ: اللُّكْنَةُ عِيٌّ فِي اللِّسانِ.تاج العروس(36/125)]


ثم إن الحديث الصحيح فيه أنه موقوف على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

وَقد أَجَاب جمهور العلماء عَنْ حَدِيثِ المنع من صيام الدهر أَنَّهُ في حقِّ مَنْ كَانَ يُدْخِلُ عَلَى نَفْسِهِ مَشَقَّةً أَوْ يُفَوِّتُ حَقًّا.

وردَّ الشوكاني على الجمهور بردٍّ حسن في «السيل الجرار»(2/142)وختم كلامه بقوله:

فالحاصل: أن صوم الدهر إذا لم يكن محرما تحريما بحتا فأقل أحواله أن يكون مكروها كراهة شديدة، هذا لمن لا يضعفه الصوم عن شيء من الواجبات، أما من كان يَضعف بالصوم عن بعض الواجبات الشرعية فلا شك في تحريمه من هذه الحيثية بمجردها، من غير نظر إلى ما قدمنا من أدلة.




السبت، 13 يوليو 2019

(27)اختصار الدرس الثالث والعشرين من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية




صوم ثلاثة أيام من كل شهر

عَنْ أبي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إذا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةً فَصُمْ ثَلَاثَ عَشَرَةَ وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ وَخَمْسَ عَشَرَةَ» رَوَاهُ أحمد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.

وَعَنْ أبي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ» رَوَاهُ أحمد وَمُسْلِمٌ وأبو دَاوُد.

وَعَنْ أبي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أيام فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] الْيَوْمُ بِعَشَرَةٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.

وقوله «مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أيام فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ» لأن الحسنة بعشر أمثالها، فإذا صام ثلاثة أيام فله ثلاثون حسنة، فيكمل له بصيام ثلاثة أيام من كل شهر صومُ سنة.

هذه الأدلة فيها استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، قال ابن قدامة في «المغني» مسألة (2141): صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَبٌّ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ.

والإمام مالك يرى صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولكنه في المشهور عنه يَكره تعيين صيام الأيام البيض. وهذا اجتهاد من الإمام مالك فقد صام النبي صلى الله عليه وسلم الأيام البيض وحثَّ ورغَّب في صيامها، فلا يعارَض ما جاء عنه بقول أحدٍ كائنًا من كان.

فإن صام ثلاثة أيام من كل شهر في غير أيام البيض فهذا يجزئه لإطلاق بعض الأدلة،وذلك كما يلي:

·      عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟» قَالَتْ: «نَعَمْ»، فَقُلْتُ لَهَا: «مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟» قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ» رواه الإمام مسلم (1160).

·    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاَثٍ: «صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» رواه البخاري (1981)، ومسلم (721).

·    عَنْ أَبِي عقربٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّوْمِ، فَقَالَ: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ يَوْمًا» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَقْوَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَقْوَى، إِنِّي أَقْوَى صُمْ يَوْمَيْنِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زِدْنِي، زِدْنِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» رواه أحمد (31/397)، وذكره والدي في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين».

·    وعن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صَوْمُ الدَّهْرِ» رواه أحمد (7577) وهو في «الصحيح المسند» (1339) لوالدي الشيخ مقبل رحمه الله تعالى.

·    عَنْ رَجُلٍ مَنْ بَنِي أُقَيْشٍ، قَالَ: مَعَهُ كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ» رواه أحمد (34/342) وهو في «الصحيح المسند» (1458) لوالدي الشيخ مقبل رحمه الله تعالى.

ومعنى «وَحَرِ الصَّدْرِ»: غِشُّه ووَساوِسُه. كما في «النهاية» (5/160).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الفضائل العظيمة لصيام ثلاثة أيام من كل شهر:

·     أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها.

·      أنها من أسباب صفاء القلب ونقاوته. لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ».

ويندرج صيام ثلاثة أيام من كل شهر في الأدلة العامة في فضل الصيام من ذلك ما يلي:

·    عن أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» رواه النسائي(2220).

·    عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ». رواه البخاري (1904)، ومسلم (1151).

·    عَنْ عُثْمَان بن أبي العاص الثقفي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ» رواه أحمد (26/206).

·    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا بَاعَدَ اللهُ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». رواه مسلم(1153).

·    في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» رواه البخاري.فصيام النافلة من أسباب محبة الله.

·    يجبر النقص الذي يكون في فريضة الصيام.

·    عن حذيفةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ». رواه البخاري ومسلم.

·    الصوم مفيد للجسم ويجلب الصحة ويذهب كثيرًا من الأمراض كما ذكر هذا ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» (2/27): لِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ وَالْقُوَى الْبَاطِنَةِ.

 وَحِمْيَتِهَا عَنِ التَّخْلِيطِ الْجَالِبِ لَهَا الْمَوَادَّ الْفَاسِدَةَ الَّتِي إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا أَفْسَدَتْهَا.

 وَاسْتِفْرَاغِ الْمَوَادِّ الرَّدِيئَةِ الْمَانِعَةِ لَهَا مِنْ صِحَّتِهَا.

 فَالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلَى الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ صِحَّتَهَا، وَيُعِيدُ إِلَيْهَا مَا اسْتَلَبَتْهُ مِنْهَا أَيْدِي الشَّهَوَاتِ.

 فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَصَالِحَ الصَّوْمِ لَمَّا كَانَتْ مَشْهُودَةً بِالْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ، شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ رَحْمَةً بِهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ وَحِمْيَةً لَهُمْ وَجُنَّةً. اهـ المراد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يستحب أن تكون الثلاثة الأيام من كل شهر الأيام البيض

روى أبو داود (2450) عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم يعني من غرة كل شهر ثلاثة أيام. والحديث في «الصحيح المسند» (869). (من غرة كل شهر) أَيِ: البِيضِ اللَّيَالِي بالقَمَر، وَهِيَ ثَالِثُ عشَر، وَرَابِعُ عَشَر، وَخَامِسُ عَشَر. كما في «النهاية»(3/354).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يُفْطِرُ أيام الْبِيضِ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وحسَّن إسناده الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (580).

ولحديث أبي ذر: «يَا أَبَا ذَرٍّ إذا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةً فَصُمْ ثَلَاثَ عَشَرَةَ وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ وَخَمْسَ عَشَرَةَ».

وعلى أحد التفاسير في سُرَّة الشهر أنه وسطه

روى البخاري(1983)،ومسلم (1161) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ: «هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟» قَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ».

    وفي صيام الأيام البيض فوائد صحية تعود إلى الصائم.  

قال ابن عثيمين في «الشرح الممتع»(6/459): ذكر أهل العلم بالطب أن فيها فائدة جسمية في هذه الأيام الثلاثة، لأنه وقت فوران الدم وزيادته، إذ أن الدم بإذن الله مقرون بالقمر، وإذا صام فإنه يخف عليه ضغط كثرة الدم فهذه فائدة طبية، لكن كما قلنا كثيرًا بأن الفوائد الجسمية ينبغي أن يجعلها في ثاني الأمر بالنسبة للعبادات، حتى يكون الإنسان متعبدًا الله لا للمصلحة الجسمية أو الدنيوية، ولكن من أجل التقرب إلى الله بالعبادات. اهـ.

---------------------------------------

 

إشكال والجواب عنه

عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له: «وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ». رواه البخاري، ومسلم.

عَنْ أبي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صَوْمُ الدَّهْرِ» رواه أحمد.

والإشكال هو:

 أن حديث عبد الله بن عمرو يفيد أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر.

وحديث أبي قتادة وأبي هريرة ظاهرهما أنه بمجموع صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم رمضان كصيام الدهر.

وقد وجدت ولله الحمد ما يزولُ به هذا الإشكال مفادُه أن ذلك لا يعني نفي صيام الدهر لِمَن صام ثلاثة أيام من كل شهر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح العمدة» (2/599): من صام ثلاثة أيام من كل شهر؛ حصل له ثواب صيام الدهر بدون رمضان، ويبقى رمضان له زيادة. اهـ.

وقال بعضهم: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» مبتدأ، وخبره هذا صيام الدهر. ويكون «وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ» اعتراض بين المبتدأ وخبره كأنه قيل: صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر.

«وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ» مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره صوم الدهر كله.

 ولا يبعد أن يعطي الله بمجرد صوم رمضان ثواب سنة متصلًا. يراجع «التنوير شرح الجامع الصغير»(5/182).

وفي «المنهل العذب المورود»(10/177): من صام ثلاثة أيام من كل شهر من شهور السنة فكأنما صام السنة، لأن الحسنة بعشر أمثالها. وأما صيام رمضان فمن حيث كونه صوم فرض يزيد على النفل عشر درجات فأكثر، فيكون صيامه مساويا لصيام الدهر، بل قد يكون أزيد منه: ويحتمل أن يكون رمضان مع ستة من شوال كصيام الدهر. فيكون صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبر أولا بأن صيام رمضان مع ست من شوال كصيام الدهر ثم أخبر بأن صيام رمضان فقط كصيام الدهر في الثواب. اهـ.

فائدة: الفاء في قوله «فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ» قال الطيبي في «شرح مشكاة المصابيح»(5/1608) «فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ» أدخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وذلك أن «ثلاث» مبتدأ و«مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» صفته، أي صوم ثلاثة أيام يصومها الرجل من كل شهر صيام الدهر كله. اهـ.