للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل

الاثنين، 24 أبريل 2017

(9)تذكيرٌ بالصَّحابة رضي الله عنهم

            
                أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه

عن المسور بن مخرمة الحديث وفي  آخره:«أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، قَالَ: «حَدَّثَنِي، فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي». رواه البخاري(3110)،ومسلم (2449).

وكان أبوالعاص  في غزوة بدرٍ مع  كفار قريش فوقع في الأسارى،ولما بعث كفارُ قريش في فداء أسراهم  بعثت زينب رضي الله عنها في فداء أبي العاص .
روى أحمد (43/381)عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ، بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِمَالٍ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ لِخَدِيجَةَ، أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ حِينَ بَنَى عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا، فَافْعَلُوا  فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَطْلَقُوهُ، وَرَدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا».والحديث حسن لأجل محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث .وذكر الحديث والدي رحمه الله في«الصحيح المسند»(1624).

قال القاري في«مرقاة المفاتيح»(6/2556)( رَقَّ لَهَا) أَيْ :لِزَيْنَبَ (رِقَّةً شَدِيدَةً)  أَيْ: لِغُرْبَتِهَا وَوَحْدَتِهَا وَتَذَكَّرَ عَهْدَ خَدِيجَةَ وَصُحْبَتِهَا فَإِنَّ الْقِلَادَةَ كَانَتْ لَهَا وَفِي عُنُقِهَا .اهـ

ودل هذا الحديث أنهم اَطلقوا لزينب أسيرَها من غير فداء.

قال ابن كثير رحمه الله في«البداية والنهاية»(6/354): أَبُو الْعَاصِ بْنُ الربيع بن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْعَبْشَمِيُّ زَوْجُ أَكْبَرَ بَنَاتِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ، وَكَانَ مُحْسِنًا إِلَيْهَا وَمُحِبًّا لَهَا، وَلَمَّا أمره المسلمون بِطَلَاقِهَا حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنَ أُخْتِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ وَاسْمُ أُمِّهِ هَالَةُ، وَيُقَالُ هِنْدُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ،وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ: لَقِيطٌ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَقِيلَ: مُهَشِّمٌ وَقِيلَ: هُشَيْمٌ، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ نَاحِيَةِ الْكُفَّارِ فَأُسِرَ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ لِيُفَادِيَهُ وأحضر معه في الْفِدَاءَ قِلَادَةً كَانَتْ خَدِيجَةُ أَخْرَجَتْهَا مَعَ ابْنَتِهَا زَيْنَبَ حِينَ تَزَوَّجَ أَبُو الْعَاصِ بِهَا، فَلَمَّا رآها رسول الله رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَأَطْلَقَهُ بِسَبَبِهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ لَهُ زَيْنَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَفَّى لَهُ بِذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ أَبُو الْعَاصِ عَلَى كُفْرِهِ بِمَكَّةَ إِلَى قُبَيْلِ الْفَتْحِ بِقَلِيلٍ .اهـ

وقال الحافظ في«فتح الباري»(تحت رقم516):وَاسْمُ أَبِي الْعَاصِ لَقِيطٌ ،وَقِيلَ: مِقْسَمٌ ،وَقِيلَ :الْقَاسِمُ ،وَقِيلَ: مِهْشَمٌ ،وَقِيلَ :هُشَيْمٌ ،وَقِيلَ :يَاسِرٌ .

وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ،أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَهَاجَرَ ،وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ ،وَمَاتَتْ مَعَهُ ،وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ ،وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ .اهـ 


(36) سِلْسِلَةُ التَّفْسِيْرِ



قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)﴾ [الكهف].


(أَحْسَنُ عَمَلًا) الإحسان لغة: الإتقان.
﴿ صَعِيدًا جُرُزًا) قال ابن جرير رحمه الله في «تفسير هذه الآية» (17/559): يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَإِنَّمَا لَمُخَرِّبُوهَا بَعْدَ عِمَارَتِنَاهَا بِمَا جَعَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الزِّينَةِ، فَمُصُيِّرُوهَا صَعِيدًا جُرُزًا لَا نَبَاتَ عَلَيْهَا وَلَا زَرْعَ وَلَا غَرْسَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ أُرِيدَ بِالصَّعِيدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمُسْتَوِي بِوَجْهِ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ هُوَ شَبِيهٌ بِمَعْنَى قَوْلِنَا فِي ذَلِكَ. اهـ.

من فوائد هاتينِ الآيتَيْنِ:
-الحكمة من تزيين الأرض وزخارفِها وأنه اختبارٌ للعباد، ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وهذه هي الحكمة أيضًا من خلق السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:7].
والحكمة من خلق الموت والحياة، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:2].

 -دليل أنه ليس العبرة في العمل الأكثرية وإنما العبرة الإتقان.
العبرة أن يكون موافقًا للكتاب والسنة، فلا نحتاج إلى البدع لأنها ليست من الإحسان في العمل، ولا نحتاج إلى الاستحسان لأنه ليس من الإحسان.

- التزهيد في الدنيا والتحذير من الافتتان بزهرتِها وزخارفها، والترغيب في الآخرة، فالله عز وجل أخبر بالحكمة من خلقه لزينة الأرض وهو الابتلاء والاختبار للعباد، وأن الدنيا مآلُهَا إلى الزوال والفناء.
فكلُّ ما على الدنيا من القصور والأشجار والنباتات وغير ذلك سيكون: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ أي: فانٍ ذاهب.

 وقد بيَّن الله عز وجل أنَّ مدة الدنيا قصيرة قال سبحانه وتعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:20].

وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:24]. وقال سبحانه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:45].

وروى الإمام مسلم (2858) عن مستورد بن شداد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟»

وهذه الأدلة تدل على قِصَر عُمر الدنيا، وإذا كانت الدنيا عمرها قصير فكيف بأعمار بني آدم التي هي عبارة سنين  معدودة، كما روى الترمذي (3550) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ».

وأكثر أسباب الزيغ الاغترار  بالدنيا قال عز وجل: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)﴾.[الأعراف].

وحالُ المسلمين-إلا من رحم الله- يَفوحُ بالأطماع الدنيوية، فمجالسهم دنيوية، وهمومهم دنيوية، وتفكيراتهم دنيوية، ومحادثاتهم دنيوية، ولا يسلم من ذلك  إلا من سلمه الله وتبصَّر بنور العلم وهُداه ،وعرفَ فضل الآخرة، نسأل الله لنا ولكم الثبات في الدنيا والآخرة.

الأحد، 23 أبريل 2017

(5) أحاديثُ منتقاةٌ من أحاديثِ البخاري ومسلم

            
                       تآلف الأرواح وافتراقُها

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» .رواه مسلم(2638).
ورواه البخاري معلَّقًا (3336)عن عائشة رضي الله عنها.

-----------------------
هذا الحديث فيه دليل على تنافرالأراوح  مع غير أشكالها،واتفاقها  مع أشكالها ،وفي المثل: الطيور على  أشكالها تقع

قال الحافظ ابن كثير في«تفسير سورة الكهف»(4/424):الناس يقولون :اﻟْﺠِﻨْﺴِﻴَّﺔُ ﻋِﻠَّﺔُ اﻟﻀَّﻢِّ.اهـ

أي علة الاجتماع والأُلْفة ،فالسني يحب السني ،والصوفي يحب الصوفي ،والإخواني يحب الإخواني، والمبتدع يحب المبتدع ،والعاصي يحب العاصي ،والمتميِّع يحب من كان على شاكلته ،والخبيث يحب الخبيث،والطيب يحب الطيب .وهكذا حتى الحيوانات: كل حيوان ينضم إلى جنسه .

قال ابن القيم في«إغاثة اللهفان»(1/225):كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدرًا وشرعًا، والمشاكلة سبب الميل عقلًا وطبعًا. 

وقال ابن القيم في«زاد المعاد»(4/247):قَدِ اسْتَقَرَّتْ حِكْمَةُ اللَّهِ  عَزَّ وَجَلَّ  فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ عَلَى وُقُوعِ التَّنَاسُبِ وَالتَّآلُفِ بَيْنَ الْأَشْبَاهِ، وَانْجِذَابِ الشَّيْءِ إِلَى مُوَافِقِهِ وَمُجَانِسِهِ بِالطَّبْعِ، وَهُرُوبِهِ مِنْ مُخَالِفِهِ، وَنُفْرَتِهِ عَنْهُ بِالطَّبْعِ، فَسِرُّ التَّمَازُجِ وَالِاتِّصَالِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، إِنَّمَا هُوَ التَّنَاسُبُ وَالتَّشَاكُلُ، وَالتَّوَافُقُ، وَسِرُّ التَّبَايُنِ وَالِانْفِصَالِ إِنَّمَا هُوَ بِعَدَمِ التَّشَاكُلِ وَالتَّنَاسُبِ، وَعَلَى ذَلِكَ قَامَ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، فَالْمِثْلُ إِلَى مِثْلِهِ مَائِلٌ، وَإِلَيْهِ صَائِرٌ، وَالضِّدُّ عَنْ ضِدِّهِ هَارِبٌ وَعَنْهُ نَافِرٌ.اهـ

ولهذا حالُ الشخص  يُعرَفُ بأصحابه .

قال ابن حبان رحمه الله في«روضة العقلاء»(108): إن من أعظم الدلائل على معرفة مَا فيه المرء من تقلبه وسكونه هو الاعتبار بمن يحادثه ويوده لأن المرء على دين خليله، وطير السماء على أشكالها تقع.
وما رأيت شيئا أدل على شيء ولا الدخان على النار مثل الصاحب على الصاحب ،وأنشدني الأبرش:

يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ ..إِذَا مَا هُوَ مَاشَاهُ
 وَللشَيْءِ عَلَى الشَّيْءِ.. مَقَايِيسُ وَأَشْبَاهُ
 وَلِلرُّوحِ عَلَى الرُّوحِ ..دَلِيلٌ حِينَ يَلْقَاهُ

اهـ من روضة العقلاء .

ومن أحبَّ شخصًا فهو يحبُّه ،ومن أبغضه فهو يبغضه غالبًا،كما يدلُّ له حديث أبي هريرة المذكور.

فائدة:

الحديث المعلَّق :أن يحذف المؤلفُ شيخَه فأكثر.

السبت، 22 أبريل 2017

(102)الاخْتِيَارَاتُ العِلْمِيَّةُ لوالدي الشيخ مقبل رحمه الله



                     فرق الشعر من وسط الرأس

قال البخاري :بَابُ الفَرْقِ .ثم أخرج في  الباب حديثَيْنِ :
أحدهما: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(برقم 5917) قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ، وَكَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ المُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، فَسَدَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ». وأخرجه مسلم (2336).
والسدل: إرسال شعر الناصية على الجبهة .
والثاني (برقم 5918):عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ».

استفدنا من والدي الشيخ مقبل رحمه الله:
الفَرْقُ من عاداتِ العرب لا يصلُ إلى حدِّ السُّنية .
وإذا فرقَ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنهُ يُثابُ ويؤجَرُ.اهـ

وكان  والدي رحمه الله يفرِقُ  شعر رأسه ، ولاستمراره على ذلك كان الشعر يفترق  من  وسط رأسه من طبيعته.

---------------------
قلت:وجمهور العلماء على جواز الأمرين وأن الفرْق مستحب .قال النووي رحمه الله في«شرح صحيح مسلم»(15/90):قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْفَرْقُ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،قَالُوا: فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بِوَحْيٍ لِقَوْلِهِ :«إِنَّهُ كَانَ يُوَافِقُ أَهْلَ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ». قَالَ الْقَاضِي: حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ نُسِخَ الْمُسْدَلُ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَلَا اتِّخَاذُ النَّاصِيَةِ وَالْجُمَّةِ .قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُ الْفَرْقِ لَا وُجُوبُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْفَرْقَ كَانَ بِاجْتِهَادٍ فِي مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا بِوَحْيٍ وَيَكُونُ الْفَرْقُ مُسْتَحَبًّا.
وَلِهَذَا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِ فَفَرَقَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ وَاتَّخَذَ اللِّمَّةَ آخَرُونَ ،وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَّةٌ فَإِنِ انْفَرَقَتْ فَرَقَهَا وَإِلَّا تَرَكَهَا .قَالَ مَالِكٌ: فَرْقُ الرَّجُلِ أَحَبُّ إِلَيَّ .هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ جَوَازُ السَّدْلِ وَالْفَرْقِ وَأَنَّ الْفَرْقَ أَفْضَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .اهـ
وقال الحافظ في«فتح الباري»(تحت رقم 5917):الصَّحِيحُ أَنَّ الْفَرْقَ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ .اهـ




الجمعة، 21 أبريل 2017

(110)سِلْسِلَةُ الفَوَائِدِالعِلْمِيَّةِ والمَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ

              
                           حكم خضاب  الشعر بالأسود

روى مسلم  (2102) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ».
في هذا الحديث:
الحث على تغيير الشيب .
اجتناب تغيير الشيب بالسواد ،سواء كان حناء أسود أو خضاب آخر.

 وروى أبو داود(4212) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ، كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ، لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ».
وفي هذا الحديث :
الوعيد على الخضاب بالسواد وأنه من الكبائر.

وما أحسن ما قيل:
نُسَوِّدُ أَعْلَاهَا وَتَأْبَى أُصُولُهَا ... وَلَا خَيْرَ فِي الْأَعْلَى إِذَا فَسَدَ الْأَصْلُ

وما أسوأ التزيُّن بما فيه معصية لربِّ العباد !

وما أسوأ استحلاء النفس لمعصية الله !

وقد شُرع تغيير الشيب بخضاب غير السواد  كالحناء والكتم  والصُّفرة .
روى البخاري(3919) عَنْ أَنَسٍ خَادِمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ فِي أَصْحَابِهِ أَشْمَطُ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ، فَغَلَفَهَا بِالحِنَّاءِ، وَالكَتَمِ».
وروى البخاري (166)، ومسلم (1187)عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: رَأَيْتُكَ لاَ تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ(**) ،الحديث وفيه:وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا».

فائدة :
قال ابن الجوزي في«كشف المشكل من حديث الصحيحين»(3/293)خضاب الشيب فيه ثَلَاث فَوَائِد:

 إِحْدَاهَا: امْتِثَال أَمر الشَّارِع .

 الثَّانِيَة: تخْتَص الْمَرْأَة، وَالنِّسَاء يَكْرهن الشيب جدا، فَإِذا غُيِّر كَانَ أقرب حَالا عِنْدهن وَأصْلح لمعاشرتهن.

 الثَّالِثَة: تخْتَص بِالرجلِ وَهُوَ أَن الشيب يُؤثر فِيهِ صُورَة وَمعنى، فَأَما الصُّورَة فيشينُه، وَلِهَذَا قَالَ أنس فِي صفة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا شانَه الله ببيضاء. فَقيل لَهُ: أَوَ شين هُوَ؟ فَقَالَ: كلكُمْ يكرههُ. وَأما فِي الْمَعْنى فَإِنَّهُ يضعف الأمل، وَيقطع الْقلب، لعلم الْإِنْسَان بِقرب الْأَجَل.اهـ


(**)الصفرة: قال القاري في«مرقاة المفاتيح»(7/2829): أَيْ: بِخَلْطِ الْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ .


(35) درس/ الفصول من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم 24 من شهر رجب 1438


[صفته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظاهرة]
https://drive.google.com/file/d/0B4D4Odb_Pb8MZ0RyNUlQTjJuSlk/view?usp=sharing 

الخميس، 20 أبريل 2017

(20)سنينٌ من حياتي مع والديْ وشيخي مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله


امرأة كبيرة في السن كانتْ تتحدث مع والدي رحمه الله فقالت:الله ومعه .
وفورًا قال لها والدي: قلتِ كذا ،الله ليس معه أحد :﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43)﴾[الإسراء].

وهذا مِن سمتِه رحمه الله لا يترك منكرًا يسمعه أو يراه إلا أنكره .
 وكثيرًا ما أتذكرُ والدي رحمه الله إذا رأيتُ منكرًا في طريق،وأقول:لو رآه والدي ما سكت عنه.

-قلت لوالدي: إذا كان عندك محاضرة فأنا أدعو لك بالتوفيق .
فسُرَّ بذلك ،وقال:جزاكِ الله خيرًا.

-عرض عليَّ والدي المشاركة في كتابة «مجلة»،ثم قال لي بعد ذلك:هذا لايصلح،(المجلة) أيامها قليلة وتنتهي .

-يقول رحمه الله:الذي يكون مستفيدًا ويدرِّس مبتدئين تهتزُّ معلوماتُه .

-قال رحمه الله :ابتُليت بالشُّهرة .


-استفدتُ من والدي رحمه الله :الأحسن في التراجم والتبويبات أن تكون قصيرة،لأن هذا يرغبُ فيه الناس ،وقد يستعمل بعضهم عباراتٍ طويلة مثل:تبويبات  ابن خزيمة بعضها طويل .