للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل

الثلاثاء، 14 مايو 2019

(14)اختصار الدرس العاشر من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية




مِن آداب الْإِفْطَارِ


عَنْ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَابَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»متفق عليه.

«إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ» أي: من ناحية المشرق. «وَأَدْبَرَ النَّهَارُ» أي: من جهة المغرب.

يدل الحديث على أن الإفطار يكون عند تحقق غروب الشمس.

وقد جاء الوعيد على تعمد الفطر قبل غروب الشمس، والفطر في يوم من أيام رمضان لغير عذر، روى الحاكم في «المستدرك» (1568) عن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الحديث وفيه أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ مُشَقَّقَةُ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، قَالَ: قُلْتُ: «مَنْ هَؤُلَاءِ؟» قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ»، والحديث في «الصحيح المسند» (484). قال الشيخ الألباني رحمه الله في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (تحت رقم 3951): أقول: هذه عقوبة من صام ثم أفطر عمدًا قبل حلول وقت الإفطار، فكيف يكون حال من لا يصوم أصلاً؟! نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة.

فيه استحباب تعجيل الفطر، وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الخيرية في هذه الأمة المحمدية ما دامت تعجل الفطر كما في حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْه.

وتأخير الإفطار تشبه باليهود والنصارى، روى أبو داود في «سننه» (2353) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، لِأَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ» والحديث في «الصحيح المسند» (1416). 

فينبغي المبادرة إلى الإفطار عند التَّحقق من غروب الشمس عملًا بالسنة وتجنبًا لمشابهة اليهود والنصارى. وقد شابهت الرافضةُ اليهود - كما هو عادتهم وديدنهم مشابهة اليهود في كثير من الأشياء- في تأخير الإفطار حتى تطلع النجوم. ولهم شبهة في حديثٍ رواه الإمام مسلم (830) عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ»، وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ.

وهذا الحديث لأهل العلم أجوبة عنه:

·     منهم من قال: إنما أراد أن النهي يزول بغروب الشمس، وإنما علقه بطلوع الشاهد لأنه مظنة له، والحكم يتعلق بالغروب نفسه.

·     ومنهم من زعم أن الشاهد نجم خفي يراه من كان حديد البصر بمجرد غروب الشمس، فرؤيته علامة لغروبها.



فوائد من حديث أنس في إفطار الصائم

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبًا فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمْرًا حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.

«حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» قال الشوكاني رحمه الله في «الشرح» (4/262): أَيْ شَرِبَ شَرَبَاتٍ، وَالْحَسْوَةُ: الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ. اهـ.

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتنفس في الشراب ثلاثًا. كما في «صحيح مسلم» (2028) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: «إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ»، قَالَ أَنَسٌ: «فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا». أي: خارج الإناء إذا شرب. وهذا من آداب الشرب التنفس ثلاثًا خارج الإناء.

ويستفاد من الحديث بعض الفوائد:

·      أن الصائم يفطر قبل الصلاة.

·     استحباب الإفطار على رطب فإن لم يجد فعلى تمر فإن لم يجد يشرب ماء.

وقد تكلم أهل العلم على الحكمة من شرعية إفطار الصائم على ذلك. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في «زاد المعاد» (2/48):كان يحض على الفطر بالتمر، فإن لم يجد فعلى الماء،وهذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به، ولا سيما القوة الباصرة، فإنها تقوى به، وحلاوة المدينة التمر، ومرباهم عليه، وهو عندهم قوت وأدم ورطبه فاكهة.

وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس. فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده. ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب. اهـ.

·     أن السنة النهوض إلى صلاة المغرب بعد الفطر بلقيماتٍ يسيرة.

فالذي يَطعم عشاءَه بعد أذان المغرب مباشرة ليس هذا العمل من السنة، وقد يجره إلى تأخير صلاة المغرب إلى أن تشتبك النجوم، وهذا منهي عنه. روى أبو داود في «سننه» (418) عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو أَيُّوبَ غَازِيًا وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِر يَوْمَئِذٍ عَلَى مِصْرَ فَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوب، فَقَالَ: لَهُ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ يَا عُقْبَةُ، فَقَالَ: شُغِلْنَا، قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ» - أَوْ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ - مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» وهو في «الصحيح المسند» (116).

وهناك حديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا كَانَ حَلَالًا: الصَّائِمُ، وَالْمُتَسَحِّرُ، وَالْمُرابِطُ فِي سَبِيلِ اللهِ » رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (11/359 وفيه عَبْدُ اللهِ بْنُ عِصْمَةَ مجهول، وشيخه أَبو الصَّبَّاحِ رُمي بالوضع.

 قال الشيخ الألباني رَحِمَهُ الله في «الضعيفة» (631): ولعل من آثار هذا الحديث السيئة ما عليه حال المسلمين اليوم، فإنهم إذا جلسوا في رمضان للإفطار لا يعرف أحدهم أن يقوم عن الطعام إلا قبيل العشاء، لكثرة ما يلتهم من أنواع الأطعمة والأشربة والفواكه والحلوى! كيف لا والحديث يقول: إنه من الثلاثة الذين لا حساب عليهم فيما طعموا! فجمعوا بسبب ذلك بين الإسراف المنهي عنه في الكتاب والسنة، وبين تأخير صلاة المغرب المنهي عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ» - أَوْ عَلَى الْفِطْرَةِ - مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ».

 نعم جاء الحض على تعجيل الفطر أيضًا في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».

فيجب العمل بالحديثين بصورة لا يلزم منها تعطيل أحدهما من أجل الآخر، وذلك بالمبادرة إلى الإفطار على لقيمات يسكن بها جوعه ثم يقوم إلى الصلاة، ثم إن شاء عاد إلى الطعام حتى يقضي حاجته منه. اهـ.

---------------

أحاديث الدعاء عند الفطر

عَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

هذا إسناده ضعيف، معاذ بن زهرة تابعي يرويه بلاغًا عن النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.

وهناك صيَغ أخرى في الباب، منها:

عن ابن عمر كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» رواه أبو داود (2357) من طريق مَرْوَانَ يَعْنِي ابْنَ سَالِمٍ الْمُقَفَّعَ، عن ابن عمر، به.

وسنده ضعيف. مروان بن سالم المُفَقَّع، بفاء ثم قاف ثقيلة، مصريٌّ: مقبولٌ.

وجاء موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص كان يَقُولُ إِذَا أَفْطَرَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَغْفِرَ لِي». رواه ابن ماجة (1753 وضعَّف سنده الشيخ الألباني في «إرواء الغليل» (921).

وقد استفدت من والدي الشيخ مقبل رحمه الله أنه لا يثبت الدعاء بصيغة مخصوصة عند الفطر. اهـ.

ويستحب للصائم أن يدعو وأن يكثر من الدعاء، لأن دعوة الصائم مستجابة لا تُرد.

روى ابن ماجة (1752) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ، حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا اللَّهُ دُونَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ». وهذا عام في أيِّ وقت، فالصائم دعوته مستجابة حتى يفطر، فينبغي له أن يهتم بالدعاء، وأن يكثر من الدعاء وأن يشغل وقته بالذكر والاستغفار وقراءة القرآن وأن يحافظ على وقته، نسأل الله أن يعيننا جميعًا.

وقد ذكر ابن القيم في «الوابل الصيب» (ص75): أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله عز وجل، فأفضل الصوام أكثرهم ذكراً لله عز وجل في صومهم، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله عز وجل، وأفضل الحاج أكثرهم ذكراً لله عز وجل. اهـ.

والصائم قد يجد فتورًا وضعفًا فيكثر النوم وضياع الأوقات، وهذا تفريط في الخير والأجور. فلهذا ينبغي المجاهدة والصبر والاهتمام حتى تستجيب النفس وتنشط على المسابقة إلى الخير، خاصة في شهر رمضان، والبركة من الله سبحانه. فقد كان مِن السلف مَن يستعين بالصوم على التفرغ لطلب العلم وعلى سُرعة الحفظ، كما قال وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ يَقُولُ: «كُنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ بِهِ وَكُنَّا نَسْتَعِينُ فِي طَلَبِهِ بِالصَّوْمِ» رواه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (1279).

--------------

من آداب السحور والترغيب فيه 


عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد. 


عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهل الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ. 


عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَسَحَّرُ فَقَالَ: «إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللهُ إِيَّاهَا، فَلَا تَدَعُوهُ» رواه النسائي في «سننه» (2483 وهو في «الصحيح المسند» (1469).

عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ». رواه النسائي في «سننه» (2164).

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يصلون على المتسحرين». رواه ابن حبان في «صحيحه» (3467).



السحور بفتح السين وضمها، ومن أهل العلم من فرَّق بين ذلك. قال ابن دقيق العيد في «إحكام الأحكام» (2/9): «السَّحُورُ» بِفَتْحِ السِّينِ: مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ. وَبِضَمِّهَا الْفِعْلُ. هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ.

وأجمع العلماء على استحباب السحور للصائم نقله ابن المنذر والنووي في «شرح صحيح مسلم» رَحِمَهُما الله.

وإثبات البركة في السحور من أوجه كثيرة ومعاني متعددة، قال ابن حجر رحمه الله في «فتح الباري» (4/140) بعد إيراده لبعض الأقوال: وَالْأَوْلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَهِيَ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ وَمُدَافَعَةُ سُوءِ الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ. اهـ.

وفي قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ».

فيه دليل على تسمية السحور بالغداء، قال الخطابي في «معالم السنن» (2/104): إنما سماه غداء لأن الصائم يتقوى به على صيام النهار فكأنه قد تغدى. اهـ.

ويستفاد من حديث عَمْرو بْن الْعَاصِ «إنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهل الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ»أن السحور فيه مخالفة لأهل الكتاب.

ويحصل الامتثال في أكل السحور بأي شيء من طعام أو شراب، قال الشوكاني رحمه الله في آخر شرح هذا الباب (4/263): وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّسَحُّرُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمُؤْمِنُ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ وَلَوْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ. اهـ.

والتمر من أفضل أنواع السحور، لما روى أبو داود في «سننه» (2345) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ».

ويستحبُّ تأخير السحور. لما روى البخاري (1921 ومسلم (1097) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ»، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ " قَالَ: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً».

وحديث زيد بن ثابت يفيد أنهم كانوا يقدِّرون الأوقات والدقائق بعدد من الآيات. وكذا كانوا يقدِّرون بحلب ناقة، أو قدر نحر جزور ونحو ذلك.



أحاديث ضعيفة في الصيام

·      عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إنَّ أَحَبَّ عِبَادِي إلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. إسناده ضعيف، فيه قرة بن عبد الرحمن ضعيف. وقد ضعف الشيخ الألباني رحمه الله الحديث في «ضعيف سنن الترمذي» (2/200).

·      عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. إسناده ضعيف، فيه الرباب بنت صليع وهي مجهولة، وضعف الحديث الشيخ الألباني رَحِمَهُ الله في «السلسلة الضعيفة» (6383).

·      عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا أَخَّرُوا السُّحُورَ وَعَجَّلُوا الْفِطْرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ،وإسناده ضعيف فيه سليمان بن أبي عثمان مجهول، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف. وقد حكم الشيخ الألباني رحمه الله في «إرواء الغليل» (917) على لفظة تأخير السحور بالنكارة، لأنه لم يرد في أحاديث كثيرة ذكر تأخير السحور كحديث سهل «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».



·       عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا كَانَ حَلَالًا: الصَّائِمُ، وَالْمُتَسَحِّرُ، وَالْمُرابِطُ فِي سَبِيلِ اللهِ » رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (11/359)، وفيه عَبْدُ اللهِ بْنُ عِصْمَةَ مجهول، وشيخه أَبو الصَّبَّاحِ رُمي بالوضع.




الأحد، 12 مايو 2019

شرح كتاب الصيام من «المنتقى في الأحكام الشرعية من كلام خير البرية صلى الله عليه وسلم»

الدرس العاشرمن شرح كتاب الصيام من «المنتقى في الأحكام الشرعية من كلام خير البرية صلى الله عليه وسلم»
 *بَابُ آداب الْإِفْطَارِ وَالسُّحُورِ*
https://drive.google.com/file/d/159vTONDI-JdFDjsqdlxMyA_UpJjRh5bG/view?usp=sharing

(13)اختصار الدرس التاسع من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية




وجوب كفارة من أفسد صوم رمضان بالجماع

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكت، يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا، قال: ثم جلس، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال: «تصدق بهذا» قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

«هَلَكْتُ»، وجاء بلفظ «احترقت» عند البخاري (6822 ومسلم(1112) عَنْ عَائِشَةَ:أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّهُ احْتَرَقَ، قَالَ: «مَا لَكَ؟»، قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى العَرَقَ، فَقَالَ: «أَيْنَ المُحْتَرِقُ؟» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا».

قال الحافظ في «فتح الباري» (1935):رِوَايَةُ الِاحْتِرَاقِ تُفَسِّرُ رِوَايَةَ الْهَلَاكِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْإِثْمِ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ أَطْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ احْتَرَقَ لِذَلِكَ، وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم لَهُ هَذَا الْوَصْفَ فَقَالَ: «أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ؟» إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ لَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ. اهـ.

«بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ» العرق: المكتل.

ونستفيد من هذا الحديث:

·      أن الجماع في نهار رمضان من كبائر الذنوب، والله عز وجل أباح الجماع في ليالي رمضان، وأما في نهار رمضان فهذا محرم، ومعدود في الفواحش وكبائر الذنوب.

·     أن الجماع في نهار رمضان عامدًا عالمًا من مفسدات الصوم. وحكم الرجل والمرأة في ذلك سواء إلا أن تكون مكرهة.

·     وجوب الكفارة على المجامع في نهار رمضان: عتق رقبة-والمراد عتق رقبة مؤمنة، وإذا لم يستطع يصوم شهرين متتابعين، وإذا لم يستطع يطعم ستين مسكين، وذلك لانتهاكه لحرمة رمضان. قال ابن قدامة في «المغني» (2049): تَلْزَمُ الكفارة مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ قَضَائِهَا، فَلَا تَجِبُ فِي أَدَائِهَا، كَالصَّلَاةِ. اهـ. والحديث يرد قولهم.

·     وفيه أن الكفارة تكون على هذا الترتيب، فلا ينتقل إلى الثاني وهو قادر على الأول.

وهذا قول جمهور العلماء. وذهب الإمام مالك رَحِمَهُ الله إلى أن هذا للتخيير.

·     يستفاد من قوله: «هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، وكذا قوله «احْتَرَقْتُ» أنه ليس ناسيًا ولا جاهلًا. قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (7/225): هذا لا يكون إِلَّا فِي عَامِدٍ فَإِنَّ النَّاسِيَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ.

-فمَن جامع ناسيًا ليس عليه قضاء ولا كفارة. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرِينَ. واختاره شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (25/226).

-وكذلك إذا جامع وهو جاهل بالتحريم هذا أيضًا ليس عليه كفارة لأدلة العذر بالجهل.

وهنا مسألة: قد يعلم التحريم ولكنه لا يدري بوجوب الكفارة. هذا عليه الكفارة فما يلزم في وجوب الكفارة أن يعلمها. كما أفاد ذلك النووي في «المجموع» وكذا استفدت هذا من والدي رحمه الله أنه عليه الكفارة.

-وكذلك إذا جامع مكرَهًا ليس عليه كفارة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ [النحلفإذا كان هذا في النطق بالكفر للمكره فما دونه من باب أولى. فهذه ثلاث حالات ليس فيها كفارة. 

·     فيه دليلٌ على سقوط قضاء اليوم الذي جامع فيه لعدم ذكره في الحديث.

وقال أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: من جامع في نهار رمضان فعليه القضاء،واستدلوا بما جاءوَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» وهي زيادة ضعيفة.ولهذا ذهب جماعة من العلماء إلى أنه ليس عليه قضاء، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ الله في «مجموع الفتاوى» وهو مذهب الشافعي. وقول والدي الشيخ مقبل رحمه الله.

-----------

على من تجب كفارة الجماع:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكت، يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا، قال: ثم جلس، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال: «تصدق بهذا» قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

في الحديث دليلٌ على أن الكفارة على الرجل دون المرأة. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (1936): قَوْلُهُ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذكره بِمَعْنَاهُ وَزَاد ابن إِسْحَاقَ فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنْ نَفْسِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مَنْصُورٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ. وَاسْتُدِلَّ بِإِفْرَادِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ الْمَوْطُوءَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُرَاجَعَةِ هَلْ تَسْتَطِيع وَهل تَجِدُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ.

وَقَالَ الْجُمْهُورُ وَأَبُو ثَوْر وابن الْمُنْذِرِ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَيْضًا عَلَى اخْتِلَافٍ وَتَفَاصِيلَ لَهُمْ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَالْمُطَاوِعَةِ وَالْمُكْرَهَةِ وَهَلْ هِيَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الرَّجُلِ عَنْهَا.

واستَدل الجمهور برواية: «وَأَهْلَكْت» على أنَّ الموطوءة في نهار رمضان عليها كفارة الجماع.

قال الحافظ في «فتح الباري» (1936):لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ: «وَأَهْلَكْتُ» إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ هَلَكْتُ أَثِمْتُ، وَأَهْلَكْتُ أَيْ كُنْتُ سَبَبًا فِي تأثيم من طاوعتنى فَوَاقَعْتهَا، إِذْ لَا رَيْبَ فِي حُصُولِ الْإِثْمِ عَلَى الْمُطَاوِعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِثْبَاتُ الْكَفَّارَةِ وَلَا نَفْيُهَا، أَوِ الْمَعْنَى هَلَكْتُ أَيْ حَيْثُ وَقَعْتُ فِي شَيْءٍ لَا أَقْدِرُ عَلَى كَفَّارَتِهِ وَأَهْلَكْتُ أَيْ نَفْسِي بِفِعْلِي الَّذِي جَرَّ عَلَيَّ الْإِثْمَ، وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ. اهـ.

ولا يجوز للمرأة أن تمكن زوجها في نهار رمضان إلا إذا كانت مكرهة، وإلا عليها أن تمنع وتدافع.

-----------

مسائل تتعلق بالجماع في رمضان:

·     ما تقدم من تحريم الجماع في نهار رمضان هو في حقِّ المقيم. أما من كان مسافرًا فيجوز له الجماع في نهار رمضان، ويجوز له أن يفطر بالجماع كما يجوز له أن يفطر بالأكل والشرب.قال تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة:184].

·     وهذا قول أحمد في رواية عنه والشافعي، وهو قول الشيخ ابن عثيمين في «فتاواه».

·     المريض المقيم في بلده كالمسافر في إباحة الجماع له، فله أن يجامع ولو كان مقيمًا، لقوله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾.

·     إذا رجع المسافر إلى بلده في نهار رمضان، وكان مفطرًا ووجد زوجته قد اغتسلت من الحيض مثلًا فيجوز له أن يجامعها.

كتبت عن والدي رَحِمَهُ الله: الذي ننصحه بالإمساك، وهي كذلك ننصحها بالإمساك، وإذا جامعها ليس عليه شيء. اهـ.

أما من قدم بلده من سفر وهو صائم ثم جامع فعليه كفارة المجامع في نهار رمضان.

·     من طلع عليه الفجر وهو يجامع واستمرَّ فعليه الكفارة، أما إذا نزع مباشرة فصومه صحيح. وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة وهو قول والدي الشيخ مقبل رحمهم الله.

·     إذا نزع عند طلوع الفجر لكنه أنزل، قال النووي في «المجموع» (6/ 322): إذَا جَامَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ نَزَعَ مَعَ طُلُوعِهِ أَوْ عَقِبَ طُلُوعِهِ وَأَنْزَلَ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مُبَاشَرَةٍ مُبَاحَةٍ فَلَمْ يجب فيه شيء كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ قِصَاصًا فَمَاتَ المقتص مِنْهُ فَهَذَا هُوَ التَّعْلِيلُ الصَّحِيحُ. اهـ.

·     إذا جامع الرجل في نهار رمضان في يوم واحد أكثر من مرة، فهل عليه على كل جماع كفارة؟

استفدت من والدي رحمه الله: الذي يظهر أن الكفارة لا تتكرر وعليه كفارة واحدة. اهـ.

·     كفارة الجماع عند أهل العلم هي على من جامع في نهار رمضان دون القضاء. قال البغوي رَحِمَهُ الله في «شرح السنة» (6/290): وَلَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ قَضَاءٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ، فَأَفْطَرَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِنَّمَا الْكَفَّارَةُ فِي إِفْسَادِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ.

وفي كلام ابن قدامة رَحِمَهُ الله في «المغني» (2059)ما يدل على وجود خلافٍ في المسألة فقد ذكر عن قَتَادَةَ: تَجِبُ الكفارة عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ.

·     الاحتلام للصائم، قال النووي رَحِمَهُ الله في «المجموع» (6/322): أَمَّا إذَا احْتَلَمَ فَلَا يُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ. اهـ.

----------

حكم الوصال في الصوم


عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ، فَقِيلَ إنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي، فَاكْلُفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ».

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «نَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، فَقَالَ إنَّكَ تُوَاصِلُ، فَقَالَ: إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما.

وَعَنْ أبي سَعِيدٍ أنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أن يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرَ، قَالُوا: إنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد. 


 الوصال في الصوم: قال ابن الجوزي في «كشف المشكل» (2/545): الْوِصَال فِي الصّيام أَن تصل اللَّيْل بِالنَّهَارِ فِي ترك الْأكل. اهـ.

«إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» ذكروا احتمالَين

أَحدهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يخص بِطَعَام وشراب حَقِيقَة وَلَا يفْسد صَوْمه، كَمَا يغطُّ فِي نَومه وَلَا ينْتَقض وضوؤه، فَيكون هَذَا مُضَافا إِلَى خَصَائِصه الَّتِي أُكْرِم بهَا.

الثَّانِي: أَنه يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: إِنِّي أعَان وَأقوى، فَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة الطَّعَام وَالشرَاب.

والاحتمال الثاني: هو الصواب أنه عبارة عن الغذاء الرُّوحي لأنه لو كان طعامً وشرابًا حسيَّا لم يكن صائمًا، ولكنه من باب قول الشاعر

لها أحاديث من ذكراك تشغلها...عن الشراب وتلهيها عن الزاد

في هذه الأحاديث:

·     النهي عن الوصال في الصوم.

وقد ذهب الإمام أحمد في رواية عنه والشافعي إلى تحريم الوصال في الصوم، وقالوا: هذا من خصائص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فقد أنكر على الصحابة الوصال «إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي». ولأن الليل ليس بمحل للصوم. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187].

وذهب أكثر أهل العلم كما في «المغني» (3/175) إلى كراهة الوصال في الصوم. وهذا قول المجد رحمه الله. وقالوا إنَّمَا أَتَى بِالنهي رَحْمَةً لَهُمْ، وَرِفْقًا بِهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ قَالَتْ عَائِشَةُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ، رَحْمَةً لَهُمْ» رواه البخاري ومسلم.

·     في حديث أبي سعيد الخدري دليل على جواز الوصال في الصوم إلى السحر فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أن يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرَ».

وقد ذهب إلى جواز الوصال في الصوم إلى السحر أحمد، وإسحاق. وهو اختيار البخاري وكذا الحافظ ابن حجر وهو قول والدي الشيخ مقبل.

والكلام على الجواز. وتركه أفضل لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» وغير ذلك من الأدلة في استحباب تعجيل الفطر عند غروب الشمس.

الجمعة، 10 مايو 2019

(67)مِنْ أَحْكَامِ الصِّيَامِ


                      الحث على تفطير الصائمين



عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا»رواه الترمذي(807).



قال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى(5/376):الْمُرَادُ بِتَفْطِيرِهِ أَنْ يُشْبِعَهُ.اهـ

وقال الشيخ ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين(5/315): اختلف العلماء في معنى من فطر صائما.

 فقيل: إن المراد من فطَّره على أدنى ما يفطر به الصائم ولو بتمرة.

وقال بعض العلماء: المراد بتفطيره أن يشبعه لأن هذا هو الذي ينفع الصائم طول ليله وربما يستغني به عن السحور.

 ولكن ظاهر الحديث:

 أن الإنسان لو فطر صائما ولو بتمرة واحدة فإنه له مثل أجره.

ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على إفطار الصائمين بقدر المستطاع،لاسيما مع حاجة الصائمين وفقرهم،أو حاجتهم لكونهم لا يجدون من يقوم بتجهيز الفطور لهم وما أشبه ذلك.اهـ


(12)اختصار الدرس الثامن من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية



عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لَإِرْبِهِ». رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلا النَّسَائِيّ. وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ يُقَبِّلُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.


فيه جواز تقبيل الرجل امرأتَه أو سُرِّيتَه وهو صائم إلا لِمَن خاف على نفسه.

«وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ» قال الإمام الشوكاني رَحِمَهُ الله في «الشرح» (4/251): الْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّقْبِيلِ مَا لَمْ يَبْلُغْ إلَى حَدِّ الْجِمَاعِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: «كَانَ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ» مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ فِي الْأَصْلِ الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ. اهـ.

«وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ  لِإِرْبِهِ» أي: لحاجته.

ولا تعني عائشة رضي الله عنها أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم أو التحريم، ولكن المراد: من كان يملك نفسه عن الإنزال أو الجماع فلا بأس بذلك.

ومما يدل أن عائشة رضي الله عنها لا تعني  الخصوصية ما رواه مالك رَحِمَهُ الله في «الموطأ» (1023) عن شيخه أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا هُنَالِكَ. وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَهُوَ صَائِمٌ. فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْنُوَ مِنْ أَهْلِكَ، فَتُقَبِّلَهَا؟ فَقَالَ: أَأُقَبِّلُهَا وَأَنَا صَائِمٌ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. وسنده صحيح.

قال الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ الله في «فتح الباري» (تحت رقم 1927): هذا يدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرَى بِتَحْرِيمِهَا، وَلَا بِكَوْنِهَا مِنَ الْخَصَائِصِ. اهـ.

___________

عَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ: أَنَّهُ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ: سَلْ هَذِهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ لَهُ: أما وَاَللَّهِ إنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فيه من الفوائد:

·     أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل أم سلمة وهو صائم.

وأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد رَحِمَهُ الله في «مسنده» (44/156) من طريق مُوسَى يَعْنِي ابْنَ عُلَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَسْأَلُهَا هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ؟ فَإِنْ قَالَتْ: لَا، فَقُلْ لَهَا: إِنَّ عَائِشَةَ تُخْبِرُ النَّاسَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ؟» قَالَ: فَسَأَلَهَا أَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ؟ قَالَتْ: لَا، قُلْتُ: إِنَّ عَائِشَةَ تُخْبِرُ النَّاسَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ؟» قَالَتْ: لَعَلَّهُ إِيَّاهَا كَانَ لَا يَتَمَالَكُ عَنْهَا حُبًّا، أَمَّا إِيَّايَ، فَلَا.

هذا الحديث قال عنه ابن عبد البر رَحِمَهُ الله في «التمهيد» (5/125): هَذَا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ يَجِيءُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَهُوَ مُنْكَرٌ عَلَى أَصْلِ مَا ذَكَرْنَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. اهـ.

·     أن القُبلةَ للصائم ليست من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

·     جواز القبلة للصائم الشاب، لأن عمر بن أبي سلمة كان شابًّا، والممنوع في حقِّ من لا يملك نفسه شابًّا كان أو شيخًا.

·     أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم حجة كما أن أقواله حجة ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

والسُّنَّةُ: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.

_________________



حكم القُبلة للصائم:

يجوز القُبلة للصائم لِمن أمِن على نفسه منَ الإنزال والجماع من غير كراهة،لأن النبي صلى الله عليه و على آله وسلم كان يفعلُه، وهو أعلم الناس بربه وأخشاهم وأتقاهم له.

-قال الترمذي في «سننه» (727): قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لِلصَّائِمِ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ أَنْ يُقَبِّلَ، وَإِذَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ تَرَكَ القُبْلَةَ لِيَسْلَمَ لَهُ صَوْمُهُ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. اهـ. المراد

-وقال بعضهم: تُكره القبلة لِمَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ، وَلَا تُكْرَهُ لِغَيْرِهِ وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا، فَإِنْ قَبَّلَ مَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ وَلَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ. وهذا ذكره النووي في «المجموع» (6/355) عن الشافعية وعن أبي حنيفة. وهو قول أحمد في رواية عنه.

وهذا التفصيل أنه إذا حرك التقبيل شهوته يكره له، ولا يكره إذا لم تُحرِّك القبلة شهوتُه الأدلة السابقة ترده.

وقد أنكر هذا القول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في «الشرح الممتع» (1/134).

-وذهبت المالكية إلى كراهية القبلة للصائم في رمضان للشاب والشيخ. وهذا قول أحمد في رواية عنه. وأحاديث الجواز لمن ملك نفسه فيها ردٌّ على هذا القول.

-وروى ابن وهب عن مالك إباحتها في النفل دون الفرض، وفي رواية لمسلم (1106) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ».

وهذه الرواية ترد على هذا التفريق بين صيام الفرض والنفل.

-وفرَّق بعضهم بين الشيخ والشاب فأباحوها للشيخ وحرَّموها على الشاب. وهذا جاء عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

وهذا يرده بعض الأدلة كحديث عمر بن أبي سلمة في الباب أَنَّهُ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ: سَلْ هَذِهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ..» ففيه دليل على جواز القبلة للشاب، فعمر بن أبي سلمة  ربيب رسول الله كان شابًّا .

وتقبيل النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وهي شابة. فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وعمرها ثمانية عشر عامًا، وقد كان يقبلها وهي صائمة.

وأما التفرقة في بعض الروايات بين الشاب والشيخ،فهذا لأن الشاب عنده قوة شهوة فقد تغلب عليه، وأما الشيخ فلضعف الشهوة عنده وانكسارها.

-ومنهم من قال باستحباب القبلة للصائم حتى ولو أفضى به إلى الإنزال. وهذا قول ابن حزم في «المحلى» (4/338 وهذا بعيد جدًّا.

مراد أهل العلم بالقُبلة في الصوم: قبلة من تباح قُبلته في الفطر، كزوجته، وسُرَّيته تلذذًا، لا رحمة وتوددًا، فأما من تحرم قُبلته في الفطر، ففي الصوم أشد تحريمًا. اهـ. من «حاشية الروض المربع» (3/425).



---------

حكم القبلة لمن علم من نفسه أو ظن الوقوع في المحظور 


إذا علم أنه إذا قبَّل لا يملك نفسَه من مفسد الصوم فهذا حرامٌ. قال ابن عبد البر رَحِمَهُ الله في «التمهيد» (5/114): وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِيهَا لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ. اهـ.


أو ظنَّ عدم سلامته من الوقوع في المحظور. روى البخاري (1927 ومسلم (1106) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «...كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ...». وروى الترمذي (2518) عن الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ».

__________

حديثان ضعيفان في هذا الباب:

- عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْمِسُ من وجهي من شيء وأنا صائمة. رواه ابن حبان في «صحيحه» (3546) من طريق الْعَبَّاسِ بْنِ ذَرِيحٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ عَائِشَةَ،به.وذكره الشيخ الألباني في «الضعيفة» (958) وقال: منكر. 


-رواية مصِّ لسان الزوجة للصائم

عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا». رواه أبوداود في «سننه» (2386) من طريق محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدع أبي يحيى الأنصاري،وهؤلاء الثلاثة ما بين ضعيف ومجهول حال






حكم مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا وَهُوَ صَائِمٌ


عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُدْرِكُنِي الصَّلَاةَ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ. فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أن أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.

 عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ فِي رَمَضَانَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فيه من الفوائد:

·     صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. وهذا قول جمهور العلماء، ويدل لذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة: 187].

قال ابن دقيق العيد في «إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام» (2/11): وَقَدْ يَدُلُّ كِتَابُ اللَّهِ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا. فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187] يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْوَطْءِ فِي لَيْلَةِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا. وَمِنْ جُمْلَتِهِ. الْوَقْتُ الْمُقَارِبُ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ، بِحَيْثُ لَا يَسَعُ الْغُسْلَ. فَتَقْتَضِي الْآيَةُ الْإِبَاحَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَمِنْ ضَرُورَتِهِ: الْإِصْبَاحُ جُنُبًا. وَالْإِبَاحَةُ لِسَبَبِ الشَّيْءِ إبَاحَةٌ لِلشَّيْءِ.

وقال ابن العربي المالكي رَحِمَهُ اللَّهُ في «تفسيره» (1/134): إذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْوَطْءَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَيْهِ، وَهُوَ جُنُبٌ؛ وَذَلِكَ جَائِزٌ إجْمَاعًا؛ وَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِيهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ كَلَامٌ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَإِنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ، وَبِهَذَا احْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ، وَمِنْ هَاهُنَا أَخَذَهُ بِاسْتِنْبَاطِهِ، وَغَوْصِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.

·     يلحق بهذا الحكم الحائض والنفاس في جواز تأخير الاغتسال لبعد طلوع الفجر وصحة الصوم.

وعلى من طهرت في آخر الليل وأمكنها أن تغتسل وتصلي صلاة العشاء أن تبادر إلى الغسل وإلى الصلاة قبل طلوع الفجر، والتأخر في حقها يعد ضرورة. والوقت الاضطراري يمتد إلى طلوع الفجر، كما قال النبي صلى عليه وسلمأَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِيَّ النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى» رواه مسلم (681) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

·     جواز الاغتسال للصائم.