جديد المدونة

جديد الرسائل

السبت، 29 يونيو 2019

(25)اختصار الدرس الحادي والعشرين من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية




عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَحَرَّى صِيَامَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا أَبَا دَاوُد، لَكِنَّهُ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وحديث عائشة في «الصحيح المسند» (1570).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ فَأُحِبُّ أن يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ. وَلِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.

يستفاد من هذه الأدلة: استحباب صيام الاثنين والخميس . 
وقد ذهب أكثر العلماء إلى الاستحباب، لتحرِّي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك، وترغيبه فيه بقوله وفعله، وعند مالك يكره صيام يوم معين.

ونستفيد من هذه الأحاديث وما في معناها عِظَمَ شأنِ هذين اليومين الاثنين والخميس وبيان ما يكون فيهما، وهذا كالآتي:

·     عرض أعمال العباد على الله كل اثنين وخميس.

روى الإمام مسلم (2565) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا، أَوِ ارْكُوا، هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا».

 وروى النسائي (2358وأحمد(36/85) عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ الْأَيَّامَ يَسْرُدُ حَتَّى يُقَالَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ الْأَيَّامَ حَتَّى لَا يَكَادَ أَنْ يَصُومَ إِلَّا يَوْمَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ، إِنْ كَانَ فِي صِيَامِهِ، وَإِلَّا صَامَهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا يَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَصُومُ لَا تَكَادُ أَنْ تُفْطِرَ، وَتُفْطِرَ حَتَّى لَا تَكَادَ أَنْ تَصُومَ إِلَّا يَوْمَيْنِ إِنْ دَخَلَا فِي صِيَامِكَ وَإِلَّا صُمْتَهُمَا قَالَ: «أَيُّ يَوْمَيْنِ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وَيَوْمُ الْخَمِيسِ. قَالَ: «ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» قَالَ: قُلْتُ: وَلَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ قَالَ: «ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ».

 قال القرطبي في «المفهم» (6/540): عرض الأعمال المذكورة إنما هو - والله تعالى أعلم- لتنقَل من صحف الكرام الكاتبين إلى محل آخر، ولعله اللوح المحفوظ. كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَستَنسِخُ مَا كُنتُم تَعمَلُونَ﴾، وقد يكون هذا العرض في هذين اليومين للأعمال الصالحة مباهاة بصالح أعمال بني آدم على الملائكة، كما يباهي الله الملائكة بأهل عرفة، وقد يكون هذا العرض لتعلم الملائكة المقبول من الأعمال من المردود. اهـ.

ورفع الأعمال وعرضها على الله يوم الاثنين والخميس وفي شعبان،فيه إشكال لأن ظاهره الاختلاف وقد أجاب عن ذلك ابن القيم في «تهذيب السنن»:أن عمل الأسبوع يُرفع كل اثنين وخميس،ويرفع عمل العام في شعبان.

·     مغفرة الله ذنوب عباده المؤمنين يوم الاثنين والخميس إلا للمتشاحنين.

فينبغي للمسلم أن يتفقد قلبه وأن يحرص على نقاوته وطهارته من الغل والحقد.. حتى تغفر ذنوبُه يوم عرض الأعمال، ومن حُرِم مغفرةُ ذنوبه فهو المحروم.

·     فتح أبواب الجنة الثمانية في هذين اليومين.

 ودليل هاتين المسألتين ما رواه الإمام مسلم (2565)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» رواه الإمام مسلم (2565).



بعض فوائد حديث أبي هريرة :

·    عِظم ذنب الشرك بالله عز وجل، وهو أعظم ذنب عصي الله به﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)﴾ [لقمان:13].

·    الحث على سلامة الصدور والتآخي بين المؤمنين.

·     خطر عداوة المسلم لأخيه المسلم وهجره وامتلاء القلوب بالأحقاد والبغضاء.

 الحديث دليل على أن ذلك من كبائر الذنوب وأنه من موانع مغفرة الذنوب في هذين اليومين.

وإذا كان هذا في بغض آحاد المسلمين فكيف بمن يبغض ويعادي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

·     الاهتمام بالعمل الصالح من صيام وصلاة وقرآن وذكر ..والحذر من المعاصي في هذين اليومين.

ويدخل صيام الاثنين والخميس في الأدلة العامة في فضل الصيام، كهذه الأدلة:

·     عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» رواه النسائي(2220). وفي رواية أخرى للنسائي: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِأَمْرٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ». والحديث صحيح.

·     الصيام يثيب الله عليه من غير حساب، والحسنة بعشر أمثالها ولكن الله يضاعف لمن يشاء.

   عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ». رواه البخاري (1904ومسلم (1151). وفي روايةٍ أُخرى لمسلم «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي».

·     الصيام سترٌ وعون على تقوى الله ووقاية من النار؛ لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ».

وروى الإمام مسلم (1153) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا بَاعَدَ اللهُ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».

·     من مكفرات الذنوب، روى البخاري (1895ومسلم (4ص2218)عن حذيفةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ».

·     من أسباب محبة الله للعبد، كما في الحديث القدسي «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ».

·     يكمل النقص ويجبر الخلل الذي يكون في صيام الفريضة، روى الإمام أحمد في «مسنده» (27/160) عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وأن لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَتُكْمِلُوا بِهَا فَرِيضَتَهُ؟ ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ».

·     وفي الصوم منافع صحية وخُلُقية وثمار عاجلة وآجلة.كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» (2/27).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.



نستفيد من هذا الحديث:

·     أن اليوم الذي وُلِد فيه وأُنزِل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه يوم الاثنين.

و يوم الاثنين يوم مبارك اجتمع فيه خمس مناسبات تاريخية عظيمة:

 وُلد فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عام الفيل، ونُبِّئ فيه، وهاجر فيه من مكة، ودخل فيه المدينة، وتوفي فيه صلى الله عليه وسلم.

·     الحث على صيام يوم الاثنين.

·     الحكمة من صوم يوم الاثنين بأنه يوم ولِد فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويومٌ أُنزِل عليه فيه.

وهناك حِكَمٌ أُخرى في صيام الاثنين والخميس:

·     أن يوم الاثنين والخميس ترفع فيهما الأعمال خيرها وشرها وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ في يوم الاثنين والخميس: «ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».

·     أنهما محطُّ الأوزار «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا، أَوِ ارْكُوا، هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا».

·     أن أبواب الجنة الثمانية تُفتَّح في هذين اليومين.

ولا منافاة بينها فالحكمة قد تتعدد.

ويوم الاثنين أفضل من يوم الخميس لتميزه ببعض الأمور كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ».

أما الاحتفال بالمولد النبوي فبدعة ما أنزل الله به من سلطان، فإن العبادات توقيفية وليست إلى الأهواء البشرية.