رسالة
«بعض ما يُشرع للصائم أن يتحلَّى به وأن يدعه »
لأم عبد الله بنت الشيخ مقبل بن هادي الوادعي
حفظها الله تعالى.
رسالة
«بعض ما يُشرع للصائم أن يتحلَّى به وأن يدعه »
لأم عبد الله بنت الشيخ مقبل بن هادي الوادعي
حفظها الله تعالى.
الحث على تفطير الصائم
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» رواه الترمذي(807).
والمراد بتفطير الصائم كما قال شيخ الإسلام في «الفتاوى الكبرى» (5/376): أَنْ يُشْبِعَهُ.
وقال الشيخ ابن عثيمين في «شرح رياض الصالحين» (5/315): اختلف العلماء في معنى من فطر صائما.
فقيل: إن المراد من فطَّره على أدنى ما يفطر به الصائم ولو بتمرة.
وقال بعض العلماء: المراد بتفطيره أن يشبعه؛ لأن هذا هو الذي ينفع الصائم طول ليله، وربما يستغني به عن السحور.
ولكن ظاهر الحديث:
أن الإنسان لو فطر صائما ولو بتمرة واحدة، فإنه له مثل أجره.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على إفطار الصائمين بقدر المستطاع، لاسيما مع حاجة الصائمين وفقرهم، أو حاجتهم؛ لكونهم لا يجدون من يقوم بتجهيز الفطور لهم، وما أشبه ذلك.
الفتور في رمضان بعد الإفطار
في «مدارج السالكين» (1/ 452) لابن القيم رَحِمَهُ الله: وَأَمَّا مُفْسِدَاتُ الْقَلْبِ الْخَمْسَةُ فَهِيَ: كَثْرَةُ الْخُلْطَةِ، وَالتَّمَنِّي، وَالتَّعَلُّقُ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَالشِّبَع، وَالْمَنَام.
فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ مِنْ أَكْبَرِ مُفْسِدَاتِ الْقَلْبِ. ثم شرحها ووضَّح المراد منها، وقال رحمه الله عن ضرر الشبع على القلب:
الشبع يُفْسِدُهُ بِقَدْرِهِ وَتَعَدِّي حَدِّهِ، كَالْإِسْرَافِ فِي الْحَلَالِ، وَالشِّبَعِ الْمُفْرِطِ، فَإِنَّهُ يُثْقِلُهُ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَيَشْغَلُهُ بِمُزَاوَلَةِ مُؤْنَةِ الْبِطْنَةِ وَمُحَاوَلَتِهَا، حَتَّى يَظْفَرَ بِهَا، فَإِذَا ظَفِرَ بِهَا شَغَلَهُ بِمُزَاوَلَةِ تَصَرُّفِهَا وَوِقَايَةِ ضَرَرِهَا، وَالتَّأَذِّي بِثِقَلِهَا، وَقَوَّى عَلَيْهِ مَوَادَّ الشَّهْوَةِ، وَطُرُقَ مَجَارِي الشَّيْطَانِ وَوَسَّعَهَا، فَإِنَّهُ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ.
فَالصَّوْمُ يُضَيِّقُ مَجَارِيَهُ، وَيَسُدُّ عَلَيْهِ طُرُقَهُ، وَالشِّبَعُ يَطْرُقُهَا وَيُوَسِّعُهَا، وَمَنْ أَكَلَ كَثِيرًا شَرِبَ كَثِيرًا، فَنَامَ كَثِيرًا، فَخَسِرَ كَثِيرًا.
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ».
وشكى بعض الناس إلى والدي الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله:
يأتينا فتور بعد الإفطار من الصيام.
فسمعته قال: لعلكم تأكلون كثيرًا. اهـ.
فما أحسن الاعتدال في الأكل في رمضان!
سؤال من إحدى الأخوات عن أكل المرأة المشيمة التي تخرج بعد الولد؟
الجواب: المشيمة التي تخرج بعد الولد لا يجوز أكلها، يقول الله تَعَالَى: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157]. ويقول النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
رواه أحمد (2865)، وابن ماجه (2341) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وهذه أكلها في غاية الخطورة.
وما الدافع لهذا؟ قالوا: له منافع، أنه يزيل الكآبة، هكذا يقولون، وأنه يدرُّ لبن الأم، وغير ذلك. نسأل الله العافية.
أما ما يحصل للمرأة من كآبة وسوء مزاج أيام النفاس، فهذا شيء يُعالَج بذكر الله عَزَّ وَجَل، وقراءة القرآن الكريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعندهم طريقة لأكلها؛ ليستساغ، إما تُحَمَّرُ ثم تُؤكَلُ، وإما تُجَفَّف ثم تُجعل على صورة كبسولة وتشربها المرأة.
وهل المشيمة طاهرة أو نجسة؟
قال النووي في «المجموع»(2/563): نَقْل الْقَاضِي أَبِو الطَّيِّبِ الِاتِّفَاقَ على نَجَاسَةِ مَشِيمَةِ الْآدَمِيِّ، وَالصَّحِيحُ الطَّهَارَةُ كَمَا ذكرناه، وأما مشيمة غير الْآدَمِيِّ فَنَجِسَةٌ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا فِي سَائِرِ أَجْزَائِهِ الْمُنْفَصِلَةِ فِي حَيَاتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فائدة: مشيمة الآدمي وغير الآدمي:
في «المصباح المنير»(329): المشيمة: هِيَ غِشَاءُ وَلَدِ الْإِنْسَانِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ لِمَا يَكُونُ فِيهِ الْوَلَدُ: الْمَشِيمَةُ وَالْكِيسُ وَالْغِلَافُ، وَالْجَمْعُ مَشِيمٌ بِحَذْفِ الْهَاءِ وَمَشَايِمُ مِثْلُ مَعِيشَةٍ وَمَعَايِشَ.
وَيُقَالُ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ: السَّلَى.
13-وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
هذا الحديث ضعيف، في بعض طرقه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، ولكن الحديث صحيح من غير ذِكْر الرفع الصريح، قال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ» وله حكم الرفع.
الميتة: مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ قُتِلَ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ.
(مات حتف أنفه) أي: بغير سبب، أي: بغير ضرب، ولا قتل، ولا غَرَقٍ، ونحو ذلك.
من فوائد هذا الحديث:
-أن الأصل في الميتات التحريم.
-في هذا الحديث تخصيص قوله تَعَالَى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]. فالآية عامة مخصوصة بميتة السمك والجراد.
-حِلُّ أكل الجراد، وأنه من الطيبات.
-ظاهر الدليل جواز أكل الجراد والسمك بما فيها.
وهل يجوز شوي الجراد والحوت وهي حَيَّةٌ؟
أما الجراد فلا بأس بشَويه وهو حي؛ لأنه يطول حياته، ممكن يبقى أيامًا ولا يموت.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لا يُكْرَهُ شَيُّ الْجَرَادِ حَيًّا؛ لِمَا أُثِرَ مِنْ فِعْل الصَّحَابَةِ ذَلِكَ أَمَامَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وأما شوي السمك وهي حية، فذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ إِلْقَاءِ السَّمَكِ فِي النَّارِ حَيًّا؛ لِشَيِّهِ.
والإمام أحمد يقول: لا يعجبني.
لأن حياته يسيرة إذا فارقت الماء، فللرفق به لو أمكن أن يؤجَّل تقطيعه، أو شويه حتى يموت كان أولى.
مسألة: صيد الجراد والسمك من مجوسي أو غيره من الكفار من غير أهل الكتاب.
قال ابن قدامة في «المغني»(9/393): وَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ مَا صَادُوهُ مِنْ الْحِيتَانِ. حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت سَبْعِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ يَأْكُلُونَ صَيْدَ الْمَجُوسِيِّ مَنْ لَا يَخْتَلِجُ فِي صُدُورِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَالْجَرَادُ كَالْحِيتَانِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ، وَلِأَنَّهُ تُبَاحُ مَيْتَتُهُ، فَلَمْ يَحْرُمْ بِصَيْدِ الْمَجُوسِيِّ، كَالْحُوتِ.
-وفيه حل أكل الطِّحال والكبد.
- ونستفيد: المنع من أكل الدماء عدا الطحال والكبد، ويعفى من ذلك الدم الذي يكون في العروق، وفي داخل القلب؛ لأنه شيء يسير.
-وفيه أن من طرق التعليم ذِكْرُ الشيء مجملًا ثم ذكره مفصلًا، وهذا يكون فيه تشويق للنفس على تمام الكلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
14-وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ ليَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ».
من فوائد هذا الحديث:
v طهارة ميتة الذباب.
v ونستفيد منه كما قال الصنعاني في «سبل السلام»(1/36): أَنَّهُ يُمْهَلُ فِي نَزْعِهِ بَعْدَ غَمْسِهِ.
ومن كانت نفسه لا تطيق الشرب فله ألَّا يشرب، لكن عليه أن يعتقد ما دلَّ عليه حديث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يعاند، أو يردَّ هذا الحديث.
مسألة: إذا سقط الذبابُ فنزعه ثم أعطى الشراب غيره، ما هو الحكم؟
قال الشيخ ابن عثيمين في «شرح بلوغ المرام»(1/128): لو سقط الذباب في الشراب وغمسته وأخرجته، ثم قدمته لإنسان يشرب، وعرفت بأن هذا الإنسان لو علم بأنه لو سقط فيه الذباب ما شرب، هل يجب أن أخبره؟
لا يجب ما دام الشيء لا يضر فإنه لا يجب؛ لأن هذا إنما يستقذره لو علم به، وإذا لم يعلم فالأمر طبيعي.
-ألحق أهل العلم بالذباب في طهارة ميتته كل ما لا نفس له سائلة، مثل: النحل، والعنكبوت، والقَمْل، والبعوض، وغير ذلك.
ومعنى: ليس له نفس سائلة، يعني: ليس له دم يسيل، وأخذوا من هذا الحكمة في نجاسة الميتة، قالوا: لأن دمها محتقن فيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
15-وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ-وَهِيَ حَيَّةٌ-فَهُوَ مَيِّتٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ.
الحديث ضعيف، وهو من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وهو ضعيف، ثم أيضًا قد خُولف، خالفه من هو أرجح منه وهو سليمان بن بلال، فرواه مرسلًا عن عطاء.
وله بعض الطرق الأخرى ولكنها لا تقويه.
« الْبَهِيمَةِ» المراد بالبهيمة هنا: الحيوان المأكول. وأما بهيمة الأنعام فهي: الإبل، والبقر، والغنم، والمعز، هذه يقال لها: بهيمة الأنعام.
وأهل العلم على ما دل عليه هذا الحديث:
أن ما فُصِل وقُطع من بهيمةٍ فهو ميت نجس ولا يحل أكله.
قاعدة: ما أُبين من حيٍّ فكميتته، فما كان ميتته نجسة فهو نجسٌ، فلو قطعت يد حيوان، أو رجله فهي نجسة، وما كان ميتته طاهرة فهو طاهر، كالإنسان والجراد والسمك، وهكذا المسك وفأرته -أي: وعاؤه- جمهور أهل العلم على طهارته.
المشيمة وهي: التي تخرج بعد الولد، ما أُبين من حيٍّ فكميتته، فإن كان من حيوان فنجسة، وإن كان من آدمي فطاهرة على الصحيح؛ لأنها منفصلة من طاهر حيًّا وميتًا.
«مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ-وَهِيَ حَيَّةٌ-فَهُوَ مَيِّتٌ» يستثنى من هذا الطريدة والناد، هذا ما أُبين منه فهو طاهر إن عُثر على أصله، هذه عبارة ارتسخت في ذهني من والدي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
الناد والطريدة، الناد الذي يفرُّ من الحيوانات الإنسية، مثل: الإبل، فإذا عُثِرَ على الأصل، أي: أُدرك، فجميع أجزائه طاهرة وحلال، أما إذا هرب وما مُسك فهنا تكون القطعة نجسة. جاء عن الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالطَّرِيدَةِ بَأْسًا، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ، وَمَا زَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي مَغَازِيهِمْ.
وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أحمد بن حنبل. قَالَ: وَالطَّرِيدَةُ الصَّيْدُ يَقَعُ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَيَقْطَعُ ذَا مِنْهُ بِسَيْفِهِ قِطْعَةً، وَيَقْطَعُ الْآخَرُ أَيْضًا، حَتَّى يُؤْتَى عَلَيْهِ وَهُوَ حَيٌّ. قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي إلَّا أَنَّ الصَّيْدَ يَقَعُ بَيْنَهُمْ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ، فَيَأْخُذُونَهُ قِطَعًا.