للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل

الأربعاء، 26 أكتوبر 2022

(46) القواعد والتعريفات من درس شرح قطر الندى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

◆◇◆◇◆◇

المَجرُورُ بِالْإِضَافَةِ

الإضافة لغة: الإسناد.

اصطلاحًا: إسناد اسم إلى غيره على تنزيل الثاني من الأول منزلة تنوينه، أو ما يقوم مقام تنوينه.

-سبب جر المضاف إليه: فيه قولان للنحويين في جر المضاف إليه: أنه مجرور بالمضاف، أنه مجرور بالإضافة، وجمهور النحويين على أن العامل في المضاف إليه هو المضاف، واستدلوا على ذلك باتصال الضمير بالمضاف، والضمير لا يتصل إلا بعامله.

-الجر بالإضافة على قسمين:

الإِضَافَةُ المَعنَوِيَّةِ: أَلَّا يَكُونَ المضاف صفة، والمضاف إليه معمولًا لها قبل الإضافة. وهذه هي الإضافة المحضة، أي: خالصة من تقدير الانفصال، ويقال: إضافة معنوية، لأنها تفيد أمرًا معنويًا، وهو: التعريف إذا أضيفت النكرة إلى معرفة، والتخصيص إذا كان المضاف نكرة، وأُضيف إلى نكرة.

فإذا قلنا: «غلام» يحتمل أن المراد: غلام رجل أو امرأة، فإذا أضيف تميز أنه غلام رجل أو غلام امرأة، ولكن التمييز إذا أضيف إلى معرفة أقوى «غلام زيد».

والمراد بالصفة: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة.

وفيه ثلاث صور:

الأول: أن يكون المضاف غير وصف، والمضاف إليه ليس معمولًا للمضاف قبل الإضافة «غُلَامِ زَيدٍ»، في هذا المثال انتفى الأمران معًا.

الثاني: أن يكون المضاف صفة لكنه مضاف إلى غير معموله «كَاتِبِ القَاضِي». «القاضي» غير معمول لـ«كاتب»؛ لأنه ليس المقصود: يكتب القاضي، ولكن كاتب للقاضي.

الثالث: أن يكون المضاف إليه معمولًا للمضاف، وليس المضاف صفة« ضَربُ اللِّصِّ»؛ لأن المضاف وهو «ضرب» مصدر وليس وصفًا.

أقسام الإضافة المعنوية:

 الإضافة بمعنى «في»: ضابطها أن يكون المضاف إليه ظرفًا للمضاف.

الإضافة بمعنى «من» ضابطها: أن يكون المضاف إليه كلًّا للمضاف، ويصح الإخبار به عنه.

الإضافة بمعنى اللام: إذا لم يصح الإخبار به عن المضاف، فإن الإضافة لا تكون بمعنى «من»، فـمثلًا: «يد زيد» الإضافة هنا بمعنى «اللام».

الإِضَافَةُ اللفظية: أَن يَكُونَ الْمُضَافُ صِفَةً، وَالمُضَافُ إِلَيهِ مَعْمُولًا لتِلْكَ الصِّفَةِ. وتسمى إضافة لفظية؛ لأنها تفيد التخفيف في النطق، ولا تفيد تعريفًا ولا تخصيصًا.

لها ثلاث صور:

-إِضَافَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ.

-إِضَافَةُ اسْمِ الْمَفْعُولِ.

إضَافَةُ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسمِ الْفَاعِلِ.

ثلاثة أشياء تمتنع فيها الإضافة:

-ألا يجتمع مع التنوين، كما قال الشاعر:

كَأَنِّي تَنوِينٌ وَأَنتَ إِضَافةٌ

۞۞۞

فحَيثُ تَرَانِي لَا تَحِلُّ مَكَانِيَ

والسبب في هذا أن الإضافة تدل على نقص الاسم فهي تتمم المعنى، والتنوين يدل على كماله، ولا يكون الشيء كاملًا ناقصًا.

-ألا يجتمع مع النون التالية للإعراب، وهذا في المثنى وجمع المذكر السالم، إذا أضيف المثنى وجمع المذكر السالم تحذف النون، قال ابن مالك رَحِمَهُ اللهُ:

نُونًا تَلِى الإِعْرَابَ أَوْتَنْوِينَا

۞۞۞

مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا

والسبب في هذا: أن هذه النون قائمة مقام التنوين؛ إذ أنها عوض عن التنوين.

قوله: (النون التالية للإعراب) هذا احتراز من نوني المفرد وجمع التكسير، لأنهما متلوان بالإعراب، لا تاليان له.

-إذا كان الاسم فيه «أل» فلا يضاف حتى تحذف «أل»؛ حتى لا يُجْمَع على الاسم تعريفان؛ لأن «أل» للتعريف، والإضافة المحضة للتعريف أو التخصيص.

خمس مسائل مستثناة من المنع من دخول «أل» على المضاف الإضافة اللفظية، وهي:

- أَن يَكُونَ الْمُضَافُ مُثَنًى «الضَارِبَا زَيدٍ».

- أَن يَكُونَ الْمُضَافُ جَمَعَ مُذَكَّرٍ سَالِمًا «الضَّارِبُو زَيدٍ».

- أَن يَكُونَ الْمُضَافُ إِلَيهِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ: «الضَّارِبُ الرَّجُلِ».

- أَن يَكُونَ الْمُضَافُ إِلَيهِ مُضَافًا إِلَى مَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ «الضَّارِبُ رَأَسِ الرَّجُلِ».

- أَن يَكُونَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مُضَافًا إِلَى ضَمِيرٍ عَائِدٍ عَلَى مَا فِيهِ الأَلِفُ وَاللَّامُ«مَرَرْتُ بِالرجلِ الضَّارِبِ غُلَامِهِ».

هذه الإضافة لفظية لا معنوية، أما الإضافة المعنوية فلا تدخل «أل» على المضاف.

 

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2022

(45)اختصار دروس شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري


روى البخاري (7525) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110]، قَالَ: «نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ، سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ»، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء: 110]: أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ: ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110]، عَنْ أَصْحَابِكَ فَلا تُسْمِعُهُمْ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 110].

وفيه سبب نزول هذه الآية ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ .

فقوله: ﴿ولا تجهر أي: بقراءتك.

وهذا دليل أن قراءة القرآن قد يطلق عليها صلاة.

وفي الآية سبب نزول آخر كما جاء في حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قالت: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110] فِي الدُّعَاءِ» رواه البخاري (7526).

قال ابن رجب رَحِمَهُ اللهُ في «فتح الباري»(7/402): قال الإمام أحمد: ينبغي أن يسر دعاءه؛ لهذه الآية.

وقد جمع الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ في «فتح الباري» تحت رقم (4723) بين هذين الحديثين، وقال: يُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ دَاخل الصَّلَاة.

وفي الآية سبب نزول آخر وهو أذى المشركين لمن علموا أنهم يسمعون القرآن، روى ابن جرير في «تفسيره»(17/585) عن ابن عباس.

وجاء أنها نزلت في إخفاء التشهد، ذكره ابن جرير في «تفسيره»(17/587) عن عائشة.

وهذا فيه أن الدعاء المنهي عن الجهر به في التشهد، ولا مانع أن الآية نزلت في هذه الأمور كلها. كما قال هذا والدي في «الصحيح المسند من أسباب النزول»(132).

ونستفيد: أنه إذا كان يؤدي تغيير المنكر إلى مفسدة أعظم فيؤجل تغييره، فهؤلاء المشركون كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه ومن أنزله ومن جاء به، فنزلت الآية في عدم الجهر بالقرآن.

وقد ذكر ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ أربع مراتب لتغيير المنكر في «إعلام الموقعين» (3/12فقال: فَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ؛ الْأُولَى: أَنْ يَزُولَ وَيَخْلُفَهُ ضِدُّهُ، الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقِلَّ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ بِجُمْلَتِهِ، الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ، الرَّابِعَةُ: أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ؛ فَالدَّرَجَتَانِ الْأُولَيَانِ مَشْرُوعَتَانِ، وَالثَّالِثَةُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَالرَّابِعَةُ مُحَرَّمَةٌ.

وقوله: ﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أي: قراءة وسطًا.

والشاهد من هذه الترجمة: إضافة الفعل والقول إلى ابن آدم، وفعله مخلوق، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96)﴾[الصافات]،  وقال الإمام البخاري رَحِمَهُ اللهُ لما سئل: هل لفظي بالقرآن مخلوق؟ فقال: أفعالنا وأقوالنا مخلوقة لله، وألَّف في ذلك خلق أفعال العباد، ولكنه لما قال: أفعالنا وأقوالنا مخلوقة لله، أشيع أنه يقول: القرآن مخلوق، وهو بريء من ذلك.

وما يتعلق بمسألة: هل يقال: لفظي بالقرآن مخلوق أو ليس بمخلوق؟

هذا لفظ مبتدَع فيترك، وخاصة وأنه قد يحمل معنى صحيحًا، وقد يحمل معنى باطلًا، قد يكون «لفظي بالقرآن مخلوق» يقصد قوله لا يقصد المتلفَّظ به، فيكون معناه صحيحًا. وقد يكون «لفظي بالقرآن مخلوق» يراد به المتلفَّظ به، وهو: القرآن، وهذا باطل؛ ولهذا الشيخ بكر أبو زيد في «معجم المناهي اللفظية» قال: واجتناب هذا أولى، والذي استقر عليه مذهب أهل السنة: أن الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري، وأنه لا يجمل بالمسلم استعمال الألفاظ الموهمة، والعبارات المحتملة. والله أعلم.


(115)الإجابةُ عن الأسئلةِ

 

تسأل إحدى أخواتي في الله عما يلي:

قالَ الإمامُ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ: الوَقارُ في النُّزْهَةِ سُخْفٌ. (مناقب الشافعي 2/212)

يعني: إذا كنت في رحلة أو نحوها فانبسط واضحك وامزح واترك عنك ثقالة الدم والتعقل الذي يقتل اللقاءات.

هل هذا صحيح؟

الجواب: الأثر أخرجه البيهقي في «مناقب الشافعي»، وسنده ضعيف جدًّا؛ فيه أبو عبد الرحمن السلمي شيخ البيهقي، وهو: صوفي تالف.

ولكل مقامٍ مقال؛ روى الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (2750) عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

فلا بأس باستجمام النفس أحيانًا للمصلحة، وبما لا مضيعة فيه.

روى ابن أبي شيبة في «المصنف» (7/ 177)عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ قَالَ: رَوِّحُوا الْقُلُوبَ تَعِي الذِّكْرَ. والأثر صحيح.

وكان والدي الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله ربَّمَا يخرج بعد درس العصر برفقتِه وضيوفه إذا كان لديهم استفسارات، فيذهبون مشيًا على أقدامهم إلى ما يُسمَّى بالوادي عندنا أو الصحراء، أو يمشون بين المزارع؛ رياضَةً للبدن، وترفيهًا للنفس، وقد يذهبون في السيارة ويستصحبون معهم العصير، ثم يجلسون وتُطرح الأسئلة عليه، وفي أثناء الطريق كان يذاكر مَنْ معه.

وهذه طريقة والدي رحمه الله الحرص على مذاكرة العلم، وإشغال اللقاء والجلوس بالعلم وتقديم النصح، حتى على مائدة الطعام يسأل، وإذا قُدِّم له سؤال يجيب عنه.

أولَئِكَ آبائي فَجِئني بِمِثلِهِم...إِذا جَمَعَتنا يا جَريرُ المَجامِعُ

أما تلكَ العبارة: واضحك وامزح .. فهذه العبارة فيها إجمال.

فالضحك يكون في حدوده ومن غير إكثارٍ منه، روى البخاري في «الأدب المفرد» (253) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُكْثِروا الضَّحِكَ فَإن كَثْرَة الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ».

والمزاح كذلك يكون في حدوده وشروطه.

 قال الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (1/ 156): إِنَّمَا يُسْتَجَازُ مِنَ الْمِزَاحِ يَسِيرُهُ وَنَادِرُهُ وَطَرِيفُهُ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْأَدَبِ وَطَرِيقَةِ الْعِلْمِ.

 فَأَمَّا مُتَّصِلُهُ وَفَاحِشُهُ وَسَخِيفُهُ، وَمَا أَوْغَرَ مِنْهُ الصُّدُورَ وَجَلَبَ الشَّرَّ، فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ، وَكَثْرَةُ الْمِزَاحِ وَالضَّحِكِ يَضَعُ مِنَ الْقَدْرِ، وُيُزِيلُ الْمُرُوءَةَ.

 

 

الأحد، 23 أكتوبر 2022

(46) اللغة العربية

تضمين الفعل معنى فعل آخر

شَرِبنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَت ۞۞۞ مَتَى لُجَجٍ خُضرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ

«شربن بماء» الباء عند بعضهم في هذا الموضع تبعيضية بمعنى مِن.

 ومنهم من قال: ليست تبعيضية، وأن «شرب» ضُمِّن معنى فعل آخر يناسب حرف الجر الباء، بمعنى «يروى»، ومنه قوله تعالى: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) [الإنسان: 6]. أي: يروى.

 فيكون قوله: ﴿ يَشْرَبُ بِهَا أي: منها. وقول الشاعر: «شربن بماء البحر» أي: من ماء البحر.

 ينظر: «مغني اللبيب»(142و«الجنى الداني في حروف المعاني»(43و«توضيح المقاصد» (2/758).

وابن القيم ينصر القول الثاني، وينكر تناوب الحروف ويجعل هذا من باب التضمين، وعزاه إلى فقهاء العربية، ونذكر نص كلامه رَحِمَهُ الله للفائدة:

قال في «بدائع الفوائد»(2/21): وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر. وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره، فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال، فيشرِّبون الفعل المتعدي به معناه، هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى، وطريقة حذاق أصحابه، يضمِّنون الفعل معنى الفعل، لا يقيمون الحرف مقام الحرف.

 وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار، تستدعي فطنة ولطافة في الذهن، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾[الإنسان:6فإنهم يضمِّنون يشرب معنى يروي، فيعدونه بالباء التي تطلبها، فيكون في ذلك دليل على الفعلين: أحدهما: بالتصريح به، والثاني: بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه، مع غاية الاختصار. وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها، ومنه قوله في السحاب. ثم ذكر هذا البيت.

 قال: وهذا أحسن من أن يقال: يشرب منها؛ فإنه لا دلالة فيه على الري، وأن يقال: يروى بها؛ لأنه لا يدل على الشرب بصريحه، بل باللزوم، فإذا قال: يشرب بها دل على الشرب بصريحه وعلى الري، بخلاف الباء، فتأمله، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ﴾ [الحج:25 وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء، ولكن ضمِّن معنى يهمُّ فيه بكذا، وهو أبلغ من الإرادة، فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة. اهـ المراد.