وقوله (مايعرفهن أحد من الغلس )أي أنهن لايعرفن أرجال أم نساء.
قال المؤلف المقدسي رحمه الله
عن جابر بن عبدالله
رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه
وسلم يصلي الظهر: بالهاجرة والعصر: والشمس نقية والمغرب: إذا وجبت ،
والعشاء أحيانا وأحيانا إذا رآهم اجتمعوا :عجَّل وإذا رآهم أبطؤوا أخَّر والصبح: كان
النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بالغلس.)
الشرح
جابر بن عبدالله صحابي
ابن صحابي .
وجابر بن عبد الله بن
عمرو بن حرام والده أفضل منه
قال النبي صلى الله
عليه وسلم لجابر:(مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ،
وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا) أخرجه الترمذي في سننه (3010) وهو حديث
حسن .
(كفاحاً )أي
مُواجَهةً لَيْسَ بَيْنَهُمَا حِجابٌ وَلَا رَسُولٌ كما في النهاية.
وجابر بن عبدالله تزوج بعد وفاة أبيه بامرأة
ثيب فعلم النبي صلى الله عليه وسلم
فقال:( هلا تزوجت بكراً
تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك قال يارسول إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ
أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ
عَلَيْهِنَّ).
وفي رواية قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ فَكَرِهْتُ أَنْ
أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ، فَلاَ تُؤَدِّبُهُنَّ، وَلاَ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ،
فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ .
فآثر مصلحة أخواته على
مصلحة نفسه رضي الله عنه.
(الهاجرة والهجير)/نصف النهاروقت اشتداد الحرعقب
زوال الشمس .
زوال الشمس/ميل الشمس
عن كبد السماء إلى جهة الغروب .
-(والشمس نقية) قال
ابن الجوزي (3/12)أي لم يتغير لونها فإنه كل ما قرُب المساء ضعف نورها وتغير .
(والمغرب إذا وجبت) أي سقطت الشمس ومنه قوله تعالى
فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَاَ} [الحج : 36]
أي سقطت .
قال النووي رحمه الله
في شرح صحيح مسلم : حُذِفَ ذكرُ الشمس للعلم بها كقوله تعالى { حَتَّىٰ
تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص : 32].
(والعشاء أحيانا وأحيانا)
يفسره ما بعده (إذا رآهم اجتمعوا :عجل وإذا رآهم أبطؤوا أخر) .
من فوائد الحديث
1- المبادرة بصلاة
الظهرفي أول وقتها .
أول وقت صلاة الظهر
أول وقت صلاة الظهر
زوال الشمس كما في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمروعن النبي صلى الله عليه وسلم «وَقْتُ
الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ
يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ
صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ
إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ
الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ
عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ».
قال ابن المنذر رحمه الله في الإجماع 18: وأجمعوا
على أن وقت الظهر: زوال الشمس اهـ
2- المبادرة بصلاة العصر
.
وفي صحيح البخاري (522)
وصحيح مسلم (611)عن عائشة «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ» .
قال ابن عبدالبر في
التمهيد (8/96)الْحُجْرَةُ الدَّارُ ، وكل
ما أحاط به حائط فَهُوَ حُجْرَةٌ .
وَأَصْلُ
الْحُجْرَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحْجِيرِ تَقُولُ :حَجَرْتُ عَلَى نَفْسِي إِذَا
أَحَطْتَ عَلَيْهَا بحائط .
وَفِي هَذَا
الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى قِصَرِ بُنْيَانِهِمْ وَاخْتِصَارِهِمْ فِيهِ لِأَنَّ
الْحَدِيثَ إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ
مَعَ قِصَرِ الحيطان .
أول وقت صلاة العصر
أول وقت العصر مصير
ظل الشئ مثله سوى فَئ الزوال .
لما رواه النسائي
في سننه (504) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «صَلِّ مَعِي» .
فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ
كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ
حِينَ غَابَ الشَّفَقُ..والحديث حسن .
وهذا ما عليه
جمهورالعلماء أن وقت العصر يدخل بمصير ظل الشئ مثله سوى فئ الزوال
وَقَالَ أَبُو
حَنِيفَةَ: لَا يَدْخُلُ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ .
وهذا قريب من
اصفرار الشمس .
وحديث جابر وما في
معناه دليل للجمهور .
قال ابن عبدالبر في
التمهيد (3/280) :قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى
يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فَخَالَفَ الْآثَارَ وَجَمَاعَةَ
الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اهـ المراد.
ليس هناك اشتراك
بين آخروقت الظهروأول وقت العصر
لقول النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم (وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ
الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ) .
دل الحديث أنه إذا
دخل وقت العصر لم يبقَ شيء من وقت الظهر.
أما ما جاء في حديث جابر عند النسائي بالرقم المذكور
سابقاً وفيه قَالَ: ثُمَّ صَلَّى
الظُّهْرَ –أي من الغد-حِينَ كَانَ فَيْءُ الْإِنْسَانِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ
حِينَ كَانَ فَيْءُ الْإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ كَانَ قُبَيْلَ
غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ. الحديث .
وأخرجه أحمد (22/408)وفيه أن جبريل هو الذي أمَّ
بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلمه مواقيت الصلاة.
فاستدل به مَالِكٌ
وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أنه إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ
دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَلَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الظُّهْرِ بَلْ يَبْقَى بَعْدَ
ذَلِكَ قَدْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ صَالِحٌ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَدَاءٌ .
وقد ذكر النووي في
شرح صحيح مسلم أنه أجاب عنه الشافعي وَالْأَكْثَرُونَ :بِأَنَّ مَعْنَاهُ فَرَغَ
مِنَ الظُّهْرِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَشَرَعَ فِي الْعَصْرِ
فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَلَا
اشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا فَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيِّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ
الْأَحَادِيثِ وَأَنَّهُ إِذَا حُمِلَ عَلَى الِاشْتِرَاكِ يَكُونُ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ
مَجْهُولًا لِأَنَّهُ إِذَا ابْتَدَأَ بِهَا حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ
مِثْلَهُ لَمْ يَعْلَمْ مَتَى فَرَغَ مِنْهَا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ آخِرَ وَقْتِ
الظُّهْرِ مَجْهُولًا وَلَا يَحْصُلُ بَيَانُ حُدُودِ الْأَوْقَاتِ وَإِذَا حُمِلَ
عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهُ حَصَلَ مَعْرِفَةُ آخِرِ الْوَقْتِ وَانْتَظَمَتِ
الْأَحَادِيثُ عَلَى اتِّفَاقٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
صلاة العصر لها
وقتان :
اختياري :من أول وقت العصر ما لم تصفر الشمس .
اضطراري :وهو من
وقت اصفرار الشمس إلى غروبها .
وهذا ﻷصحاب الضرورات كالحائض إذا طهرت والنفاس وما
أشبه ذلك .
قال ابن القاسم في
حاشية الروض المربع (1/472) وسمي بالضرورة لأنه مختص بأرباب الضرورات من غفلة أو
نوم أو إغماء أو جنون أو حيض ونحو ذلك.
ولا تُؤخر صلاة
العصرعمداً لوقت الاضطرار لهذا الحديث (مالم تصفر الشمس) ولما رواه الإمام مسلم عن
أنس بن مالك سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:
«تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ
بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللهَ
فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» .
ولكنه لوصلاها بعد اصفرار
الشمس فإنها تجزئه لحديث أبي هريرة المتفق
عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد
أدرك العصر). ولما في صحيح مسلم (681)عن أبي قتادة وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال (أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِيَّ
النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ
حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى).
3- المبادرة بصلاة
المغرب حين غروب الشمس.
وقت صلاة المغرب
وأول وقت المغرب غروب
الشمس وهذا عليه إجماع العلماء نقل الإجماعَ ابن عبد البر في التمهيد(8/79)والبغوي
في شرح السنة (2/186) وغيرُهما من العلماء .
أما الروافض فعندهم
أول وقت المغرب طلوع النجوم وهذا من مشابهتهم لليهود.
وقد جاء في صحيح مسلم
(830) عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ، فَقَالَ: «إِنَّ
هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ
حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا
حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ». وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ.
وقد اختلف العلماء في
المراد بقوله (حتى يطلع الشاهد)على أقوال:
منها :أن (الشاهد النجم) إنما أراد أن النهي
يزول بغروب الشمس، وإنما علقه بطلوع الشاهد لأنه مظنة له، والحكم يتعلق بالغروب
نفسه.
ومنها: أنه نجم خفي
يراه حديدُ البصر بمجرد غروب الشمس فرؤيته علامة لغروبها اهـ
وثمة بعض الأقوال
الأخرى يراجع فتح الباري لابن رجب (4/355) .
من علامات الغروب
يتحقق الغروب بطلوع ظلام الليل من جهة المشرق وإدبار
النهار من جهة المغرب كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم(إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشس فقد أفطر الصائم)
.
للمغرب وقتان
لأن وقت المغرب يمتد
إلى دخول العشاء لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ
مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ ).
قال ابن القاسم في
حاشية الروض المربع (1/473) :فلها وقتان وقت اختيار، وهو إلى ظهور الأنجم، ووقت
كراهة، وهو ما بعده إلى مغيب الحمرة اهـ
قال ابن عبد البرفي
التمهيد (8/79):الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ
عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ وَبِهَذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ إِلَّا
أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُوَطَّأِ فَإِذَا غَابَ
الشَّفَقُ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ .
ثم ذكر ابن عبدالبر
أن قول مالك في الموطأ قَالَ به أَبُو
حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَحْمَدُ
وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وداود والطبري.
وهؤلاء جَعَلُوا لِلْمَغْرِبِ وَقْتَيْنِ
كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ .
وكان من أدلة هذا
القول حديث عبدالله بن عمرو بن العاص المتقدم في الشرح (وَوَقْتُ صَلَاةِ
الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ).
وما رواه مسلم (614)
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، أَنَّهُ " أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ
الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ
انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ
أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ، حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ
قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُ
فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ
بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ
حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ
مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أَوْ كَادَتْ، ثُمَّ أَخَّرَ
الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ
أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدِ
احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ
الشَّفَقِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ،
ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ، فَقَالَ: الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ " .
ففي الليلة الأولى
صلى بهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المغرب( حين وقعت الشمس) أي غربت ، وفي
الليلة الثانية( أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ)مما
يدل أن للمغرب وقتين.
ولما رواه الإمام
مسلم(557) عن أنس بن مالك ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِهِ
قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ».
وما رواه مسلم (560)عن
عائشة سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا
صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» .
قالوا: وقد قرأ
فيها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالطور، والصافات، والأعراف.
وَهَذَا كُلُّهُ
دَلَّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ لَهُ سَعَةٌ وَأَوَّلُ وَآخِرُ.
وَقَالَ
الشَّافِعِيُّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَمْدُودٌ
إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ.
وَالْآخَرُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّ
وَقْتَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ لَا وَقْتَ لَهَا إِلَّا حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ قَالَ
وَذَلِكَ بُيِّنَ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ أنه (صلى المغرب حين غربت الشمس ).
قال ابن عبدالبر في
التمهيد (8/84) الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ
الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ –أي أنه حين تغرب الشمس –
قال : وَالْحُجَّةُ لَهُمْ كُلُّ حَدِيثٍ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي
إِمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَى تَوَاتُرِهَا لَمْ تَخْتَلِفْ فِي أَنَّ لِلْمَغْرِبِ
وَقْتًا وَاحِدًا اهـ المراد.
وتحصَّل لنا اختلاف
العلماء على قولين في آخِرِ وَقْتِ المغرب .
منهم من يقول: وقت
المغرب موسع إذ هو يمتد إلى غياب الشفق .
وعرفنا أدلةهذا
القول .
ومنهم من يقول: أن
وقت المغرب بعدغروب الشمس فلا تؤخَّر .
ومن قال بهذا فقد
أخذ بطرف من الأدلة وهو صلاة النبي صلى الله عليه وسلم المغرب حين غربت الشمس.
وهذا من حيث الجواز
وقد قال الترمذي في سننه(164) عقب حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ،
قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي
المَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالحِجَابِ» قال وهوقول
أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ،أنهم اخْتَارُوا تَعْجِيلَ
صَلَاةِ المَغْرِبِ، وَكَرِهُوا تَأْخِيرَهَا .
فتبين أن أكثر العلماء
على كراهة تأخيرصلاة المغرب عن أول وقتها .
4-مراعاة أحوال
المصلين في صلاة العشاء فإذا كانوا يجتمعون في أول وقت العشاء يعجل بصلاة العشاء وإن
كانوا يتأخرون فيؤخرها.
قال ابن قدامة رحمه
الله في المغني مسألة(539): وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا لِلْمُنْفَرِدِ
وَالْجَمَاعَةُ رَاضِينَ بِالتَّأْخِيرِ؛ فَأَمَّا مَعَ الْمَشَقَّةِ عَلَى
الْمَأْمُومِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ فَلَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ يُكْرَهُ. نَصَّ
عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ .
هذا بالنسبة لأفضل
وقت العشاء .
وسيأتي إن شاء الله
مزيد لذلك في بعض الدروس القادمة .
(أول وقت العشاء )
أول وقت العشاء هو غياب
الشفق كما في صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وفيه (وقت
المغرب مالم يغب الشفق).
وقد أجمع العلماء على
هذا .
قال ابن بطال في شرح
صحيح البخاري (2/1902،90)وقد أجمع العلماء أن وقت العشاء اﻵخرة مغيب الشفق اهـ .
المراد بالشفق
واختلفوا في الشفق هل
المراد به الحمرة أوالبياض ؟.
منهم من ذهب إلى
أنه الحمرة وهذا ذهب إليه جمهور العلماء .
وذهب أبوحنيفة
وآخرون إلى أنه البياض الَّذِي يكون عَقِيبَ الْحُمْرَةِ .
قال النووي في
المجموع (3/43):وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ
الْعَرَبِ أَنَّ الشَّفَقَ الْحُمْرَةُ وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي شِعْرِهِمْ
وَنَثْرِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا نَقْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ قَالَ
الْأَزْهَرِيُّ الشَّفَقُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْحُمْرَةُ الخ الأقوال التي ذكرها عن
أئمة اللغة في إثبات أن الشفق الحمرة اهـ .
والبياض يكون بعد
الحمرة قال ابن القاسم في حاشية الروض(1/475) وأول وقتها مغيب الشفق، وهو الحمرة
حكاه غير واحد، والأحاديث متضافرة على ذلك، ولا يلتفت إلى البياض بعدها، كما لا
يلتفت في الصوم إلى البياض الذي قبل الفجراهـ.
والشفق هو المقسَم به
في قوله تعالى {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} [الانشقاق : 16].
للعشاء وقتان
-الوقت الأول
:اختياري من غيبوبة الشفق إلى نصف الليل الأوسط لحديث عبدالله بن عمرو (وَوَقْتُ
صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ).
وجاء في صحيح البخاري (864)عن عائشة الحديث وفي
آخره( وَكَانُوا يُصَلُّونَ العَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ
إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ ).
وتقدم أيضاً في
الشرح حديث أبي موسى (ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ
الْأَوَّلُ).
ولا منافاة بينهما
فالأقل وهو الثلث يندرج تحت اﻷكثر وهو النصف .
وَبه قال
الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ:أنه
يَمْتَدُّ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ كما في شرح السنة للبغوي (2/187).
-الوقت الثاني
:اضطراري من حين ينتهي الوقت الاختياري وهو نصف الليل إلى طلوع الفجر.
والدليل (أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِيَّ النَّوْمِ
تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى
يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى) وتقدم في الشرح.
5-المبادرة بصلاة الفجر .
وقد تقدمت المسألة
في حديث عائشة عند المؤلف قبل هذا الحديث .
أول وقت صلاة الفجر
أول وقت صلاة الفجر
طلوع الفجر وعلى هذا إجماع العلماء .
قال ابن عبد البر في
التمهيد (8/94)أجمعوا أن أول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر وانصداعه .
والمراد الفجر الصادق
ﻷن :
الفجر فجران.
-فجر صادق وهو الضوء
الذي ينتشر في اﻷفُق .
-فجر كاذب وهو الضوء
الذي يكون مستطيلا ممتداً إلى جهة السماء .
هذا فجر كاذب ويعقبه
ظلام .
الفجر الصادق الضوء
فيه منتشر مستطير بالراء من الجنوب إلى الشمال .
الفجر الكاذب الضوء
فيه مستطيل من المشرق إلى المغرب .
قال ابن القاسم
رحمه الله في حاشية الروض المربع : ولدقَّته يقال له ذَنَبُ السرحان، وهو المستطيل
من المشرق إلى المغرب، يسمى كاذبا، لأنه يقل ويتلاشى، أو لأنه يغر من لا يعرفه .
آخر وقت الفجر
آخر وقت الفجرطلوع الشمس
لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ووقت الفجر مالم تطلع الشمس) .
قال البغوي في شرح
السنة (2/187): وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ
الأَكْثَرِينَ .وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ
الشَّافِعِيُّ: آخِرُ وَقْتِهَا الإِسْفَارُ لِمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، وَفِي حَقِّ
الْمَعْذُورِ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ اهـ.
للفجر وقتان
للفجر وقتان
اختياري واضطراري قال ابن القاسم في حاشية الروض المربع (1/478)قال الوزير وغيره،
أجمعوا على أن أول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر الثاني.
وآخر وقتها المختار إلى أن يسفر، ووقت الضرورة
إلى أن تطلع الشمس اهـ
هذا وحديث جابرعند
المؤلف دليل على أن اﻷفضل أن تصلى الصلوات في أول وقتها.
إلا صلاة العشاء المستحب تأخيرها إلا في حالة اجتماع
المصلين فتصلى في أول الوقت .
وهكذا صلاة الظهر عند اشتداد الحر يستحب تأخيرها لحديث أبي هريرة (إذا اشتد الحر فأبردوا
بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ).
قال البغوي في شرح السنة (2/190) :أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ
مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ، عَلَى «أَنَّ تَعْجِيلَ
الصَّلَوَاتِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ، إِلا الْعِشَاءَ، وَالظُّهْرَ فِي
شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِنَّهُ يُبَرِّدُ بِهَا» ، وَإِنَّمَا صَارُوا إِلَى
التَّعْجِيلِ فِي الصَّلَوَاتِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {حَافِظُوا
عَلَى الصَّلَوَاتِ} [الْبَقَرَة: 238] وَالْمُحَافَظَةُ فِي التَّعْجِيلِ
لِيَأْمَنَ مِنَ الْفَوْتِ بِالنِّسْيَانِ وَالشُّغْلِ.
الحاصل في أوقات
الصلوات الخمس
1- وقت صلاة الظهر زوال
الشمس إلى مصير ظل كل شيء مثله سوى فئ الزوال.
2- وقت صلاة العصر إذا
كان ظل كل شي مثله ما لم تصفر الشمس ويمتد الوقت الاضطراري إلى غروب الشمس.
3- وقت صلاة المغرب
غروب الشمس إلى مغيب الشفق.
4- وقت صلاة العشاء
من مغيب الشفق إلى نصف الليل ويمتد الوقت الاضطراري إلى طلوع الفجر الصادق.
5- وقت صلاة الصبح طلوع
الفجر الصادق إلى طلوع الشمس.
إلى هنا نتوقف .
قال عبد الغني بن عبدالواحد
المقدسي رحمه الله .
عَنْ أَبِي
الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ قَالَ: (دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي
بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ , فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله
عليه وسلم - يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ -
الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى - حِينَ
تَدْحَضُ الشَّمْسُ , وَيُصَلِّي الْعَصْرَ , ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى
رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي
الْمَغْرِبِ. وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي
تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ. وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا , وَالْحَدِيثُ
بَعْدَهَا. وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلَ
جَلِيسَهُ. وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ) .
[الشرح]
-قوله(كان يصلي الهجير)
يعني يصلي الظهر
-قوله (التي تدعونها
اﻷولى) أي تسمونها
قال ابن دقيق العيد
في شرح العمدة إنما قيل لصلاة الظهر اﻷولى ﻷنها أول صلاة أقامها جبريل للنبي صلى الله
عليه وسلم على ما جاء في حديث إمامة جبريل عليه السلام .
فتبين لنا بالصلاة اﻷولى
لما نزل جبريل يعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس بدأ بصلاة الظهر.
-قوله(حين تدحض)
أي تزول .
(والشمس حية)قال
ابن الأثير في النهاية : أَيْ صَافِيَةُ اللَّوْنِ لَمْ يَدْخُلْهَا
التَّغَيُّرُ بدُنوّ الْمَغِيبِ؛ كَأَنَّهُ جَعَلَ مَغِيبَهَا لَهَا مَوْتاً،
وَأَرَادَ تَقْدِيمَ وَقْتِهَا.
(رحْله)
أي /مسكنه .
(العتمة)
العتمة/ سماها الله
في كتابه وقال:{وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} [النور : 58]
سماها العشاء .
وينبغي أن نحافظ على ألفاظ القرآن والسنة .
أخرج مسلم (644)
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ
الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعْتِمُ
بِحِلَابِ الْإِبِلِ » .
ويُشكِل في هذا ما أخرج
البخاري (615) ومسلم (437)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الحديث وفيه ( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ
وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) .
قال ابن القيم رحمه
الله في زاد المعاد(2/320) لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَإِنَّهُ
لَمْ يَنْهَ عَنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْعَتَمَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا نَهَى
عَنْ أَنْ يُهْجَرَ اسْمُ الْعِشَاءِ، وَهُوَ الِاسْمُ الَّذِي سَمَّاهَا اللَّهُ
بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَيَغْلِبَ عَلَيْهَا اسْمُ الْعَتَمَةِ، فَإِذَا سُمِّيَتِ
الْعِشَاءَ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا أَحْيَانًا الْعَتَمَةُ، فَلَا بَأْسَ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَهَذَا
مُحَافَظَةً مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَسْمَاءِ الَّتِي
سَمَّى اللَّهُ بِهَا الْعِبَادَاتِ، فَلَا تُهْجَرُ وَيُؤْثَرُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا،
كَمَا فَعَلَهُ
الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هِجْرَانِ أَلْفَاظِ النُّصُوصِ، وَإِيثَارِ
الْمُصْطَلَحَاتِ الْحَادِثَةِ عَلَيْهَا، وَنَشَأَ بِسَبَبِ هَذَا مِنَ الْجَهْلِ
وَالْفَسَادِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ اهـ
فتبين من كلام ابن
القيم أن المنهي عنه أن يغلب على العشاء التسمية (بالعتمة)أماأحيانا نادراً فلا بأس.
(وكان ينفتل من صلاة
الغداة)
ينفتل/ينصرف .
صلاة الغداة /الصبح
.
من فوائد الحديث
1- بيان لقاءات السلف وأنها لقاءات علم ،لقاءات
مذاكرة، لقاءات استفادة، لقاءات أُخروية ،فلم تكن لقاءاتُهم لقاءات تنزُّه ولعب وضحك وضياع ولقائات
دنيوية .
2-قال ابن رجب في "فتح الباري "(4/256)
في هذه الرواية: أن لصلاة الظهر اسمين آخرين:
أحدهما: الهجير؛
لأنها تصلى بالهاجرة.
والثاني: الأولى
.
3- دخول وقت الظهر بالزوال.
4- المبادرة بصلاة الظهر .
وهذا هوالذي ينبغي أن
تُصلى الصلوات الخمس في أول وقتها إلا مااستثناه الدليل.
وقد تقدم ذلك.
فينبغي نحرص على هذا ولانتشاغل بأمور الدنيا أو نتشاغل
بالمفضول وندع اﻷفضل .
مثلا إذا كان إحدانا
تبحث وسمعت اﻷذان لو استمرت نصف ساعة مثلا يكون هذا من التشاغل بالمفضول عن اﻷفضل .
وقد ذكر ابن القيم في
بدائع الفوائد تدرج مراحل الشيطان وأنه إذا لم يستطع له قد يشغله بالمفضول عن اﻷفضل
نعوذ بالله رضي الشيطان بالمفضول ما استطاع
أن يوقعه في الشرك ولا في الكبائر ولا في البدعة ولا في كذا كذا يأتي له من طريق أخرى
وهو التشاغل بالمفضول عن اﻷفضل وقد لايدري أحدنا أن هذا من عداوة الشيطان نسأل الله
اللطف .
وهذا نص كلام ابن
القيم في بدائع الفوائد(2/261) نذكره محافظة على لفظ كلام ابن القيم رحمه الله
والاستفادة منه .
يقول في سياق
عداوة الشيطان وأنه إذا لم يقدر للعبد نقله
إلى مرحلة أخرى يقول رحمه الله :
المرتبة
السادسة: وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته
ثواب العمل الفاضل فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له إذا تضمن ترك
ما هو أفضل وأعلى منه .
وقلَّ من يتنبه
لهذا من الناس فإنه إذا رأى فيه داعيا قويا ومحركا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه
طاعة وقربة فإنه لا يكاد يقول إن هذا الداعي من الشيطان فإن الشيطان لا يأمر بخير
ويرى أن هذا خير فيقول هذا الداعي من الله وهو معذور ولم يصل علمه إلى أن الشيطان
يأمر بسبعين بابا من أبواب الخير إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر وإما ليفوت
بها خيرا أعظم من تلك السبعين بابا وأجل وأفضل وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور
من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم
وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمِّها
نصيحة لله تعالى ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم ولا يعرف هذا
إلا من كان من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونوَّابه في الأمة وخلفائه في الأرض
وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك فلا يخطر بقلوبهم والله تعالى يمن بفضله على من يشاء
من عباده اهـ
نسأل الله التوفيق وأن
يجعلنا من المسابقين للخير .
5- استحباب تأخير العشاء قليلاً عن أول وقته .
6-كراهية النوم قبل صلاة العشاء ﻷن هذا قد يؤدي
إلى تأخيرصلاة العشاء الاختياري وقد يفوِّت صلاة العشاء في جماعة على الرجل .هكذا ذكر
أهل العلم .
7- كراهة الحديث بعد صلاة العشاء .
وهذا إذا كان لغير فائدة
أو يفوِّت قيام الليل أو تفوت صلاة الفجرفي جماعةللرجل أو يفوت استغلال بكوراليوم
ونحو ذلك .
وهذا من الآداب فالذين
يسمرون على الملاهي وعلى الضياع سمرُهم مذموم قال الله سبحانه في ذم كفار قريش.
{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ
سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون : 67]
وهكذا السمر في القيل
والقال وما ليس فيه مصلحة ولا فائدة .
أما السمر في العلم
وفي الخير وفي محادثة الضيف وإدخال السرور على اﻷهل واﻷولاد فلا محذور فيه ولكن لا
يضيع الفضائل والمستحبات الأخرى كقيام آخر الليل وبكور اليوم وما أشبهه ..
وقد بوب الإمام البخاري
لهذه المسألة في كتاب العلم (باب السمر في العلم)
فقوله (والحديث بعدها
)
هذا ليس على إطلاقه
.
8-- دليل على التعجيل بصلاة الفجر في أول وقتها
خلافاً للحنفية .
9- التطويل في صلاة الفجر لأنه أحيانا كان صلى
الله عليه وسلم يقرأ بستين آية وأحيانا تبلغ مائة آية .
والله أعلم .
قال الإمام الحافظ عبدالغني
بن عبدالواحد المقدسي
عَنْ عَلِيٍّ -
رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يَوْمَ
الْخَنْدَقِ: (مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا , كَمَا شَغَلُونَا
عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ) .
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (شَغَلُونَا عَنْ
الصَّلاةِ الْوُسْطَى - صَلاةِ الْعَصْرِ - ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ) .
[الشرح]
قوله (يوم الخندق) وقعة
الخندق في السنة الرابعة والدليل ما رواه البخاري(2664 ) ومسلم (1868)عن
ابن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ
سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ
خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي» .
قال النووي في شرح
صحيح مسلم في شرح حديث ابن عمر : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَنْدَقَ
كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَقَالَ
جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَهَذَا
الْحَدِيثِ يَرُدُّهُ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أُحُدًا كَانَتْ سَنَةَ
ثَلَاثٍ فَيَكُونُ الْخَنْدَقُ سَنَةَ أَرْبَعٍ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا فِي هَذَا
الْحَدِيثِ بَعْدَهُ بِسَنَةٍ
اهـ
وخالف ابنُ القيم
في زاد المعاد (3/ 240)وقال :غزوةُ الخندق كَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ
الْهِجْرَةِ فِي شَوَّالٍ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ
أُحُدًا كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَوَاعَدَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَهُوَ سَنَةُ
أَرْبَعٍ، ثُمَّ أَخْلَفُوهُ لِأَجْلِ جَدْبِ تِلْكَ السّنَةِ، فَرَجَعُوا،
فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ خَمْسٍ جَاءُوا لِحَرْبِهِ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السِّيَرِ
وَالْمَغَازِي.
قال :وَخَالَفَهُمْ
مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ .
وَقَالَ بَلْ
كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ.
قَالَ أَبُو
مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ،
وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "
أَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ
أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْهُ، ثُمَّ عُرِضَ
عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَهُ.
قَالَ: فَصَحّ
أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَأُجِيبَ عَنْ
هَذَا بِجَوَابَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهُ لَمَّا اسْتَصْغَرَهُ عَنِ الْقِتَالِ،
وَأَجَازَهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى السِّنِّ الَّتِي رَآهُ فِيهَا مُطِيقًا،
وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَنْفِي تَجَاوُزَهَا بِسَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا.
الثَّانِي:
أَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي أَوَّلِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ،
وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي آخِرِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ اهـ.
(الوسطى) يعنى الفضلى
.
وقد نصَّ الله
عليها ﻷهمية المحافظة عليها ولفضلها فقال سبحانه {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ
الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة : 238].
وفي الصحيحين من
حديث جرير بن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ نَظَرَ إلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ
الْبَدْرِ، فَقَالَ: أَمَّا إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا
الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا
تَغْلِبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ (فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ
{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه:
130].
وروى الإمام مسلم (830)عَنْ
أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ
عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا
كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ
الشَّاهِدُ» .
ولعِظَم صلاة العصر
يقول النبي صلى الله عليه وسلم(من ترك صلاة العصر فقد حبِط عملُه ) .
من فوائدالحديث
1-أن(الصلاة الوسطى
)هي صلاة العصركما في لفظ مسلم ( شغلونا عن
الصلاة الوسطى صلاة العصر) والروايات يفسر بعضها بعضا وقدعزا الترمذي في سننه هذا القول
إلى أكثر أهل العلم .
ولايلتفت إلى اﻷقوال
الأخرى في تعيين الصلاة الوسطى ﻷنه إذا جاء
النص لايلتفت إلى غيره .
2-ظاهر هذه الرواية
أنه لايراعَى الترتيب في الصلاة الفائتة فله
أن يقدم الحاضرة على الفائتة لقوله ( ثم صلاها بين المغرب والعشاء ) أي صلى
صلاةالعصر.ولكنه في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما الآتي في آخر الباب (فَصَلَّى
الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ. ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) .
وهذا يوضِّح الرواية
اﻷخرى التي في العمدة ( ثم صلاها بين المغرب والعشاء ) .
ففيه البدء بالصلاةالفائتة
قبل الصلاة الحاضرة .
قال النووي في شرح صحيح
مسلم :وهذا مجمع عليه . لكنه عند الشافعي وطائفة من أهل العلم على الاستحباب .
ولو صلى الحاضرة ثم
الفائتة جاز .
وعند مالكٍ وأبي حنيفة
وآخرين على الإيجاب فلو قدم الحاضرة لم يصح اهـ
3-ظاهر الحديث أنه لم
يفتِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا صلاةالعصر.
وقد جاء في موطأ مالك(1/184)
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، يَوْمَ الْخَنْدَقِ
حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ» .وهذا مرسل .
وجاء أن النبي صلى الله
عليه وسلم أخَّر أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء .
أخرج الترمذي في
سننه (179)والنسائي في سننه (622) من طريق أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبيه
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحُبِسْنَا عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاء، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: نَحْنُ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَرَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا، فَأَقَامَ فَصَلَّى
بِنَا الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى بِنَا الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى
بِنَا الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى بِنَا الْعِشَاء، ثُمَّ طَافَ
عَلَيْنَا فَقَالَ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ عِصَابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ
وَجَلَّ غَيْرُكُمْ» .
وأبو عبيدة عامربن عبدالله
بن مسعود .
وهذا إسناد منقطع .
أبو عبيدة لم يسمع من أبيه فقد قال الترمذي عقبه : «حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ
لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ
عَبْدِ اللَّهِ».
وقال الشيخ
الألباني رحمه الله في إرواء الغليل (239) ضعيف .
وأخرجه النسائي (661) وأحمد في مسنده(17/293) من
طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حُبِسْنَا
يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَوَاتِ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ هَوِيًّا،
وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقِتَالِ مَا نَزَلَ، فَلَمَّا كُفِينَا
الْقِتَالَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ
اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25] " أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا فَأَقَامَ الظُّهْرَ، فَصَلَّاهَا كَمَا يُصَلِّيهَا
فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَمَا يُصَلِّيهَا فِي
وَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا كَمَا يُصَلِّيهَا فِي
وَقْتِهَا " .
ورجاله كلهم
ثقات .
وعَبْدُالرَّحْمَنِ
بْنُ أَبِي سَعِيدٍ : قال عنه الحافظ في
التقريب ثقة .
وقد ذكر الدارقطني
رحمه الله في العلل (11/300) الخلاف في إسناده ثم قال :والصحيح قول يحيى
القطان، ومن تَابَعَهُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ.
وجمع النووي رحمه الله
في شرح صحيح مسلم بين هذا الاختلاف أن وقعةَ الخندق بقيت أياما فكان هذا في بعض اﻷيام
وهذا في بعضها اهـ
4-تأخيرالنبي صلى الله
عليه وسلم صلاة العصريوم الخندق حتى غابت الشمس .
وقد كان هذا قبل شرعية
صلاة الخوف يقول الله عز وجل
{فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا
أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ
تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة : 239]
وصلاة الخوف استظهر
ابن القيم في زاد المعاد أن أول صلاة صلاها
النبي صلى الله عليه وسلم للخوف بعسفان لما روى أبوداود في سننه(1236) من طريق مُجَاهِدٍ،
عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ، وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ
الْوَلِيدِ، فَصَلَّيْنَا الظُّهْرَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ أَصَبْنَا
غِرَّةً، لَقَدْ أَصَبْنَا غَفْلَةً، لَوْ كُنَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي
الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْقَصْرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَلَمَّا
حَضَرَتِ الْعَصْرُ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، وَالْمُشْرِكُونَ أَمَامَهُ الحديث.
(فَنَزَلَتْ
آيَةُ الْقَصْرِ)أي صلاة الخوف .
5-ظاهر الرواية أنه
ما صلى إلا بعد الغروب .
وفي حديث ابن مسعود
الآتي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر حين احمرَّت الشمس أو اصفرت .
وهذا يكون قبل الغروب
وجمع ابن دقيق العيد رحمه الله في شرح العمدة بين الروايتين
وقال :قوله (حتى اصفرت) قد يتوهم مخالفة لما في الحديث
اﻷول من صلاتها بين المغرب والعشاءوليس كذلك بل الحبس انتهى إلى هذا الوقت ولم تقع الصلاة
إلا بعد المغرب وقد يكون ذلك الانشغال بأسباب الصلاة أو بغيرها .
هذا ماذكره ابن دقيق
العيد.
6-جواز الدعاء على المشركين
لقوله(ملأ الله قبورهم نارا) وأحيانا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهم حسب المصلحة
فقد روى البخاري في صحيحه(2937) ومسلم
(2524) عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمَ
طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ، عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَقِيلَ:
هَلَكَتْ دَوْسٌ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» .
وبوَّب عليه
البخاري وقال : بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالهُدَى لِيَتَأَلَّفَهُمْ
.
قال الحافظ في فتح
الباري قَوْلُهُ ( لِيَتَأَلَّفَهُمْ) مِنْ تَفَقُّهِ الْمُصَنِّفَ إِشَارَةً
مِنْهُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ تَارَةً يَدْعُو عَلَيْهِمْ وَتَارَةً يَدْعُو لَهُمْ
فَالْحَالَةُ الْأُولَى حَيْثُ تَشْتَدُّ شَوْكَتُهُمْ وَيَكْثُرُ أَذَاهُمْ كَمَا
تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا بِبَابٍ وَالْحَالَةُ
الثَّانِيَةُ حَيْثُ تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُمْ وَيُرْجَى تَأَلُّفُهُمْ كَمَا فِي
قِصَّةِ دَوْسٍ اهـ
الحديث الثاني
وَلَهُ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ -
صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْعَصْرِ , حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ أَوْ
اصْفَرَّتْ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: شَغَلُونَا عَنْ
الصَّلاةِ الْوُسْطَى - صَلاةِ الْعَصْرِ - مَلأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ
وَقُبُورَهُمْ نَاراً , أَوْ حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً) .
تقدم الكلام عليه في
الذي قبله .
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ - صلى الله
عليه وسلم - بِالْعِشَاءِ. فَخَرَجَ عُمَرُ , فَقَالَ: الصَّلاةُ , يَا رَسُولَ
اللَّهِ. رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ
يَقُولُ: لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ -
لأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلاةِ هَذِهِ السَّاعَةِ) .
[الشرح]
أعتم/أخرصلاة العشاء
عن أول وقتها.
وثبت في صحيح مسلم (638)
عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ
الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ
أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» .
وقوله(حتى ذهب عامتها)
حتى ذهب عامتها/أي كثير
منها لا أكثرها .
ﻷن وقت العشاء الاختياري
ينتهي بنصف الليل وقد نبَّه على ذلك الإمام النووي في شرح صحيح مسلم .
في هذا الحديث من الفوائد
1-استحباب تأخير صلاة
العشاء لولا المشقة على المصلين.
وتقدم من حديث جابربن عبدالله (والعشاء أحيانا وأحيانا
إذا رآهم اجتمعوا عجَّل وإذارآهم أبطؤوا أخر)
فيستحب تأخير صلاة العشاء
في حق المنفرد والمصلين في جماعة إذا كان لا يشق عليهم .
2- شفقةُ النبي صلى
الله عليه وسلم على أمته وقد وصفه الله عز وجل بقوله
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة : 128]
العنت/المشقة .
3- تنبيه المفضول للفاضل
،عمر بن الخطاب رضي الله عنه نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (الصلاة يارسول
الله رقد النساء والصبيان) وذلك لاحتمال أنه غفل أو نسي أو ليستفيد كما يقوله أهل
العلم.
4- شهود النساء والصبيان
صلاة الجماعة في المسجد .
وأما ما رواه ابن
ماجة في سننه (750) عن وَاثِلَةَ بْنِ
الْأَسْقَعِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «جَنِّبُوا
مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ، وَمَجَانِينَكُمْ » فهوحديث ضعيف جداً
فيه الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ متروك .
5-أن النوم اليسير الذي
لايكون مستغرقاً لايبطل الوضوء .
فالنوم إذا كان يسيراً
بحيث يشعر صاحبه بنفسه وبمن حوله لايكون ناقضا والدليل حديث( الباب ).
وأخرج مسلم (376)عن
أنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِي رَجُلًا فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ
أَصْحَابُهُ ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ» .
وأخرجه أبو داود في
سننه (200) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ
رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» .وسنده صحيح وأصله في
صحيح مسلم كما تقدم .
أما النوم المستغرق
الذي لايشعر صاحبه بنفسه ولا بمن حوله فهذا ناقض للوضوء .
والدليل ما أخرجه
الترمذي (96 ) من حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه ، قَالَ: «كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا
سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، إِلَّا
مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» .
يعني هذه الثلاثة اﻷمور
تبطل الوضوء وأنه إذا توضأ لا ينزع خفيه إلا من جنابة .
والمقصود في المدة المعلومة
المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها للمسافر ويوم وليلة للمقيم .
وبهذا التفصيل في حق
النائم يُجمع بين اﻷدلة وهو قول جماعة من أهل
العلم وهو ترجيح الوالد الشيخ مقبل رحمه الله .
وذكرابن رُشد في
بداية المجتهد(1/ 42)عن فقهاء الأمصاروالجمهور :أنهم فَرَّقُوا بَيْنَ
النَّوْمِ الْقَلِيلِ الْخَفِيفِ وَالْكَثِيرِ الْمُسْتَثْقِلِ، فَأَوْجَبُوا فِي
الْكَثِيرِ الْمُسْتَثْقِلِ الْوُضُوءَ دُونَ الْقَلِيلِ.
وقال ابن رُشد رحمه
الله : وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ حَمَلَ الْأَحَادِيثَ الْمُوجِبَةَ
لِلْوُضُوءِ مِنْهُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالْمُسْقِطَةَ لِلْوُضُوءِ عَلَى
الْقَلِيلِ، وَهُوَ كَمَا قُلْنَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَالْجَمْعُ أَوْلَى
مِنَ التَّرْجِيحِ مَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ اهـ.
ومنهم من قال نوم الجالس
ليس بناقض مطلقا وذكر ابن عبدالبررحمه الله
في الاستذكار(1/150) وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عُبَيْد (القاسم بن سلاَّم)أَنَّهُ
قَالَ كُنْتُ أُفْتِي أَنَّ مَنْ نَامَ جَالِسًا لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ حَتَّى
خَرَجَ إِلَى جَنْبِي يَوْمَ الْجُمْعَةِ رَجُلٌ فَنَامَ فَخَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ
فَقُلْتُ لَهُ قُمْ فَتَوَضَّأَ فَقَالَ لَمْ أَنَمْ فَقُلْتُ بَلَى وَقَدْ
خَرَجَتْ مِنْكَ رِيحٌ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَجَعْلَ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا كَانَ
ذَلِكَ مِنْهُ وَقَالَ لِي بَلْ مِنْكَ خَرَجَتْ فَتَرَكْتُ مَا كُنْتُ أَعْتَقِدُ
فِي نَوْمِ الْجَالِسِ وَرَاعَيْتُ غَلَبَةَ النَّوْمِ وَمُخَالَطَتَهُ لِلْقَلْبِ
.
ومنهم من يرى أن
النوم قليله وكثيره ناقض للوضوء لعموم حديث صفوان بن عسَّال المتقدم ولحديث أبي
هريرة المتقدم «إِذَا اسْتَيْقَظَ
أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي
وَضُوئِهِ»فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ النَّوْمَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ قَلِيلَهُ
وَكَثِيرَهُ يُراجع بداية المجتهد .
أما نوم الأنبياء
فمن خصائصهم أن النوم مطلقاً لا ينقض وضوءَهم فقد أخرج البخاري (138)عن ابن
عباس رضي الله عنهما في قيام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (ثُمَّ
صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ
المُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى
وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» .
قال الحافظ في فتح
الباري قَوْلُهُ (فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ )فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ
النَّوْمَ لَيْسَ حَدَثًا بَلْ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ فَلَوْ أَحْدَثَ
لَعَلِمَ بِذَلِكَ وَلِهَذَا كَانَ رُبَّمَا تَوَضَّأَ إِذَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ
وَرُبَّمَا لَمْ يَتَوَضَّأْ اهـ
وأخرج البخاري (1147)
ومسلم (738) عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: «مَا كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي
غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ
حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ
حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ
إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي» .
وههنا إشكال وهو ما
رواه البخاري (344 ) ومسلم (682) عن عِمْرَانَ بن حُصين رضي الله عنهما،
قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً،
وَلاَ وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا
حَرُّ الشَّمْسِ الحديث .
وقد أورد الإشكال
النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم وأجاب عنه وقال :فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ نَامَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى
طَلَعَتِ الشَّمْسُ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ
عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي .
فَجَوَابُهُ
مِنْ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا
لِأَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْحِسِّيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ
كَالْحَدَثِ وَالْأَلَمِ وَنَحْوِهُمَا وَلَا يُدْرِكُ طُلُوعَ الْفَجْرِ
وَغَيْرَهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ وَإِنَّمَا يُدْرِكُ ذَلِكَ
بِالْعَيْنِ وَالْعَيْنُ نَائِمَةٌ وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ يَقْظَانُ .
وَالثَّانِي
أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالَانِ:
أَحَدُهُمَا
يَنَامُ فِيهِ الْقَلْبُ وَصَادَفَ هَذَا الْمَوْضِعَ .
وَالثَّانِي لَا
يَنَامُ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَهَذَا التَّأْوِيلٌ ضَعِيفٌ
وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ اهـ.
فتبين أن أمر الشمس
وطلوع الفجر متعلق بالعين وأن أمر الحَدَث يتعلق بالقلب فلو أحدث لأحسَّ به .
6- ترك النبي صلى الله عليه وسلم تنشيف جسمه بعد الغسل
وقد تقدم في أبواب الطهارة حديث ميمونةرضي
الله عنها وفيه (قالت ثم أتيته بالمنديل فرده).
وعلى كُلٍ جمهورأهل العلم أن التنشيف بعد الغسل لاكراهة فيه
ﻷنه لم يثبت دليل في النهي.
7- تمني الخير وقد ذكر
البخاري في صحيحه لهذه المسألة كتاباً بعنوان
(كتاب التمني ).
والمنهي عن استعمال
(لو) ماكان يصحبه سخط وجزع وهو المقصود بما ثبت في صحيح مسلم (2664)عن أبي
هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ
الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ: احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ،
وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ
أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ
فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ.
فاستعمال( لو) لتمني
الخير وفي شي لايصحبه سخط ولاجزع هذا لاشي فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (لو
استقبلت من أمري مااستدبرت ماسقت الهدي ولتحللت وجعلتها عمرة ) متفق عليه عن عائشة
.
واستعمال لو مع جزع
وسخط هذا حرام منهي عنه وهو ينافي الصبر والصبر واجب .
نكون قرأنا ثلاثة أحاديث
.
إلى هنا والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته.
الدرس الخامس من ( باب المواقيت)
من عمدة اﻷحكام
الحديث اﻷول والثاني قال الإمام الحافظ عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي
رحمه الله
عَنْ عائِشَةَ رضي الله
عنها: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (إذَا أُقِيمَتْ
الصَّلاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ) .
وعن ابن عمر نحوه.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ: (لا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلا
وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ) .
الشرح
(إذا أقيمت الصلاة )أي صلاة الجماعة.
(وحضر العَشاء ) قال المناوي في فيض القديرفي شرح هذا الحديث :المراد
بحضوره وضعه بين يدي الآكل أو قرب حضوره لديه وقد تاقت نفسه له.
(اﻷخبثان )البول والغائط.
من الفوائد
1-أنه إذاحضر العَشاء في وقت الصلاة فيُقدَّم أكل الطعام .
ولكن لايُتخذُ هذا عادةً أن يقدَّم
الطعام في وقت الصلاة .
2- المحافظة على الخشوع فإن الخشوعَ روحُ الصلاة ولُبُّها .
الخشوع فِي اللُّغَةِ: السُّكُونُ وَالتَّوَاضُعُ وَالْخَوْفُ
وَالتَّذَلُّلُ كما في فتح القدير للشوكاني تفسير قوله تعالى { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ }.
وصلاة بلاخشوع كجسد بلاروح .
وقد أثنى الله عزوجل على الخاشعين في صلاتهم وجعله الله من أسباب دخول
الجنة ومن أسباب الفلاح قال تعالى {قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ
خَاشِعُونَ }.
ويقول تعالى{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة
: 3] .
إقامة الصلاة الإتيان بها قائمةعلى وجهها التام كماقال ابن رجب في فتح
الباري .
وإقامة الصلاة قسمان
إقامةظاهرةوذلك بإقامة أركانهاوواجباتهاومستحباتها .
وإقامة باطنة وذلك بإقامة الخشوع فيها.
والخشوع في القلب ولهذا من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم إني
أعوذ بك من علم لاينفع ومن قلب لايخشع ومن نفس لاتشبع ومن دعوة لايستجاب لها) .
وقد ينسب الخشوع إلى الجوارح كما في حديث عن علي في (مسلم)أن النبي صلى
الله عليه وسلم (كان إذا ركع قال اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري
ومخي وعظمي وعصبي ) .
وخشوع السمع بحيث يكون ساكنا مُصغيا .
وخشوع البصر بحيث لايلتفت يميناولايسارا ولايرفع بصره إلى السماء. فقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة(إنه إختلاس يختلسه الشيطان من
صلاة العبد )
ومن خشوع البصر أن ينظر موضع سجوده .
وقد تكلم أهل العلم على تغميض البصر في الصلاة وكرهه اﻷكثرون كما في فتح الباري لابن رجب .
وقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد(1/ 284)كَرِهَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالُوا: هُوَ فِعْلُ الْيَهُودِ .
وَأَبَاحَهُ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَكْرَهُوهُ، وَقَالُوا: قَدْ يَكُونُ
أَقْرَبَ إِلَى تَحْصِيلِ الْخُشُوعِ الَّذِي هُوَ رُوحُ الصَّلَاةِ وَسِرُّهَا
وَمَقْصُودُهَا.اهـ
ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك أحاديث منها :
مارواه البخاري(373) ومسلم (556)عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا
أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ:
«اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ
أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاَتِي».
وأخرج البخاري في صحيحه (374)عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، كَانَ
قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ
تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي» .
تصاويره أي نقوشه .
وأخرج البخاري(748)ومسلم (907) عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: خَسَفَتِ
الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَصَلَّى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي
مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، قَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ الجَنَّةَ،
فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا
بَقِيَتِ الدُّنْيَا» .
وهناك من فصَّل في المسألة قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (1/ 285)الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ تَفْتِيحُ الْعَيْنِ لَا يُخِلُّ بِالْخُشُوعِ،
فَهُوَ أَفَضْلُ، وَإِنْ كَانَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُشُوعِ لِمَا فِي
قِبْلَتِهِ مِنَ الزَّخْرَفَةِ وَالتَّزْوِيقِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُشَوِّشُ
عَلَيْهِ قَلْبَهُ، فَهُنَالِكَ لَا يُكْرَهُ التَّغْمِيضُ قَطْعًا اهـ
المراد.
والأدلة تفيدعدم تغميض البصرفي الصلاة حتى وإن كان يجلب الخشوع .
وعلى المصلي أن يحرص على أسباب ما يعين على الخشوع فيستحضر أنه بين يدي
ربه لأن الصلاة مناجاة لله عزوجل أخرج البخاري (413 )عن أنس بن مَالِكٍ،
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ
إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلاَ يَبْزُقَنَّ
بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ
قَدَمِهِ».
وهذا يعين على استحضارالخشوع أن يستحضر المصلي أنه بين يدي ربه .
وأن يجاهد نفسه وشيطانه حتى يتخلص
من الوساوس في الصلاة ﻷن الوساوس تذهب الخشوع .
والشيطان حريص على شغل المصلي بالوساوس حتى لايدري كم صلى أخرج الإمام
مسلم من طريق أَبِي الْعَلَاءِ، أَنَّ
عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي
وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ،
فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ
ثَلَاثًا» قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي» .
و أن ينحِّي المصلي عنه كل مايشغله
ويضعف خشوعه .
وتقدم في حكم مسألة تغميض العينين في الصلاة حديث عَائِشَةَ، أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا
أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا
بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي
جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاَتِي».
الخميصة /كساءله أعلام .
وعلى هذا ينبغي أن يكون الفرش الذي يصلى عليه المصلي خاليا من النقوش والخطوط
وهكذا السجادات ولاتوضع الساعة في الأمام من أجل لاتشغل المصلين .
وقد كان الوالد الشيخ مقبل رحمه الله يقلب السجادة التي يصلى عليها ويضع
النقوشات على اﻷرض خشية الانشغال .
ويقول رحمه الله عن قول بعضهم إنه يتعود مع اﻷيام فلاينشغل بالخطوط والنقوش
.
يقول رحمه الله إن قلوبنا ليست بأطهرمن قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقد
قال في الخميصة (إنها ألهتني آنفاً عن صلاتي).
وقال لعائشة(أميطي عني قراميطك فإنه لاتزال تصاويره تعرض لي في صلاتي.)والله
المستعان .
3-أهمية الخشوع
في الصلاة حيث قدَّم الطعام على فضيلة الصلاة في أول وقتها محافظة على الخشوع
.
والشكاوى
كثيرة من قسوة القلوب والسبب في ذلك الذنوب قال سبحانه {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ
لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ } [المائدة : 13] .
4-قوله(وحضرالعَشاء فابدؤا بالعشاء) هذا من باب التنصيص على بعض أفراد
العام كما قال الإمام الشوكاني في نيل اﻷوطار.
وحديث عائشة(لاصلاة بحضرة طعام
ولاهو يدافع اﻷخبثان)هذا عام في جميع الصلوات .
5- ظاهر الحديث العموم سواء كان محتاجاً للطعام أولا .ولكن جمهور العلماء
نظروا إلى العلة وهي الاشتياق للطعام فإذا
كان مشتاقا للطعام يقدم الطعام وإذا كان لايشتاق له فيقدم الصلاة .
وأخرج البخاري (208 )ومسلم (355) عن عمرو بن أمية
الضَمْري أَنَّهُ
رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ
شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَأَلْقَى السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ
يَتَوَضَّأْ» .
قال ابن القاسم رحمه الله في حاشية الروض المربع(2/ 358) ولعل المراد مع عدم الحاجة، جمعا بين الأخبار، ولأن العلة تشوف النفس
إلى الطعام، فينبغي أن يدور الحكم مع علته وجودا وعدما اهـ
6-ظاهر الحديث أنه يأكل حتى لو خرج وقت الصلاة وقد أخذ بظاهره الظاهرية
.
وأما جمهور العلماء فقالوا إذا كان وقت الصلاة سيخرج فيبدأ بالصلاة لأدلة
توقيت الصلاة .وحياة الصحابة رضوان الله عليهم كانت حياتهم اقتصادية ويقتصرون على اﻷكل
الخفيف القليل فليس المقصود يأكل ولو خرج الوقت .
وقد ذهب إلى ما دل عليه ظاهر الحديث الوالد الشيخ مقبل رحمه الله فقد
سألته عن هذه المسألة أثناء تدريسي في بلوغ المرام سنة 1417 فقال :الحديث على
ظاهره يأكل ولو خرج الوقت .
وإذا خالف وصلى وقد حضر الطعام ونفسه مشتاقة إليه فقال الحافظ ابن رجب
في فتح الباري (6/104)متى خالف، وصلى بحضرة طعام تتوقُ نفسه إليه فصلاته مجزئة
عند جميع العلماء المعتبرين.
7- استدل بالحديث بعضُهم على أن صلاة الجماعة غير واجبة على الرجال ﻷنه
لو كان واجبا ماجاز التخلف عن صلاة الجماعة .
ويجاب عنه أن الحديث يدل على الرخصة عن التخلف عن صلاة الجماعة إذا حضر
الطعام فليس فيه دليل على ذلك. وستأتي مسألة وجوب صلاة الجماعة على الرجال في
الباب الآتي إن شاء الله .
فلايجوز التخلف إلا لعذر شرعي مثل المرض وفي حق من أكل الثوم والبصل ومادل
عليه أيضا حديث عائشة في الباب وما أشبه ذلك والله تعالى أعلم.
الحديث الثالث والرابععَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله
عنهما قَالَ: (شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي
عُمَرُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ
الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) .
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قالَ: (لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى
تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَلا صَلاةَ بَعْدَ
الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ) .
وفي البابِ عنْ عليِّ بنِ أَبي طالبٍ، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وعبدِ
اللهِ بنِ عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، وأَبي هريرةَ،
وسَمُرَةَ بنِ جُندُبِ، وسَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ ومعاذِ بنِ
جبلٍ، ومعاذِ بنِ عفراء، وكعبِ بنِ مُرَّةَ، وأَبي أُمامةَ الباهليِّ، وعمرِو بنِ
عبسةَ السُلَميِّ، وعائشةَ رضي الله عنهم، والصَّنابحيِّ، ولم يسمعْ منَ النبيِّ -
صلى الله عليه وسلم.
[الشرح]
أبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان .
أبوأمامة الباهلي صُدي بن عجلان .
قال ابن الجوزي رحمه الله في كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/76) :شهد عِنْدِي: مَعْنَاهُ بينوا لي هَذَا وأعلموني بِهِ، وَلَيْسَ
المُرَاد بِهِ إِقَامَة الشَّهَادَة الَّتِي تكون عِنْد الْحُكَّام. وَمثل هَذَا
قَوْله تَعَالَى: {شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ} [آل عمرَان: 18] قَالَ
الزّجاج: مَعْنَاهُ: بَين.
في هذين الحديثين بيان اﻷوقات
المنهي عن الصلاة فيها .
وأخرج الإمام مسلم (831)عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ،
يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا
أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: «حِينَ
تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ
الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ
حَتَّى تَغْرُبَ» .
(قائم الظهيرة )قبل زوال الشمس بنحو ربع ساعة .
وتبين من هذه الأحاديث اﻷوقات المنهي عن الصلاة فيها .
وهي خمسة أوقات على التفصيل
-بعد صلاة الفجر-وحين تطلع الشمس حتى ترتفع -وحين يقوم قائم الظهيرة -وبعد
صلاة العصر-وحين تتضيف الشمس للغروب .
هذه خمسة أوقات .
والنهي عند جمهور العلماء للتنزيه وليس للتحريم .
وهذه اﻷوقات المنهي عن الصلاة فيها عامة مخصوصة بما جاء فيه الدليل ومن
ذلك :
- تحية المسجد إذا دخل المسجد وقت الكراهة يصلي لعموم حديث أَبِي
قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ
أَنْ يَجْلِسَ»أخرجه البخاري (444)ومسلم (714) .
-صلاة الكسوف إذا كسفت الشمس قبل المغرب يصلي ولو كان في وقت كراهة لحديث
أبي بكرة عند البخاري (1040) عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا
رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» .
-من استيقظ من نومه أو كان ناسيا فلم يذكر إلا وقت كراهة لما روى
البخاري(597)ومسلم (684)عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "
مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا
ذَلِكَ {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}.
-ومثل ركعتي الطواف تُصلَّى وقت
الكراهة لما أخرج أبوداود (1894)والترمذي(868) عَنْ جُبَيْرِ
بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا
بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ، وَصَلَّى
أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» .
- من صلى الفريضة ثم جاء المسجد وهم يصلون يستحب له أن يصلي معهم لما
روى الترمذي في سننه (219)عن يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ رضي الله عنه قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا
قَضَى صَلَاتَهُ انْحَرَفَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى القَوْمِ لَمْ
يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: «عَلَيَّ بِهِمَا» ، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ
فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا» ، فَقَالَا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ:
«فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا
مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».
هذه بعض المخصِّصَات.
ذوات اﻷسباب تُصلى ولو كان وقت كراهة الممنوع التنفل تنفلا مطلقاً من غير سبب .
أما ما رواه البخاري (935 )ومسلم
(852)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ، لاَ يُوَافِقُهَا
عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا،
إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا .
الشاهد:وهوقائم يصلي. -هل معناه أنه يتنفل في آخر ساعة من يوم الجمعة
مع أنه وقت كراهة؟ .
الْمُرَادَ (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي ) أي مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ،
وَالْمُنْتَظِرُ لِلصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ كَمَا في صحيح
البخاري(176 )عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَزَالُ العَبْدُ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَ فِي المَسْجِدِ
يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ مَا لَمْ يُحْدِثْ».
يُراجع سبل السلام شرح حديث أبي هريرة في ساعة الجمعة .
والله تعالى أعلم.
طريفة
سبب طلب الإمام ابن حزم رحمه الله للعلم
ذكر لنا الوالد الشيخ مقبل رحمه الله أن ابن حزم رحمه الله قبل أن يطلب
العلم دخل المسجد فقيل له صلِّ تحية المسجد
فقام يصلي ثم دخل مرةأخرى فقام يصلي تحية المسجد فقيل له إن هذا الوقت وقت نهي فقال
ﻷطلبن العلم .
هذا نحو ما أفادنا به الوالد رحمه الله .
وقد نقل القصةَ الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء (18/ 199)ترجمة ابن حزم
من طريق وَالِد أَبِي بَكْرٍ بنِ العَرَبِي أَخْبَرَنِي أَبُو
مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ أَن سَبَبَ تَعَلُّمه الفِقْه أَنَّهُ شَهِدَ جِنَازَة،
فَدَخَلَ المَسْجَدَ، فَجَلَسَ، وَلَمْ يَركع، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: قُمْ فَصلِّ
تحيَّة المَسْجَد.
وَكَانَ قَدْ بلغَ سِتّاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً.
قَالَ: فَقُمْتُ وَركعتُ، فَلَمَّا رَجَعنَا مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى الجِنَازَة،
دَخَلْتُ المَسْجَد، فَبَادرتُ بِالرُّكُوْع، فَقِيْلَ لِي: اجْلِسْ اجْلِسْ،
لَيْسَ ذَا وَقتَ صَلاَة - وَكَانَ بَعْد العَصْر - قَالَ: فَانْصَرَفت وَقَدْ
حَزِنْتُ ، وَقُلْتُ لِلأسْتَاذ الَّذِي
رَبَّانِي: دُلنِي عَلَى دَار الفَقِيْه أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ دحُّوْنَ.
قَالَ: فَقصدتُه، وَأَعْلَمتُه بِمَا جرَى، فَدلَّنِي عَلَى (مُوَطَّأ
مَالِكٍ) ، فَبدَأَتُ بِهِ عَلَيْهِ، وَتتَابعت قِرَاءتِي عَلَيْهِ وَعَلَى
غَيْرِهِ نَحْواً مِنْ ثَلاَثَة أَعْوَام، وَبدَأتُ بِالمنَاظرَة اهـ.
وهذاعلى القول بأن تحية المسجد لاتصلَّى في وقت كراهة .
ونستفيد أهمية العلم وأنه نور وبيان سبب طلب ابن حزم رحمه الله للعلم
.
-الحديث الخامسعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما
(أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا
غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ , وَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ , مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا. قَالَ:
فَقُمْنَا إلَى بَطْحَانَ , فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ , وَتَوَضَّأْنَا لَهَا ,
فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ. ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا
الْمَغْرِبَ) .
وهذا فيه الترتيب بين الصلوات.
وقد تقدم معنى حديث جابر في حديث علي وابن مسعود الحديث الخامس
والسادس في هذا الباب. والله أعلم.
وبهذا نكتفي.
قال الإمام الحافظ عبدالغني بن عبد الواحد المقدسي
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة).
**************************************
الفذ/الفرد .
قوله (بسبع وعشرين درجة) وفي رواية أبي هريرة الآتية (تضعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا)
ولامنافاة بين الروايتين فالعدد لامفهوم له عند جمهور اﻷصوليين.
فلاتنافي بين رواية (خمس وعشرين )و(سبع وعشرين) اﻷقل ( بخمس وعشرين )يدخلُ في اﻷكثر .
*************************************
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال:رسول الله صلى الله عليه وسلم(صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لايخرجه إلاالصلاة لم يخط خطوة إلا رُفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا صلَّى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه :اللهم صل عليه اللهم اغفر له اللهم ارحمه ولايزال في صلاة ما انتظر الصلاة) .
************************************
ش
قوله (فأحسن الوضوء) الإحسان لغة:الإتقان .
والإحسان في الوضوء أن يتوضأ كما شرع الله .
قوله (لم يخط خُطوة) قال ابن الأثير في النهاية : الْخُطْوَةُ بِالضَّمِّ: بُعْد مَا بَيْنَ القَدَمين فِي المشْي، وَبِالْفَتْحِ المَرَّةُ. وَجَمْعُ الْخُطْوَةِ فِي الكَثْرة خُطًا، وَفِي القلَّة خُطْوَات بِسُكُونِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا.
قوله (لم تزل الملائكة تصلي عليه )أي تدعو له ما دام في مصلاه.
والدعاءمفَسَّربما بعده بقوله (اللهم صل عليه اللهم اغفر له اللهم ارحمه) فهذا فيه بيان دعاء الملائكة.
وفي هذين الحديثين –حديث ابن عمروحديث أبي هريرة- من الفوائد
1-فضل صلاة الجماعة.
وهذا الفضل عام للرجال والنساء.
2-استُدل بهذين الحديثين على أن صلاة الجماعة سنة وليست بواجبة .
واختلف العلماء على أقوال في حكم صلاة الجماعة على الرجال الذين ليس لديهم عذر في التخلُّف .
-فمنهم من قال صلاة الجماعة واجبة .وهذا قول جماعة من التابعين -منهم عطاء ابن أبي رباح والحسن البصري .
وأخرج الإمام مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: « وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ» .وهذا نص من ابن مسعود على إجماع الصحابة رضوان الله عليهم في وجوب صلاة الجماعة وأن التخلف عنها من صفات المنافقين .
وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد في أشهر الرواية عنه واختاره ابن المنذر.
وعزاه ابن رجب في فتح الباري (5/ 450)إلى عامة فقهاء الحَدِيْث، منهم: ابن خزيمة وابن المنذر.
وهو قول الوالد الشيخ مقبل رحمهم الله .
ولهذا القول أدلة .
منها: قول الله تعالى {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء : 102]
فإذا كانت الجماعة واجبة وقت الخوف وقتال اﻷعداء ففي حال اﻷمن من باب أولى .
-ومنها :قوله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة : 43]
قوله {مَعَ الرَّاكِعِينَ} مع تفيد المعية أي أن صلاة الفريضةتصلى مع جماعة المصلين .
-ومنها: حديث اﻷعمى في صحيح مسلم (653) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى، دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ» .
فإذا كان اﻷعمى لايجد له رخصة فالبصير من باب أولى .
ومنها :حديث الباب الآتي عند المؤلف في هَمِّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة .
وهمُّ الرسول صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوتهم دليل على الوجوب .
هذه بعض أدلة القائلين بالوجوب.
وهناك أدلة أخرى تراجع من (كتاب الصلاة) لابن القيم رحمه الله .
-ومنهم من قال :صلاة الجماعة سنة مؤكدة وهذا قول المالكيةوالحنفية .
ذكره ابن القيم رحمه الله صفحة(99) من كتابه الصلاة وقال : لكنهم يؤثِّمون تارك السنن المؤكدة ويصححون الصلاة بدونه.
قال :والخلاف بينهم وبين من قال إنها واجبة لفظي وكذلك صرح بعضهم بالوجوب اهـ.
اﻵن هنا قول الحنفية والمالكية لكنهم يقولون الذي لم يصل الصلاة في جماعة آثمٌ .
ابن القيم يقول:الخلاف بين أهل هذا القول وبين الموجبين خلاف لفظي- أي في اللفظ العبارات فقط مختلفة لأنهم يُؤثمون الذي لم يصل الصلاة الفريضة في جماعة .
ومن قال بالاستحباب فدليله حديث ابن عمر وأبي هريرة في الباب قالوا التفضيل يدل على الاستحباب .
وكان من أجوبتهم عن حديث أبي هريرة (لقد هممت أن آمر بحطب …) بأنه في التخلف عن صلاة الجمعة كما في صحيح مسلم (652) عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ».
ولكن يستفاد من مجموع الروايتين التحذير من التخلف عن صلاة الجماعة وعن صلاة الجمعة .
وقالوا إنما همَّ بإحراق بيوتهم لنفاقهم. وليس كما ذكروا .
-ومنهم من قال: صلاة الجماعة شرط في صحة الصلاة وهذا هو القول الثالث في المسألة وهوقول أحمد في رواية عنه وقول الظاهرية .
وأدلة أهل هذا القول هي أدلة الموجبين لصلاة الجماعة .
وأيضاً ما رواه ابن ماجة (793 )من طريق هُشَيْمٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» .
وهشيم صرَّح بالتحديث عند الحاكم في المستدرك .
وتابع هُشيماً قُراد وهوعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوَانَ على رفعه كما عند الحاكم في المستدرك(1/ 372) .
لكن قال الحاكم عقبه : هَذَا حَدِيثٌ قَدْ أَوْقَفَهُ غُنْدَرُ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ .
وقال ابن رجب رحمه الله في فتح الباري (5/ 449) ولكن وقفه هُوَ الصحيح عِنْدَ الإمام أحمد وغيره.
وهذا أيضاً ما استفدناه من الوالد رحمه الله أن الصحيح وقفه .
وهذا الحديث يستدل به من قال بوجوب صلاة الجماعة ومن قال بأنها شرط .
و القول بالشرطية بعيد يرده اﻷدلة مثل: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) فقوله (أفضل) أفعل التفضيل تدل على المشاركة والزيادة فتستوي صلاة الفرد والذي يصلي في جماعة في الصحَّة هذه صحيحة وهذه صحيحة إلا أن الصلاة في جماعة أفضل .
ولما روى الترمذي في سننه (219)عن يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ رضي الله عنه قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ انْحَرَفَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى القَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: «عَلَيَّ بِهِمَا» ، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا» ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».
الشاهد:أنه لو لم تكن اﻷولى صحيحة لماكانت الثانيه نافلة .
وقد ذكر ابن القيم في كتاب الصلاة هذه المسألة (حكم صلاة الجماعة )واﻷقوال فيها وناقش اﻷدلة فيستفاد مما أفاده رحمه الله .
مسألة :قلت للوالد الشيخ مقبل رحمه الله ألا يكون حديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».دليل على أن صلاة الجماعة غير واجبة على الرجال ؟.
فأجابني : لا ، الحديث دليل على صحة صلاة المنفرد واﻷدلة اﻷخرى تبين وجوب صلاة الجماعة .
3-قوله :(ثم خرج إلى المسجد لايخرجه إلاالصلاة لم يخط خطوة إلا رُفعت له بها درجة وحُط عنه بها خطيئة).
فيه فضل الخطا إلى المساجد ، كل خطوة يرفع له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة.
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه (665) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ» ، قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ».
وأخرج مسلم رحمه الله (1009) من طريق هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ» قَالَ: «تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ» قَالَ: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».
دلَّ هذا الحديث أن من جملة الصدقات الخُطَا إلى المساجد .
4-قوله (فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه) . فيه فضل البقاء في مكان الصلاة عقب الصلاة .
الملائكة تصلي عليه فهذا وقت رحمة ووقت بركة فلاينبغي أن ينصرف المصلي مباشرة بعد الصلاة بل يبقى مبتغياً للخيرومحتسبا للأجر فيبقى يذكرالله ويقرأ اﻷذكار المشروعة بعدالصلوات .
فهذا من السنن التي ينبغي أن يحرِص عليها المصلي.
وبعض الناس ينصرف مباشرة بعد الصلاةلأنه يجهل هذا الفضل أو قد يتساهل .
5-الحديث هنا مختصرففيه زيادة عند البخاري بعد قوله (اللهم اغفر له اللهم ارحمه )(مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ)
وهذا يفيد أن الملائكة تصلي عليه وتدعو له بشرط (مالم يؤذِ فيه مالم يحدث فيه) .
(مالم يؤذِ فيه)اﻷذى كالسب والكذب والغيبة .
ويشمل اﻷذى بالفعل أن يؤذي جليسَه بالمزاحمة أو ببعض التصرفات .
( مالم يحدثْ فيه)يشمل الحدَثَ الذي ينقض الطهارة .
ويشمل أيضا البدعة فإذا ابتدع في دين الله لاتدعو له الملائكة.
6-قوله:(ولا يزال في صلاة ماانتظرالصلاة) فيه فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة.
قال ابن عبدالبر رحمه الله في التمهيد (19/ 26)فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَضْلَ مُنْتَظَرِ الصَّلَاةِ كَفَضْلِ الْمُصَلِّي لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَمْ يُرِدْ به أن ينتظر الصلاة قائما وَلَا أَنَّهُ رَاكِعٌ وَسَاجِدٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ فَضْلَ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ بِالْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ وَبِالنِّيَّةِ فِيهِ كَفَضْلِ الصَّلَاةِ وَأَنَّ مُنْتَظِرَهَا كَالْمُصَلِّي فِي الْفَضْلِ وَلِلَّهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِمَا شَاءَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فِيمَا شَاءَ مِنَ الْأَعْمَالِ لَا معقب لحكمه لا رَادَّ لِفَضْلِهِ .اهـ
وهذا من جملة الرباط أخرج مسلم في صحيحه (251) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» .
قال الشيخ ابن عُثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين: يعني المرابطة على الخير وهو داخل في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} اهـ.
7- كثرة طرق الخير .
نفعنا الله عزوجل بذلك وأعاذنا جميعاً من فتنة المحيا والممات .
ونكتفي بهذا القدر.
الدرس الثاني من "باب فضل الجماعة ووجوبها"
قال الإمام الحافظ عبدالغني بن عبدالواحدالمقدسي
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه
- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: (أَثْقَلُ الصَّلاةِ
عَلَى الْمُنَافِقِينَ: صَلاةُ الْعِشَاءِ , وَصَلاةُ الْفَجْرِ. وَلَوْ
يَعْلَمُونَ مَا فِيهَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ
آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ , ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ,
ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لا
يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ , فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ) .
********************************
قوله (ولويعلمون مافيهما) أي مافي صلاة
العشاءوالفجرمن اﻷجر .
(ﻷتوهما )ﻷتوا إلى المسجد لهاتين الصلاتين .
(ولوحبواً ) قال ابن اﻷثير في النهاية
:الحَبْوُ: أَنْ يمشيَ عَلَى يَدَيْه ورُكْبَتَيْه، أَوِ اسْته. وحَبَا
البَعيرُ إِذَا برَك ثُمَّ زَحفَ مِنَ الإعْياء. وحَبَا الصَّبيُّ: إِذَا زَحَفَ
عَلَى اسْتِه.
وقوله (حبوا) منصوب لأنه خبر كان
المحذوفة مع اسمها .
مثل (التمس ولوخاتما من حديد )فأحيانا تحذف كان مع اسمها
ويبقى خبرها.
قوله(هممت) الهم العزم .
قوله(لايشهدون ) لايحضرون .
هذا الحديث من أدلة وجوب صلاة الجماعةعلى
الرجال.
وهمُّ الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحريق من باب التغليظ والتشديد.
وفيه أيضاًمن الفوائد
1-ثِقلُ الصلاة كلهاعلى المنافقين .
وأثقل أفعل تفضيل تدل على المشاركة وزيادة
.
وقد وصفهم الله عزوجل بذلك قال تعالى:
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا
إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ
إِلَّا قَلِيلًا} [النساء : 142].
يقول أهل العلم سبب ثقل هاتين الصلاتين
بالأخص أن صلاة العشاء وقت السكون والراحة في البيوت والاجتماع مع اﻷهل .والصبح وقت
لذة النوم .
1-
التحذير من صفات المنافقين .
والنفاق قسمان
1-نفاق اعتقادي .
2-نفاق عملي .
النفاق الاعتقادي :أن يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
وهذا مخرج من ملة الإسلام .
-النفاق العملي :كفر أصغر لايخرج من الملة لكنه خطير .وقد قيل( المعاصي
بريد الكفر).
النفاق العملي كفر أصغر ومعنى هذا أنه كبيرة من الكبائر فالنفاق العملي
داخل في الذنوب الكبيرة .
وقد ذكر الله عزوجل صفات المنافقين ليحذرها المسلم كقوله تعالى
{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة : 67] {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ
} يبخلون بالزكاة وبطعام المحاويج وبالاحسان إلى اﻷرحام واﻷيتام {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } أي تركهم .
ومن أوصافهم في سورة التوبة الكذب
واﻷيمان الكاذبة وخلف الوعد قال تعالى {۞ وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا
مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} [التوبة : 75] وقال
تعالى {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا
وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا
لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن
فَضْلِهِ ۚ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ
اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة : 74] هذه أيمان كاذبة واﻷيمان الكاذبة هي اليمين
الغموس .
من صفات المنافقين الإرجافات
والخوف قال تعالى { وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ
مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا
إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ }.
وفي سورة اﻷحزاب قال تعالى {
لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ
فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا}
[الأحزاب : 60] فمن صفات المنافقين الإرجافات
تخويفاً الناس وإرعابهم .
وفي سورة المنافقون ذكر الله
بعض أوصافهم منها الكذب وإظهار الإسلام وإبطان الكفر قال تعالى {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ
إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون : 1] .
وأيضا في سورة البقرة ذكر الله
في أوائل سورة البقرة ثلاثة أصناف .
الصنف اﻷول :المؤمنون وذكر الله
عز وجل في مدحهم وأوصافهم أربع آيات قال تعالى {الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى
لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[البقرة : 1-5].
الصنف الثاني: الكفار وذكر الله
عزوجل فيهم آيتين قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ
غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [البقرة : 6].
الصنف الثالث :المنافقون وذكر
الله سبحانه فيهم اثني عشر آية قاتل تعالى {ومن النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ
وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ
وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ
مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ إلى قوله {يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }.
أطال الله سبحانه في أوصافهم ولم يذكر في الكفار إلا آيتين ﻷن المنافقين
يلتبس أمرهم ﻷنهم في أوساط المسلمين يصلون معهم ويزكون ويشهدون العيد وقد يطلعون على
أسرار المسلمين لأن المسلمين يحسبونهم إخوانهم .
فصفة المنافقين من الصفات الذميمة التي يجب على كل مسلم ومسلمة الحذرمنها
وباﻷخص طالبة العلم حتى تفلح في سيرها وطلبها للعلم .
يقول الوالد الشيخ مقبل رحمه
الله (أنت ياطالبَ العلم أحق بالاستقامة حتى لا تُطمس بصيرتك) .
نعم ياأخواتي تسبب طمس البصيرة فلايهتدي إلى الحق ويستحسن الباطل ولايوفَّق
في سيره ولا يبارَك له .والعياذبالله .
هناك كتاب ﻷبي جعفرالفريابي في ذم المنافقين وأيضا كتاب لابن القيم .
النفاق ﻻيأمن
أحد منه على نفسه
وقد قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم كلهم يخشى على نفسه من النفاق .
وسمعت الوالد الشيخ مقبل رحمه الله يقول :( لايأمن أحد على نفسه من
النفاق إلامغرور) .
والنفاق ما ظهر في مكة فمكة لم يكن
فيها نفاق بل كان خِلافه وهو أن من الناس من يُظهر الكفر مستكرهاً وهو في الباطن
مؤمن .
ولما قدم المدينة لم يكن إذ ذاك نفاق لأنه لم يكن للمسلمين شوكة وقوة
.
ولما قدم المدينة صار الكفار معه على ثلاثة أقسام .
قال ابن القيم في زاد المعاد (3/114)وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، صَارَ الْكُفَّارُ مَعَهُ
ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ صَالَحَهُمْ وَوَادَعَهُمْ عَلَى أَلَّا
يُحَارِبُوهُ، وَلَا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُوَالُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ،
وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ آمِنُونَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
وَقِسْمٌ: حَارَبُوهُ وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ.
وَقِسْمٌ: تَارَكُوهُ، فَلَمْ يُصَالِحُوهُ، وَلَمْ يُحَارِبُوهُ،
بَلِ انْتَظَرُوا مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَأَمْرُ أَعْدَائِهِ، ثُمَّ
مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَهُ، وَانْتِصَارَهُ فِي الْبَاطِنِ،
وَمِنْهُمْ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَ عَدُوِّهِ عَلَيْهِ وَانْتِصَارَهُمْ،
وَمِنْهُمْ: مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ مَعَ عَدُوِّهِ فِي
الْبَاطِنِ، لِيَأْمَنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ،
فَعَامَلَ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى اهـ المراد .
وكان اليهود ثلاث قبائل بنو النضير وبنو قينقاع وبنو قريظة .وصالحهم
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وبعد ذلك ظهر النفاق لما أسلم كثير من الأنصار ووقعت بدر العظمى
خافوا على أنفسهم من الأذى والقتل والسبي والعذاب .وهذا كعبدالله بن أبي بن سلول
رئيس المنافقين .وآخرون من أهل الكتاب فمن هنا وقع النفاق في المدينة ومن حولها من
الأعراب .
ينظر نحو هذا الكلام في
تفسير ابن كثير .
وهو عبارة عن تاريخ لظهور النفاق .
وأيضاً تاريخ لسيرة النبي
صلى الله وعليه وعلى آله وسلم لما قدم المدينة .
أما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد من المنافقين لأنه لم يكن أحد منهم
يهاجر مكرها .
قال ابن كثير في تفسيره تفسير قوله : ومن الناس من يقول آمنا بالله
وباليوم الاخر .. قال :فَأَمَّا
الْمُهَاجِرُونَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ نافق لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ
يُهَاجِرُ مُكْرَهًا بَلْ يهاجر فيترك مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَرْضَهُ رَغْبَةً
فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ اهـ.
إذَن متى ظهر النفاق ؟.
ج: لما وقعت بدر وقويت شوكة المسلمين وانتصروا رأوا أنهم لو بقوا على
الكفر يعرضون أنفسهم للضرر فآمنوا في الظاهر.
ولم يكن هناك نفاق في مكة بل كان العكس يظهر الكفر ويبطن الإسلام لأن
المسلمين كانوا مستضعفين .
ولم يكن أحد من المهاجرين منافقا .
2-
فضيلة صلاة العشاء وصلاة الفجر
في جماعة .
*************************
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبيِّ -
صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى
الْمَسْجِدِ فَلا يَمْنَعُهَا.
قَالَ: فَقَالَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ.
قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ , فَسَبَّهُ سَبّاً سَيِّئاً , مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ
مِثْلَهُ قَطُّ , وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم
- وَتَقُولُ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ؟) .
وَفِي لَفْظٍ (لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ) .
******************************
قوله (أحدَكم ) نصب أحدكم لأنه
مفعول به مقدم والمرأة فاعل.
في الحديث من الفوائد
1-
استئذان المرأة من زوجهاإذا أرادت الخروج إلى المسجد .
وإذا كان هذا في المسجد فغيره من باب أولى .
وإذاكانت غير متزوجة تستأذن من
وليها.
2 - النهي عن منع المرأة من صلاة الجماعة في المسجد .
ولكن إذا خشي عليها من الفتنة أوﻷعذار أخرى معتبرة له أن يمنعها وقد
يجب عليه إذا كان في خروجها فتنة (كلكم راع
وكلكم مسؤل عن رعيته).
وقد جاءت زيادة من حديث ابن عمر في سنن أبي داود (567 )(وبيوتهن
خيرلهن) .
وأخرج أبوداود في سننه (570)عن
عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي
حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي
بَيْتِهَا». فكل ماكان المكان أستر للمرأة
كانت الصلاة فيه أفضل .
واستُدل بهذا على أن صلاة المرأة أفضل من الصلاة في المسجد.
وهذا عام حتى ولوكان الصلاة في المسجد الحرام أوفي مسجد النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم .
3-فيه التأدب مع السنة وزجرمن
يعترض على السنة والتغليظ عليه (فسبه سباسيئا) وفي رواية في مسلم (قَالَ:
فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقُولُ: لَا).
وفي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّهُ رَأَى
رَجُلًا يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: لاَ تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الخَذْفِ، أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الخَذْفَ
وَقَالَ: «إِنَّهُ لاَ يُصَادُ بِهِ
صَيْدٌ وَلاَ يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ
العَيْنَ» ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الخَذْفِ
أَوْ كَرِهَ الخَذْفَ، وَأَنْتَ تَخْذِفُ لاَ أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا.
وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يُحَدِّثُ عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الْحَيَاءُ لَا
يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» ، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي
الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمْرَانُ:
أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُحَدِّثُنِي
عَنْ صُحُفِكَ .
هكذا كان السلف يوقِّرون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحذرون من
مخالفتها .
وربنا عزوجل توعَّد على ذلك فقال
تعالى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور : 63].
وفي صحيح مسلم (2021)عن
سلمة بن الأكوع رضي الله عنهأَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ» ، قَالَ: لَا
أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ» ، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ:
فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ .
فردالسنةعُرضة للعقوبة .
وينبغي المسابقة إلى السنة سواء كان في واجب أو مستحب .يقول الوالد الشيخ مقبل رحمه الله
(كان السلف يتسابقون إلى السنن أما اﻵن فإذا قيل لهم سنة لايبالون بها) .
**************************
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه
وسلم - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ , وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا , وَرَكْعَتَيْنِ
بَعْدَ الْجُمُعَةِ , وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ , وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ
الْعِشَاءِ) .
وَفِي لَفْظِ: (فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ:
فَفِي بَيْتِهِ) .
وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ:
أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -: (كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ
خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ. وَكَانَتْ سَاعَةً لا أَدْخُلُ عَلَى
النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهَا) .
عنْ عائِشَةَ رضِيَ اللهُ عنْها قالَتْ: (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -
صلى الله عليه وسلم - على شيءٍ منَ النَّوافِلِ أشدَّ تَعاهُدَاً منْهُ على
ركْعَتَي الفَجْرِ).
وفي لفْظٍ لِمُسْلِمٍ: (رَكْعَتا الفَجْرِ خيرٌ منَ الدُّنيا وما
فيها) .
*********************************
من فوائد هذه الأحاديث
1-مشروعية رواتب الصلاة القبلية
والبعدية .
وقد ثبت من صحيح مسلم (728) عن أم حَبِيبَةَ،
تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ
صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ
بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ
سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ
عَنْبَسَةُ: «فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ» ،
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ
عَنْبَسَةَ» وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ
سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ» .
زاد الترمذي(415): أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ،
وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ
بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ
.
وهذا يفسر الإجمال في رواية الإمام مسلم .
2-وفي قول ابن عمر (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله
عليه وسلم - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ )مع حديث أم حبيبة (أَرْبَعًا
قَبْلَ الظُّهْرِ )لاتعارض بينهما هذا من تنوع العبادات فأحيانا يُصلي قبل الظهر ركعتين وأحيانا أربعا.
3-قوله (وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ) ثبت في صحيح مسلم
(881) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا
أَرْبَعًا» .
وقد جمع بين الحديثين جماعة من العلماء منهم شيخ الإسلام وتلميذه ابن
القيم رحمهما الله بما يأتي.
قال ابن القيم في زاد المعاد(1/ 425 )قَالَ شَيْخُنَا أبو العباس
ابن تيمية: إِنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّى فِي
بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قُلْتُ وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ الْأَحَادِيثُ،
وَقَدْ ذَكَرَ أبو داود، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى فِي
الْمَسْجِدِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
اهـ.
قلت :وهذا ما أخذناه عن الوالدالشيخ مقبل رحمه الله أنه يُجمع بين الحديثين أن من صلى بعد صلاة
الجمعة في المسجد يصلي أربعاً ومن صلى في بيته يصلي ركعتين .
والرواتب كان النبي صلى الله يحافظ عليها في الحضر .
وذات مرة شغل عن الركعتين بعد الظهرفصلاهما بعدالعصركما أخرج البخاري
(1233)ومسلم(834) من طريق كُرَيْبٍ،
أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
أَزْهَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا، فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلْهَا
عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ، وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا
عَنْكِ أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكُنْتُ أَضْرِبُ
النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَنْهَا، فَقَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ
عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي،
فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ
بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ
إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ
يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ
بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ، فَقُلْتُ:
قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ،
فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ،
فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ،
سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ
عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ
فَهُمَا هَاتَانِ».
أما في السفر فكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يصلي الرواتب إلاركعتي
الفجر فما كان يتركها سفراً ولاحضراً .
الحكمة من الرواتب
أنها تكمل النقص التي يحصل في
صلاةالفريضة أخرج الترمذي في سننه (413)
من طريق حُرَيْثِ بْنِ قَبِيصَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَقُلْتُ:
اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، قَالَ فَجَلَسْتُ إِلَى أَبِي
هُرَيْرَةَ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي جَلِيسًا
صَالِحًا، فَحَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ
مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ
صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ،
فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ:
انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ
الفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ " .
الحديث فيه بيان الحكمة وهذا من فضل الله وإحسانه فله الحمد والشكر .
الرواتب من جملة النوافل التي فعلها سبب لمحبة الله للعبد كما أخرج
البخاري في صحيحه (6502)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي
وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ
أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ
إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ
الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي
يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي
لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ
شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ
وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " .
الرواتب كالسياج تحافظ على الفريضة من الخَدْش .
وأيهما
أفضل الرواتب أم قيام الليل ؟.
أخرج مسلم في صحيحه (1163)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ
الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ،
بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ».
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم : فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ أَنَّ تَطَوُّعَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ
تَطَوُّعِ النَّهَارِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ
أَصْحَابِنَا وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ السُّنَنِ
الرَّاتِبَةِ وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الرَّوَاتِبُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا
تُشْبِهُ الْفَرَائِضَ وَالْأَوَّلُ أقوى وأوفق للحديث والله أعلم .
وقال ابن رجب رحمه الله في
لطائف المعارف 34 : ومراده بعد المكتوبة ولواحقها من سننها الرواتب فإن الرواتب
قبل الفرائض وبعدها أفضل من قيام الليل عند جمهور العلماء لالتحاقها بالفرائض
وإنما خالف في ذلك بعض الشافعية.
ونص ابن رجب رحمه الله 34 أن أفضل التطوع المطلق بالصلاة قيام
الليل.
3-
قول ابن عمر(كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا
يَطْلُعُ الْفَجْرُ) . فيه التخفيف في ركعتي الفجر .وعلى هذا جمهور
العلماء .
وذهبت الحنفية إلى استحباب الإطالة وهذا
مخالف للدليل فقد أخرج البخاري(1171) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا، قَالَتْ: " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى إِنِّي
لَأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟ " .
أي من شدة التخفيف .
وليس المراد الاقتصار على فاتحة الكتاب كما ذهب الإمام مالك .
أخرج الإمام مسلم في صحيحه (726)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، "
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ
الْفَجْرِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ".
وأخرج مسلم في صحيحه (727) عن ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، " كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي الْأُولَى
مِنْهُمَا: {قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136]
الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ مِنْهُمَا: {آمَنَّا بِاللهِ
وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52] ".
في هذا دليل على قراءة شيء بعد الفاتحة في ركعتي الفجر وبيان ما يُقرَأ
.
وهذا من تنوع العبادات فلا
تنافي بين الروايتين .
5-وفي حديث عائِشَةَ رضِيَ اللهُ عنْها قالَتْ: (لَمْ يَكُنِ
النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - على شيءٍ منَ النَّوافِلِ أَشدَّ تَعاهُدَاً
منْهُ على ركْعَتَي الفَجْرِ).
وفي لفْظٍ لِمُسْلِمٍ: (رَكْعَتا الفَجْرِ خيرٌ منَ الدُّنيا وما
فيها) .
فيه فضل راتبة الفجر وأنها آكد الرواتب
.
ومما يدل على أنها آكد الرواتب أن
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يدع هاتين الركعتين سفراً ولا حضراً .
6-وفي قوله (رَكْعَتا
الفَجْرِ خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها) فيه الترغيب في اﻵخرة .
وهذه تربية النبي صلى الله عليه وسلم ﻷصحابه
على الزهد في الدنيا والإقبال على اﻵخرة جعلنا الله من أهل الآخرة .
وهذا آخر (باب فضل صلاة الجماعة
ووجوبها ) ولله الحمد نفعنا الله وإياكم.