أحسن الله إليك: لا شك أن لكل شيء مفتاحه الذي لا ينجع فيه سواه، فأرشديني
حفظك الرحمن ماهي مفاتيح الدعاء التي تجعله مستجابا، ولا يكاد يرد بعد مشيئة
الله عز وجل وتوفيقه؟
ج: هناك أسباب لاستجابة الدعاء، من
سلكها يُرجى استجابة دعائه، منها:
-الثناء على الله، ثم الصلاة على
النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قبل الدعاء. كما في
حديث فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ.
-كثرة ذكر الله، قال تَعَالَى:
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ
أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي
الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ
سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)} [البقرة].
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه
الآيات من سورة البقرة: يَأْمُرُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ،
بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ وَفَرَاغِهَا. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَرْشَدَ إِلَى
دُعَائِهِ بَعْدَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ؛ فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ.
-المسارعة إلى الخير والتقوى، قال
عَزَّ وَجَل في شأن نبيه زكريا عليه الصلاة والسلام: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى
رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ
إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)} [الأنبياء: 90]. فيه دليل أن المسارعة
في الخيرات من أسباب استجابة الدعاء.
الإلحاح في الدعاء وعدم الاستعجال في
الاستجابة، روى البخاري (6340)، ومسلم (2735) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُسْتَجَابُ
لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي».
-دعاء مكسور القلب، ومنه الصيام،
والمرض، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ
قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62].
-أن يدعو وهو موقن بالإجابة؛ فقد ثبت
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي
بِي» الحديث رواه البخاري (7405)، ومسلم (2675).
-التضرع إلى الله واللجوء إليه، وبحسب
ما يكون في القلب من قوة التعلُّق بالله واللجوء إليه يتحقق بإذن الله الإجابة. وقد
ذكر ابن القيم في «الجواب الكافي» (9) من أسباب عدم استجابة الدعاء: ضَعْف
الْقَلْبِ وَعَدَم إِقْبَالِهِ عَلَى اللَّهِ وَجَمْعِيَّتِهِ عَلَيْهِ وَقْتَ
الدُّعَاءِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقَوْسِ الرِّخْوِ جِدًّا؛ فَإِنَّ
السَّهْمَ يَخْرُجُ مِنْهُ خُرُوجًا ضَعِيفًا...
-الرزق الحلال من المطعم والمشرب
والمسكن كما عند مسلم.
-بر الوالدين، فعن عمر بن الخطاب رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ
الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا
مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ
لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» رواه الإمام
مسلم (225/ 2542).
ولنعلم-علمني الله وإياكم-أن استجابة
الدعاء تتنوع؛ ولهذا قد تكونُ بغير المطلوب، والله أعلم بمصالح عباده.
قال الحافظ في «فتح الباري» أول شرح
كتاب الدعوات (11/ 115): كُلُّ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، لَكِنْ تَتَنَوَّعُ
الْإِجَابَةُ، فَتَارَةً تَقَعُ بِعَيْنِ مَا دَعَا بِهِ، وَتَارَةً بِعِوَضِهِ.