جديد المدونة

جديد الرسائل

الثلاثاء، 21 مارس 2023

(5) اختصار درس روضة الأفهام في شرح بلوغ المرام

 

 

11-وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ-فِي الْهِرَّةِ-: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ.

والحديث صحيح.

قوله: (إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ) قال ابن الأثير في «النهاية»(3/142): الطَّائِف:

الخادمُ الَّذِي يَخْدُمُك برفْقٍ وعنَاية، والطوَّاف: فَعَّال مِنْهُ، شَبَّهها بالخَادمِ الَّذِي يَطُوف عَلَى مَولاهُ ويدورُ حَوله؛ أخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾[النور: 58].

من فوائد هذا الحديث:

-أن الهرة طاهرة، وعلى هذا أكثر أهل العلم.

أما عن أكل الهرة كما يُفعل هذا في بعض دول الكفر كالصين، فهذا محرم؛ لما روى البخاري (5530ومسلم (1932) عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ».

-طهارة سؤر الهرة. وهو قول أكثر العلماء كما قال الترمذي رَحِمَهُ الله في«السنن»(92).

والسؤر: بَقِيَّة الشَّيْءِ، وَجَمْعُهُ أَسآرٌ.

وهنا سؤر الهرة: الماء إذا شربَتْ منه وبقي بقية منه.

 الهرة طاهرة إلا في حالة تكون أكلت نجاسة، مثل أن تأكل فأرة، ثم يكون عين النجاسة باقية في فمها، فتذهب وتشرب، هنا يكون فمها نجسًا حتى تزول عينُ تلكَ النجاسةِ.

وهل الماء طاهر أو نجس إذا شربَتْ منه في هذه الحالة؟

الجواب: الماء طاهر إلا إذا تغير طعمه أو ريحه أو لونه بسبب النجاسة، وإلَّا يبقى على الطهارة.

سؤال: الهرة تأكل كل شيء وقد لا نعرف هل أكلت نجاسة؟

النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يعرف هذا أنها تأكل الميتة وتأكل..، ومع ذلك حكم بطهارتها، فالهرة طاهرة، لكن كما قلت لكنَّ: إذا عَلِمْنا أنها أكلتْ نجاسة، وكان بقي عين النجاسة في فمها، أكلت ثم ذهبت مباشرة تشرب من الماء، لا شك هنا أنه سيصل الماء شيء من هذه النجاسة، فهل ينجس الماء أو لا؟ على ما تقدم.

-ومن فوائد هذا الحديث-كما قال الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ اللهُ في «شرح بلوغ المرام»(1/96)-: أن الفأرة طاهرة؛ لماذا؟ لأنها من الطوافين علينا.

-ونستفيد التعليل في الحكم.

حكم بول وغائط ودم الهرة هل هذا طاهر تبعًا لطهارة عينِهَا؟

قال الشيخ ابن عثيمين في «شرح بلوغ المرام»(1/95): الهرة ليست نجسة في ريقها وفيما يخرج من أنفها وفي عرقها وفي سؤرها؛ أي: بقية طعامها وشرابها.

(و) في بولها نجس، في روثها نجس، في دمها نجس؛ لأن هذه الأشياء كلها من محرم الأكل نجسة، فكل ما يخرج من جوف محرم الأكل فإنه نجس، كالبول والعذرة والدم والقيء وما أشبهه.

ـــــــــــــــ

12-وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

 (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) الأعراب: هم الذين يسكنون البادية.

(فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ) أي: في ناحيته.

قوله: (بِذَنُوبٍ) الذَّنوب بفتح الذال: هي الدلو المملوءة ماءً.

(فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ) أي: صُبَّ عليه.

في هذا الحديث من الفوائد:

-جفاء الأعراب، وجهلهم بالدين.

-وفيه نجاسة بول الآدمي، وهذا بالإجماع، وسواء بول الكبير والصغير، وأما قول النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ في بول الرضيع: «وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» رواه أبو داود (376وهو في «الصحيح المسند» (1230) لوالدي رَحِمَهُ الله. فهذا فيه تخفيف نجاسة بول الرضيع-وهو الذي لم يأكل الطعام-وليس فيه أنه طاهر.

-وفيه: كيفية تطهير البول إذا وقع على الأرض بصب الماء عليه، والحكم واحد سواء كان على الأرض الصلبة أو الرخوة أو الفراش.

-هذا الحديث استدل به جمهور أهل العلم على أن النجاسة لا تزول إلا بالماء.

وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن هذا ليس بلازم، فلو زالت النجاسة بمائع من المائعات، مثل: بعض المشروبات يُطهَّر بها النجاسة، مع أنه لا يجوز امتهان الأطعمة والأشربة، ولكنه لو طُهِّرت النجاسة بشيء منها فإن النجاسة تزول، وهذا قول أبي حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ اللهُ فقد قال رَحِمَهُ اللهُ: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فبأي شيء أزيلت فهو كافٍ.

وهكذا أيضًا الشمس والريح – يعني: الهواء-إذا ضَرَبَتِ النجاسة حتى لم يبقَ لها أثر، فإن المحل يطهر، الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

وهناك قاعدة: جاف مع جاف طاهر بلا خلاف.

وهذه القاعدة ليست على إطلاقها، فلو أن نجاسة وقعت على فرش ويبست، ثم جئتِ وأنت ملابسك وجسمك جاف ليس فيه آثار الماء، لا تصلي في هذا الموضع؛ لأن النجاسة باقية، ولكن لو جلس عليها إنسان لغير الصلاة أو وضع عليها سجادة فإنها لا تُنجِّس.

-وفيه حسن أخلاق النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، ورفقه بالجاهل.

-وفيه أن دَرْءَ المفسدة أولى من جلب المصلحة؛ فإنه لو زجر البائل فقطع بوله فقد يتضرر طبيًّا، وقد يتطاير البول في بقعة أكبر.

ومناسبة حديث أنس للباب، كما قال الشيخ ابن عثيمين في « شرح بلوغ المرام»(1/115):  المناسبة: أن الماء هو الذي تزال به النجاسة.