حكم
مَنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ أفطر فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ
عَنْ
جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إلى
مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ وَصَامَ
النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ: أن النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ،
وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتُ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ
بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَأفطر بَعْضُهُمْ
وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أن نَاسًا صَامُوا فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
هذا
الحديث فيمن شرع في الصوم ثم أفطر في يومه ذلك، وهذا له عدة صور:
· أن
يطلع عليه الفجر وهو في السفر ثم أراد أن يفطر فله ذلك،
قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ
عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:185].
ولحديث جابر المذكور وغيره.
هذه المسألة جمهور العلماء على جوازها فمن أنشأ الصوم في السفر
ثم أراد أن يفطر فله أن يفطر في أثناء اليوم.
· أن
يسافر من بلده ليلًا وأتى النهار وهو في السفر وأصبح صائمًا هذا أيضًا يجوز له الفطر
في اليوم الذي أصبح فيه . وهذا قول جمهور العلماء.
· أن
يصوم وهو مقيم في بلده ثم في أثناء اليوم سافر هذا يجوز له أن يفطر على الصحيح، وهو قول أحمد وإسحاق والمزني واختاره ابن المنذر
في «الإشراف»
(3/144)، وابن القيم في «زاد
المعاد» (2/54)، والشوكاني
في «نيل الأوطار»
(4/592).
لقول الله تعالى:﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ
بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:185]. ولحديث جابر
بن عبد الله المتقدم.
ولحديث ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
غَزَا غَزْوَةَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ وَصَامَ،
حَتَّى إذا بَلَغَ الْكَدِيدَ الْمَاءُ الَّذِي بَيْنَ قُدَيْدٍ
وَعُسْفَانَ، فَلَمْ يَزَلْ مُفْطِرًا حَتَّى
انْسَلَخَ الشَّهْرُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (1944).
وهذا على أن المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشأ الصوم في
المدينة، فلما بلغ هذا الموضع أفطر.
وهذا رده النووي رحمه الله في «شرح
صحيح مسلم» (7/231) وشيخ
الإسلام في «شرح العمدة» (72).
وجمهور العلماء على أنه ليس له أن يفطر في ذلك اليوم الذي خرج
من بلده صائما فيه، وإنما له أن يفطر من الغد، قالوا: لأنه
شرع في الصيام وهو في الحضر.
وهناك قول غريب جدًّا وهو: من دخل عليه شهر رمضان وهو في بلده ثم
سافر فلا يجوز له أن يفطر في ذلك الشهر كلِّه، وهذا قول عَبيدة بن عمرو السلماني
وسويد بن غفلة وأبي مجلز، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ
شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[البقرة:185].
وهذا
قول ترده الأدلة الآتية:
خروج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة الفتح
في رمضان ثم أفطر، ويرده أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ
مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة:185].
وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله
تعالى وضَعَ شَطْرَ الصلاةِ، أو نِصفَ الصلاةِ، والصومَ عن المسافرِ»
رواه أبو داود في «سننه» (2408) عن أنسِ بنِ مالك الكعبي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وغير ذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة:185] فهذا في
حقِّ مَنْ شَهِدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَهَذَا
لَمْ يَشْهَدْهُ كُلَّهُ.
مسألة: إذا دخل عليه رمضان وهو في السفر، قال ابن قدامة رَحِمَهُ الله في «المغني» (3/116): إذا دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي
السَّفَرِ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ
الْعِلْمِ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ لَهُ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مَتَى
يُفْطِرُ المقيم إذا أراد السفر؟
عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «أَتَيْتُ أنس بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ
يُرِيدُ سَفَرًا وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ
فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ ثُمَّ
رَكِبَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ والحديث في «الصحيح المسند» (76).
نستفيد من هذا الحديث: أنه يجوز للصائم أن يفطر
في بيته إذا أصبح وتأهَّب للسفر وأعد الراحلة،
كما فعله أنس بن مالك وقال: سنة. وقد ذهب إلى ذلك الحسن البصري، وعزاه الترمذي في «سننه» (800) إلى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيِّ. وهو قول الشيخ الألباني وله رسالة «تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر»، وهو قول والدي الشيخ مقبل رحمهم الله.
وذهب الإمام أحمد أنه له أن يفطر إذا جاوز بيوت قريته
استدلالًا بحديث أبي بصرة الغفاري وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: «رَكِبْتُ مَعَ أبي بَصْرَةَ
الْغِفَارِيِّ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ فَدَفَعَ، ثُمَّ
قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ بَيْنَ الْبُيُوتِ؟
فَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»؟ رَوَاهُ أحمد وَأَبُو دَاوُد وسنده ضعيف عبيد بن جبر
مجهول، وكذلك الراوي عنه وهو كُليب بن ذُهْل مجهول،
قالوا: ويحمل حديث أنس بن مالك على هذا، لأنه قبله لا يسمى مسافرًا.
وذهب
جمهور العلماء إلى أن من أصبح صائمًا وهو مقيم في بلده ثم سافر فليس له قطعًا
الفطر في أثناء ذلك اليوم لا قبل السفر ولا بعده.
وهنا مسألة: ليس لأحد أن يُبيِّت الفطر حضرًا باتفاق الفقهاء.
يعني: إذا كان ناويًا في الليل أن يسافر غدًا
عليه أن يبيت الصيام وأن يُصبِح صائمًا.
وتقدم أنه إذا أصبح وعزم على السفر وتأهب للسفر فيجوز له أن
يفطر في بيته قبل أن يرحل، والله أعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جَوَازِ
الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ إذا دَخَلَ بَلَدًا وَلَمْ يُجْمِعْ إقَامَةً
عَنْ
ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا
غَزْوَةَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ وَصَامَ، حَتَّى إذا بَلَغَ الْكَدِيدَ الْمَاءُ
الَّذِي بَيْنَ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ، فَلَمْ يَزَلْ مُفْطِرًا حَتَّى انْسَلَخَ
الشَّهْرُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَوَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ أن الْفَتْحَ كَانَ
لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، هَكَذَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ.
في
الحديث الفطر للمسافر المتردد الذي لم يُجْمِع إقامة هل يسافر غدًا أو لا؟
هذا
له أن يفطر ما دام مترددًا فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة الفتح لم
يزل مفطرًا حتى انسلخ الشهر، ولو بقي مدة
طويلة، كما قال أهل العلم في الفطر للمسافر
المتردد: يقصر ولو سنين، والله أعلم.
حاصل
مسائل الصيام للمسافر في الدرس الثاني عشر :
· من
طلع عليه الفجر وهو في السفر يجوز له أن يفطر إذا أراد،
وهذا قول الجمهور.
· إذا
سافر من بلده ليلًا وأتى النهار وهو في السفر وأصبح صائمًا هذا أيضًا يجوز له
الفطر في أثناء اليوم. وهذا أيضًا قول جمهور
العلماء.
· إذا
أصبح صائمًا في الحضر ثم في أثناء اليوم سافر هذا يجوز له أن يفطر على الصحيح. وجمهور العلماء على أنه ليس أن يفطر.
تخطئَة قول: من دخل عليه شهر رمضان وهو في بلده
ثم سافر فلا يجوز له أن يفطر في سفره . وقد
بوب البخاري بابًا في الرد عليه وقال: باب إذا
صام أيامًا من رمضان ثم سافر.
· إذا
دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ،
قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ
الْعِلْمِ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ لَهُ.
· بيان
أنه يجوز للصائم أن يفطر في بيته إذا أصبح وتأهَّب للسفر وأعد الراحلة.
· ليس
لأحد أن يُبيِّت الفطر حضرًا باتفاق
الفقهاء.
· المسافر
المتردد في سفره له أن يفطر حتى ولو طالت المدة ما دام متردِّدًا.