بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسوله الأمين. و أشهد أن
لا إله إلا الله، و أشهد أن محمدا عبده ورسوله
. أما بعد
فإن أنفس ما تصرف فيه الأوقات هو طلب العلم النافع الذي يعد نورا
لحياة من يطلبه، كما قال سبحانه في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)
فأنفس ما تصرف فيه الأوقات هو طلب العلم الشرعي، الذي هو طريق إلى الجنة.
والجنة بغية كل مؤمن ومؤمنة (وما غاية المؤمن إلا الجنة).
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم ـ قال: (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ
عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ).
فوائد و ثمار العلم النافع لا تعد ولا تُحصى ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ).
بالعلم تُنال السيادة لفضل العلم و لشرفه حتى إن سفيان بن عيينة وهو(أبو
محمد الهلالي) ـ رحمه الله تعالى ـ لما وجد الطلاب ملتفين
حوله تمثل بقول الشاعر:
خلت الديار فسدت غير مسود
و
من البلية تفردي بالسؤدَد
(فسدت غير مسود) من دون أن يُجعل سيدا
نال السيادة.
فالعلم رفعة عظيمة لا ينال هذه الرفعة الملوك، ولا الرؤساء، ولا
الوزراء. لا ينالها إلا من تعلم العلم الشرعي.قال ربنا سبحانه (يَرْفَعِ اللَّهُ
الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) .
وذكر الوالد الشيخ مقبل رحمه الله تعالى ـ قصة لأمِّ ولد لهارون
الرشيد أنه سمعت جلبة أصوات، فنظرت فوجدت عبد الله بن المبارك و أصحابه من طلاب
العلم عن يمينه و عن يساره و ملتفين حوله يمشون معه فقالت:من هذا قيل عبدالله بن
المبارك قالت: والله إن هذا هو
الملك لا ملك هارون الرشيد الذي يجتمع حوله الناس رغبة ورهبة.
والقصة بنحو هذا في تاريخ ابن عساكر- ترجمة عبد الله بن المبارك.
العلم هو الملك، هو السلطان. العلم الشرعي سعادة عظيمة لا ينالها إلا
من طلب العلم الشرعي.
لا ينال هذه السعادة والحلاوة إلا من طلب العلم الشرعي، كما قال الحسن
البصري ـ رحمه الله تعالى ـ:( لو يعلم الملوك و أبناء الملوك مانحن عليه لجالدونا
بالسيوف) .
وبالعلم يخرج الإنسان من ظلمات الجهل إلى النورفيعبد الله على بصيرة .
فلهذا ينبغي أن نعتنى بالعلم الشرعي، بتعلم كتاب الله و سنة رسوله ـ
صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الهمم الآن انصرفت إلى العلوم الدنيوية- إلا من رحم الله- و زهدت في
العلم الشرعي الذي به تنال السعادة في الدنيا و الآخرة.
و قد ذم الله عز وجل المقبلين
على العلوم الدنيوية الغافلين عن أمور الآخرة، قال الله عز و جل: (يَعْلَمُونَ
ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)
و قال سبحانه: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ
يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ
مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) فذم الله سبحانه وتعالى هذا الصنف.
والإعراض عن العلم النافع خطير، ضرر ،فقد قال الله عز و جل:( وَمنْ
أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ
حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ
بَصِيرا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا
فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى
وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ
وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)
فمن رزقها الله سبحانه و تعالى محبة العلم النافع فعليها أن تحمد الله
و أن تشكره. و لله الحمد أولا وآخرا.
فهذه نعمة عظيمة أن يُقذف في القلب محبة العلم النافع. يقول ابن القيم
ـ رحمه الله تعالى ـ في مفتاح دار السعادة: ( محبة العلم علامةعلى السعادة، و بغض
العلم علامة على الشقاوة)
وينبغي -أخواتي- على من طلبت العلم أن تراعي أمورا:
أحدها: الإخلاص، فإن ربنا سبحانه يقول (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ
الْخَالِصُ) و يقول عز و جل: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ).
فليكن تعلمنا العلم لله عز و جل، ابتغاء للأجر و للانتفاع و حسن
الاتباع حتى يكون العلم نافعا لنا. و سواء كان ذلك في الحفظ أو في حضور الدرس أوفي
الكتابة أوغير ذلك. و قد قال ابن حزم ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه (تهذيب النفوس):
( إذا حضرت مجلس علم فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيدٍ علماً وأجراً لا حُضور مستغنٍ
بما عندك طالباً عثرة لعثرة فتشيعها أو غريبة فتشنِّعها؛ فإن هذا فعل
الأراذل، الذين لا يفلحون في العلم أبدا)
ا.هـ.
سبحان الله كلام عظيم في توجيه من يطلب العلم أن يكون القصد من طلب
العلم وحضور الدرس-حتى يفلح-يكون قصده الانتفاع،
والتزود من العلم وابتغاء الأجر
من الله سبحانه و تعالى،ولا يكن حضور مستغن بنفسه و متطلب للعثرات والزلات.
وإن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا
و إن
سمعوا من صالح دفنوا
الثاني: الحرص على الاستقامة. فإن ربنا سبحانه و تعالى يقول
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) و يقول سبحانه: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
وَاسْتَغْفِرُوهُ)
. ويقول الوالد ـ رحمه الله تعالى ـ: ( أنت يا طالبَ العلم أحق
بالاستقامة حتى لا تطمس بصيرتك).
طالب العلم أَولى بالاستقامة
حتى ينتفع بسعيه، وبطلبه للعلم، ويبارك الله له في أقواله، و أفعاله، و أحواله. و
حتى يكون من الثابتين على دين الله عز و جل. فإن ربنا سبحانه و تعالى يقول
(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الْفَاسِقِينَ) .
فمعصية واحدة- والعياذ بالله- تسبب حرمان العلم. قد تسبب النكبة
والمصيبة. فلهذا كان من الواجب على طالبة العلم -بالأخص- أن تحافظ على دينها و
تحذر من المعاصي حتى يبارك الله في سعيها. لا نكن ممن يحمل العلم بدون عمل، فإن
هذا ليس من الاستقامة.
واليهود كان عندهم علم لكن بدون عمل، بدون استقامة. فذمهم الله عز و
جل، وغضب عليهم. فعياذاً بالله ما كل من يتعلم العلم يَنتفع
بعلمه و يكون من أهل الاستقامة. قال سبحانه و تعالى: (الَّذِينَ
آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ
فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) يعرفون، عندهم
اطلاع، و يعرفون أنه الحق ولكن ما فيه عمل، ما فيه استقامة. و هكذا في آيات أخرى
قال الله عز و جل: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ
لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الْكَافِرِينَ)
فلهذا يجب على طالبة العلم أن تكون على حذر من أن يكون علمها في شق و
هي في شق آخر، و العياذ بالله.
يقول االشيخ الوالد مقبل الوادعي ـ رحمه الله تعالى ـ ( لا تكن - ينصح
طالب العلم- كحال ولدي امرأتين، واحدة قالت: ولدي يدخل الكلام من هذه الأذن
و يخرج من الأذن الأخرى. و قالت الأخرى: ولدي لا يدخل الكلام من هذه
الأذن و لا يخرج من هذه الأذن الأخرى). فينبغي لطالبة العلم أن تكون - بعون الله
سبحانه - مفتاحا للخير، مغلاقا للشر.
الثالث: أن تكون ذات همة عالية. فإن ربنا عز وجل يقول في كتابه
الكريم: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ).
أي بجد و نشاط. و يتطلب لوجود الهمة العالية الصبر ( إعط العلم كلك،
يعطيك بعضه). و ترك الكسل؛ فإن الكسل يُحرِم الخير. ولهذا كان النبي ـ صلى الله
عليه وعلى آله وسلم ـ يستعيذ بالله من الكسل.
وبين يدينا كتاب التوحيد للإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى.
وعلم التوحيد يجب تعلمه، فتعلمه فرض عين على كل مسلم و مسلمة. كما قال
النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ ( طلب العلم
فريضة على كل مسلم)
ولا سبيل الى السعادة إلا بالتوحيد. فسعادة الدارين هي متعلقة بتحقق
التوحيد. فربنا سبحانه يقول في كتابه الكريم عن لقمان: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ
بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). و يقول عز و جل: (إِنَّهُ مَنْ
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ
النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). و يقول النبي ـ صلى الله عليه
وعلى آله وسلم ـ: ( من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقي الله يشرك به
شيئا دخل النار).
وبالتوحيد يتحقق الأمن و الأمان، فقد قال ربنا سبحانه و تعالى:
(الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ
الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ).
و بالتوحيد يتحقق دولة رشيدة
ويحصل التمكين في الأرض قال سبحانه: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) شرط
التمكين في الأرض توحيد الله عز و جل.
فبإقامة التوحيد يحصل الخير والتمكين والأمن و الأمان و السعادة.
و يقول الوالد الشيخ مقبل ـ رحمه الله تعالى ـ في بعض دروسه التي
كتبتهاعنه :( يجب الاهتمام بالتوحيد؛ فإن الناس إذا استسلموا لتوحيد الله عز و جل
استسلموا لغيره).
سبحان الله، يعني يسهل عليهم الاستسلام للشرع، لامتثال الأوامر
واجتناب النواهي.
فعلم التوحيد علم عظيم، لا تحصل السعادة إلا به. و لا يدخل أحد الجنة
إلا بالتوحيد.
و لا يأمن أحد على نفسه- مهما
كان في المنزلة- من الشرك؛ فقد قال إبراهيم عليه الصلاة و السلام: (وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ).
يقول الإمام البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن
المغيرة بن بردزبه ـ رحمه الله تعالى ـ في صحيحه: (بسم الله الرحمن الرحيم كتاب
التوحيد)
وذكر بسم الله الرحمن الرحيم في أول الكتاب مستحب تأسياً بالكتاب
العزيز؛ فأول المصحف بسم الله
الرحمن الرحيم.
كما ينبغي تصدير الرسائل بها لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
كان يكتبها .
و قوله ( كتاب التوحيد) كتاب: مادة كتب تدور على الجمع والضم. و
سمي الكتاب كتابا لجمعه الحروف و الكلمات، و منه كتيبة الخيل -أي جماعة الخيل. و
يقال تكتّب آل فلان إذا اجتمعوا.
وعادة المؤلفين أنهم يقسمون
كتبهم إلى كتب و أبواب و فصول. فمثلا عندنا صحيح البخاري مشتمل على عدة كتب و
أولها
كتاب بدء الوحي.
ويذكر أهل العلم الحكمة في ذلك: التنشيط للنفس على الحفظ و التحصيل
بحيث يكون الشيء له ابتداء و ختم -أي نهاية. و من ثَمَّ كان
القرآن الكريم مقسَّم إلى سور.
هذا وجه الحكمة من تقسيم الكتاب إلى كتب وأبواب وفصول وتقسيم القرآن
الكريم إلى سور من أجل تنشيط النفس على الحفظ
والتحصيل وفي ذلك تسهيلٌ للمراجعة .
راجعي حاشية الروض المربع
لابن القاسم ـ رحمه الله تعالى.
قال النووي في شرح المهذب (1/ 77 ) :وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ
المصنفين كالجنس المستقل الجامع لأبواب .
تعريف التوحيد
التوحيد: لغة: من وحَّد الشيء يوحده توحيداً.
والتوحيد شرعا: هو إفراد الله
عز و جل في ربوبيته و ألوهيته و أسمائه و صفاته.
توحيد الربوبية: توحيد الله في أفعاله كالملك و الخلق و التدبير و
الإحياء و الإماتة.
وتوحيد الربوبية ما أنكره كفار قريش، و من أنكره من غيرهم من الملاحدة
فإنما هذا في الظاهر لا في الباطن.
وتوحيد الربوبية من آمن به و أقر به لا يكون موحدا حتى يقر بتوحيد
الألوهية.
و لهذا لما كان كفار قريش يقرون بتوحيد الربوبية و ما أقروا بتوحيد
الألوهية - بل قالوا (أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ
عُجَابٌ) و قال سبحانه (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)- ما نفعهم توحيد الربوبية حيث لم يقروا بتوحيد الألوهية.
وقد بين ذلك الإمام الصنعاني في كتابه (تطهيرالاعتقاد) والإمام النجدي
في (كشف الشبهات ) رحمهما الله .
ويلزم من توحيد الربوبية الإيمان بتوحيد الألوهية، يعني توحيد
الربوبية يلزم منه الإيمان بتوحيد
الألوهية.
توحيد الألوهية :توحيد الله في أفعال العباد كالدعاء و الصلاة
و الذبح و النذر و ما أشبه ذلك. ما يصرف العبادة لغير
الله عز و جل.
توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية. يعني من وحد الله عز و جل في
توحيد الألوهية فقد وحد الله في توحيد الربوبية.
فتوحيد الربوبية داخل
في ضمن توحيد الألوهية لأنه ما أقر بتوحيد الألوهية حتى كان مقرا بتوحيد الربوبية.
وأفاد أيضاً العلامة ابن عثيمين في (فتاوى أركان الإسلام )ص 50: أن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الأسماء
والصفات، لأن
الإنسان لا يعبد إلا من علم
أنه مستحق للعبادة، لما له من الأسماء والصفات، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: (يَا
أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً)
(مريم: الآية42) . فتوحيد العبادة متضمن لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات
اهـ.
و من أين عُرف هذا التقسيم أن أقسام التوحيد ثلاثة؟.
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله في مجموع
فتاواه(7/62): وقد أوضح أهل العلم رحمهم الله أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية
- وهو: إفراد الله بالعبادة - ويوجب ذلك ويقتضيه، ولهذا احتج الله عليهم بذلك.
وهكذا توحيد الأسماء والصفات يستلزم
تخصيص الله بالعبادة وإفراده بها لأنه سبحانه هو الكامل في ذاته وفي أسمائه
وصفاته، وهو المنعم على عباده، فهو المستحق لأن يعبدوه ويطيعوا أوامره وينتهوا عن
نواهيه.
وأما توحيد العبادة، فهو يتضمن
النوعين، ويشتمل عليها لمن حقق ذلك واستقام عليه علما وعملا. .اهـ
توحيد الأسماء والصفات :ألا نسمي الله ولا نصفه إلا بما جاء به الكتاب والسنة .و من أين عُرف هذا التقسيم أن أقسام التوحيد ثلاثة؟.
يقول أهل العلم عُرف ذلك
بالتتبع و الاستقراء. يعني بتتبع ذلك من الكتاب و السنة.
أقسام التوحيد ثلاثة، و بعضهم يجعلها أربعة بزيادة توحيد المتابعة.
******************
7371- قال رحمه الله تعالى: بَابُ مَا
جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ إِلَى
تَوْحِيدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي
مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُما«أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ».
7372 - وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا
الفَضْلُ بْنُ العَلاَءِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
صَيْفِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ
أَبَا مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ
يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ
جَبَلٍ إِلَى
نَحْوِ أَهْلِ اليَمَنِ قَالَ
لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ
مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا
ذَلِكَ،
فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ
قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا
صَلَّوْا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي
أَمْوَالِهِمْ
، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا
أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» .
************************
الكلام على رجال بعض الإسناد
أبو عاصم :هو الضحاك بن مخلد.
(وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي
الْأَسْوَدِ )
فائدة عن الشيخ الوالد مقبل بن هادي ـ رحمه الله تعالى ـ
الإمام البخاري له أربعة مشايخ يقال لكل واحد منهم عبد الله بن محمد:
عبد الله بن محمد بن أبي الأسود، و ابن أبي شيبة، و ابن أسماء، و المسندي الجُعفي.
وأفاد رحمه الله تعالى : أنه إذا أُطلق عبد الله بن محمد فهو المسندي
الجعفي.
يعني إذا وجدنا في الإسناد عبد الله بن محمد بدون تقييد بـ ( ابن أبي
الأسود، أو ابن أبي شيبة، أو ابن أسماء) فهو المسندي الجعفي.
(
... حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ)
إسماعيل بن أمية : ثقة.
وقد قال بعضهم من روى له البخاري و مسلم في صحيحيهما فقد جاوز
القنطرة.
قال ابن دقيق العيد في الاقتراح في بيان الاصطلاح ص55: وَكَانَ
شيخ شُيُوخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي يَقُول فِي الرجل يخرج
عَنهُ فِي الصَّحِيح هَذَا جَازَ القنطرة .
يَعْنِي بذلك أَنه لَا يلْتَفت إِلَى مَا قيل فِيهِ .
قال ابن دقيق :وَهَكَذَا يُعْتَقد وَبِه نقُول وَلَا نخرج عَنهُ
إِلَّا بِبَيَان شاف وَحجَّة ظَاهِرَة تزيد فِي غَلَبَة الظَّن على
الْمَعْنى الَّذِي قدمْنَاهُ من اتِّفَاق النَّاس بعد الشَّيْخَيْنِ
على تَسْمِيَة كِتَابَيْهِمَا بالصحيحين
وَمن لَوَازِم ذَلِك تَعْدِيل رواتهما اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري(الْفَصْل التَّاسِع فِي
سِيَاق أَسمَاء من طعن فِيهِ من رجال هَذَا الْكتاب):
يَنْبَغِي لكل منصف أَن يعلم أَن تَخْرِيج صَاحب الصَّحِيح لأي راو
كَانَ مُقْتَض لعدالته عِنْده وَصِحَّة ضَبطه وَعدم غفلته وَلَا سِيمَا مَا
انضاف إِلَى ذَلِك من إطباق جُمْهُور الْأَئِمَّة على تَسْمِيَة
الْكِتَابَيْنِ بالصحيحين وَهَذَا معنى لم يحصل لغير من خرج عَنهُ فِي الصَّحِيح
فَهُوَ بِمَثَابَة إطباق الْجُمْهُور على تَعْدِيل من ذكر فيهمَا .
هَذَا إِذا خُرِّج لَهُ فِي الْأُصُول فإمَّا إِن خرج لَهُ فِي
المتابعات والشواهد والتعاليق فَهَذَا يتَفَاوَت دَرَجَات من أخرج لَهُ مِنْهُم
فِي الضَّبْط
وَغَيره مَعَ حُصُول اسْم الصدْق لَهُم وَحِينَئِذٍ إِذا وجدنَا لغيره
فِي أحد مِنْهُم طَعنا فَذَلِك الطعْن مُقَابل لتعديل هَذَا الإِمَام فَلَا يقبل
إِلَّا مُبين
السَّبَب مُفَسرًا بقادح يقْدَح فِي عَدَالَة هَذَا الرَّاوِي وَفِي
ضَبطه مُطلقًا أَو فِي ضَبطه لخَبر بِعَيْنِه لِأَن الْأَسْبَاب الحاملة للأئمة
على الْجرْح مُتَفَاوِتَة عَنْهَا مَا يقْدَح وَمِنْهَا مَا لَا يقْدَح اهـ المراد
ونص العلامة الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة(11/ 668)عن
عبارة (…فقد جاوز القنطرة) أنها قاعدة غالبة اهـ
وتبين من كلام الحافظ أن عبارة أبي الحسن المقدسي مقيدة بمن خرَّج له
البخاري ومسلم في الأصول دون الشواهد
والمتابعات
والتعاليق وأنه لا بد من برهان واضح في الكلام في رواة الصحيحين.
وقال الحافظ في نزهة النظر :ورواتُهُما قد حَصَلَ الاتِّفاقُ على
القَوْلِ بتَعديلِهِمْ بطريقِ اللُّزومِ، فهُمْ مقدَّمون على غيرِهم في
رِواياتِهم،
وهذا أصلٌ لا يُخْرَجُ عنهُ إِلاَّ بدليلٍ اهـ
قلت :وأيضاً قد ينتقي الشيخان من حديث الراوي المتكلَّم فيه ما صح مثل
إسماعيل ابن أبي أويس انتقى البخاري من حديثه .
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (1/353)في الكلام على مطر
الوراق :وَلَا عَيْبَ عَلَى مسلم فِي إِخْرَاجِ حَدِيثِهِ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِي
مِنْ أَحَادِيثِ هَذَا
الضَّرْبِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ حَفِظَهُ، كَمَا يَطْرَحُ مِنْ أَحَادِيثِ
الثِّقَةِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَلِطَ فِيهِ، فَغَلِطَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَنِ
اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ
إِخْرَاجَ جَمِيعِ حَدِيثِ
الثِّقَةِ، وَمَنْ ضَعَّفَ جَمِيعَ حَدِيثِ سَيِّئِ الْحِفْظِ، فَالْأُولَى:
طَرِيقَةُ الحاكم وَأَمْثَالِهِ، وَالثَّانِيَةُ: طَرِيقَةُ أبي محمد ابن حزم
وَأَشْكَالِهِ، وَطَرِيقَةُ مسلم هِيَ طَرِيقَةُ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ، وَاللَّهُ
الْمُسْتَعَانُ.
والحاصل أنه لا يطمع أحد من ذوي الغرض والهوى في الطعن في الصحيحين
ورجالهما فقد حكى ابن الصلاح أن الأمة تلقت هذين
الكتابين بالقبول، سوى أحرف يسيرة، انتقدها بعض الحفاظ، كالدارقطني
وغيره (مختصر علوم الحديث لابن كثير ) .
وهذا يقتضي تعديل رواتهما وأن هذا هو الأصل في رجالهما ومن خُرِّج له
في الصحيحين في الأصول –أي اعتماداً-وفيه كلام فيُحمَلُ
على أنه انتُقي من حديثه .
(....لَمَّا بَعَثَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
(لمَّا )في اللغة العربية على ثلاث معان: لما
بمعنى حين. و منه هذا الحديث. و منه قول الله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ
الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ)
أي وقت، حين .
(لمَّا )بمعنى لم و منه قوله عز و جل: (كَلَّا
لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) لما في هذا الموضع بمعنى لم إلا أنها زيدت فيها ألف.
(لمَّا )بمعنى إلا و منه قوله تعالى (إِنْ
كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ) .
(
.... مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نحوِ أَهْلِ الْيَمَنِ)
أهل اليمن هم من عن يمين الكعبة. فما عن يمين الكعبة يقال له اليمن.
(
...إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا
تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ
فَأَخْبِرْهُمْ..... الحديث)
- هذا الحديث فيه من الفوائد-
- إرسال الدعاة إلى الله لتبليغ الناس الشرع.
- توجيه الدعاة إلى الله و ذلك ليكون عندهم
استعداد لما قد يكون له الحاجة كشبهة أو مخالفات.
- فضيلة لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ لأن
النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ أرسله مما يدل على أنه أهل للأمانة و
المعرفة.
وأرسل معه أبا موسى الأشعري وهذا
أيضاً يدل على فضله ـ رضي الله عنه. ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله
عنه- أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعَثَ مُعَاذًا
وَأَبَا مُوسَى إِلَى اليَمَنِ وقَالَ لهما: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا،
وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ
تَخْتَلِفَا».
بعث معاذا إلى صنعاء، و أبا
موسى الشعري إلى عدن. وأوصاهما بهذه الوصية العظيمة، و من ضمنها ( وتطاوعا ولا
تختلفا)؛ فإن
الاختلاف شر. و الاختلاف يذهب
القوة و يضعف قال سبحانه{ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}
الاختلاف سبب للفشل و للضعف.
( ريحكم) أي قوتكم.
فالواجب على المسلمين أن يكونوا يدا واحدة و صفا واحدا على كتاب الله
و سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم. و أن يبتعدوا عن الفرقة.
وهناك قصة ذكرها الشيخ الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: كان هناك
رجل حضرته الوفاة، فدعا بعدة عصي و جمع أولاده. فجمع
العصي التي عنده و قال لأحد أولاده: اكسرها. ما استطاع أن يكسرها
لأنها قوية مشدودة. ثم الثاني ، ثم الثالث .. وهكذا. فقال: هكذا
كونوا اهـ.
كونوا مجتمعين على قلب واحد فإن هذا قوة ما يطمع العدو إلا من
خلال الاختلاف. إذا وُجد الاختلاف يستطيع العدو أن يحقق ما في
نفسه سواء كان حاسدا أو عدوا من عدونا أعداء الملة و الدين.
ولهذا ينبغي الحرص على جمع الكلمة على البروالتقوى، و البعد عن
الخلاف؛ فإن هذا يشغل البال و يُحرِم الخير.
و قد كان الشيخ الوالد مقبل الوادعي ـ رحمه الله تعالى ـ يحث
على جمع الكلمة و يحذر من التفرق و التحزب و كان يخاف على طلاب العلم من التفرق،
يقول ـ رحمه الله تعالى ـ( أخشى عليكم من الفُرقة) .
- أن الداعي إلى الله لابد أن يكون عنده
معرفة بحال المدعوين حتى تكون دعوته على نور و بصيرة.
- عموم بعثة النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم. لأنه إذا كان مرسلا إلى أهل الكتاب، فغيرهم من باب أولى ممن ليس عندهم كتاب.
و قد قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا
وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) فرسالة النبي ـ صلى
الله عليه وعلى آله
وسلم ـ عامة للثقلين.
- البدء بالأهم فالأهم في التعليم و الدعوة.
وهذه طريقة الرسل؛ البدء بالدعوة إلى التوحيد و الاهتمام بالتوحيد { وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ } أول ما يُبدأ به
في التعليم التوحيد والعقيدة.
وروى ابن ماجة في سننه عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:
كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ،
«فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ
تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا» .
ومن هُنا يُعلم خطأ البدء بتعليم القرآن وحده دون أن يُضم إليه
التوحيد والعقيدة.
فأول ما يُبدأ به ويُهتم به هو التوحيد والعقيدة؛ فإن هذه هي دعوة
أنبياءالله ورسله .
-وقوله في الحديث : " فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى
أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى"
هذا هو شهادة أن لا إله إلا الله. و معنى لا إله إلا الله أي لا معبود
بحق إلا الله.
( لا إله إلا الله )لها ركنان: نفي و إثبات.
النفي في قوله (لا إله) نفي
لجميع المعبودات سوى الله عز و جل.
الإثبات في قوله ( إلا الله) و هذا فيه الإثبات. إثبات العبادة لله عز
و جل وحده.
شروط لا إله إلا الله ثمانية مجموعة في قول الشاعر:
علم يقين و إخلاص و صدقك مع
محبة
و انقياد و القبول لها
و زيد ثامنها الكفران منك بما
سوى
الإله من الأوثان قد أُلِّها
العلم المنافي للجهل هناك من يقول لا إله إلا الله، و هو يقع في الشرك
لأنه ماعرف معنى لا إله إلا الله، و شروطها و أركانها.
والشرط الثامن البراءة، الكفر بكل ما يعبد من دون الله عز و جل. سواء
كان صنما أو حجرا أو غير ذلك.
لا بُد من البراءة من الشرك وأهل الشرك
ما يكفي أن يقول أنا على ديني، و النصراني على دينه واليهودي على دينه
( لكم دينكم ولي دين ) بل لا بُد من البراءة قال تعالى { قَدْ
كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ
قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ
إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ
مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ}.
ويراجع شرح هذه الشروط في
معارج القبول للشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى.
- وجوب خمس صلوات في اليوم و الليلة.
-استدل به جمهور العلماء على استحباب صلاة الكسوف، و تحية المسجد، و
ركعتي الطواف و ما أشبه ذلك، قالوا: يدل على أن هذه الصلوات مستحبة و ليست
بواجبة.
و يُجاب عن هذا الدليل بأنه المراد به ما يتكرر بتكرر اليوم و الليلة.
كما في كتاب الصلاة
لابن القيم ـ رحمه الله تعالى- .
والصحيح وجوب صلاة الكسوف و
تحية المسجد وركعتي الطواف.
-دليل على أن صلاة الوتر نافلة وهذا عليه
الجمهور و خالف الحنفية و قالوا إنها فرض .و ليس بصحيح يرد قولَهم هذا الحديث.
وهكذا صلاة الضحى الحديث دليل على استحبابها
لأنها تتكرر بتكرر اليوم و الليلة.
- التدرج في التعليم ما يُعطَى العلم دفعة واحدة ( من أراد العلم
جملة فاته كله). و يقول الزهري ـ رحمه الله تعالى ـ لتلميذه يونس بن
يزيد: ( يا يونس لا تكابرهذا العلم- أي لا تغالبه - فإنما هو أودية ولكن
خذه مع الأيام و الليالي) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم و فضله.
و التدرج في الدعوة والتعليم داخل في ضمن التيسير، داخل في حديث (
يسرا و لا تعسرا).
فإنه إذا ألقى العلم بتدرج يُحبِّب العلم إلى الناس
ويُسهله عليهم فتندفع الهمم إلى أخذ العلم.
قال الحافظ في فتح الباري(68) … وَكَذَا تَعْلِيم الْعِلْمَ
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِالتَّدْرِيجِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ فِي
ابْتِدَائِهِ سَهْلًا حُبِّبَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُ فِيهِ وَتَلَقَّاهُ بِانْبِسَاطٍ
وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ غَالِبًا الِازْدِيَادَ بِخِلَافِ ضِدِّهِ وَاللَّهُ
تَعَالَى أَعْلَمُ .
- وجوب الزكاة في مال الغني إذا بلغ النصاب و
حال عليه الحول.
الغني في هذا الحديث هو من ملك النصاب وحال عليه الحول.
الغني في حديث أبي هريرة المتفق عليه ( مطل الغني ظلم) هو من قدر على
أداء الدين. فمن قدر على أداء الدين فهوغني يجب عليه أن يدفع الدين لصاحبه.
الغني في باب المسألة يقول النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ هو
من عنده ما يغديه و يعشيه.
هذا لا يحل له أن يسأل؛ وباب المسألة مضيق.
فالغني له ثلاث حالات.....
- صرف الزكاة إلى الفقراء.
و هذا أحد مصارف الزكاة. و قد ذكر الله عز و جل المصارف في سورة
التوبة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ
عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ) هؤلاء ثمانية.
- التحذير من أخذ كرائم أموال الناس.
الكرائم: الشيء النفيس. و معناه أنه يأخذ وسطا لا يأخذ رديئا و لا نفيسا.
- التحذير من الظلم. و إذا كان هذا في ظلم
واحد يحذّر النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ منه، فكيف بمن يتكرر منه ظلم إخوانه
المسلمين في دمائهم و أموالهم و أعراضهم.
-لم يُذكَر في الحديث الصيام والحج وهي من
أركان الإسلام والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما أرسل معاذاً قبل موته .
وقد ذكر ذلك شيخُ الإسلام في مجموع الفتاوى (7/609) وأجاب عنه وقال:وَمُعَاذٌ أَرْسَلَهُ إلَى الْيَمَنِ فِي آخِرِ
الْأَمْرِ بَعْدَ فَرْضِ الصِّيَامِ؛ بَلْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بَلْ بَعْدَ
تَبُوكَ وَبَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ وَالْجِزْيَةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَمُعَاذٌ بِالْيَمَنِ وَإِنَّمَا قَدِمَ
الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصِّيَامَ
لِأَنَّهُ تَبَعٌ وَهُوَ بَاطِنٌ وَلَا ذَكَرَ الْحَجَّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ خَاصٌّ
لَيْسَ بِعَامِّ وَهُوَ لَا يَجِبُ فِي الْعُمُرِ إلَّا مَرَّةً اهـ.
فاستفدنا من كلام شيخ الإسلام أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
اقتصر على الأمور الظاهرة أما الصيام فهو تبَعٌ وأمر باطن أي خفي يُفْعَل سراً
فممكن يتركه بين الناس ويأكل خفية .
وأجاب عن الحج بأنه إنما يجب في العمر مرة أي بخلاف الأركان الأولى
الثلاثة الشهادتان والصلاة يلازمها حتي يلقى ربه والزكاة وهي الركن الثالث تجب في
كل عام مرة في المال الذي فيه زكاة إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول .
وبهذا ننتهي ولله الحمد .