للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل

الأربعاء، 17 أبريل 2019

(5)اختصار الدرس الثاني من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية


حكم صيام يوم الغيم -يوم الشك


اختلف العلماء على قولين:


·    فمنهم من ذهب إلى أنه لا يجوز صوم يوم الغيم على أنه من رمضان للأحاديث التي فيها تعليق الحكم برؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين،ومن هذه الأحاديث:


قول النبي صلى الله عليه وسلمإذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» أي: أكملوا عدة شعبان ثلاثين، كما عند البخاري، وفي رواية مسلم «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ».


ولحديث النهي عن تقدُّمِ رمضان بيومٍ أو يومين. روى البخاري (1914 ومسلم (1082) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ»ومن صام يوم الشك فقد تقدم رمضان بيوم. 


ولقول عمار بن ياسر: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، وهذا قول جمهور العلماء.


·    ومنهم من ذهب إلى وجوب صيام يوم الغيم احتياطًا للدين، لما جاء عن ابن عمر من فعله،«قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ –بن عمر-إذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحِلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا».


ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» رواه الترمذي (2518 والنسائي (5711) عن الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.


وأجابوا عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» أي: ضيقوه واجعلوه تسعًا وعشرين. وهذا قول جمهور الحنابلة في المشهور عنهم. 


وقالوا: فعل ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يفسر هذه الرواية «فَاقْدُرُوا لَهُ» لأن الصحابي إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم فسره وجب الرجوع إلى تفسيره، لأنه أعلم بمرويه.



والصحيح ما تقدم كما فسره بذلك حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم، والأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا، والروايات يفسر بعضها بعضًا،«فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».


 وأما الاستدلال بفعل ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فهذا مخالف لما روى، وفي القاعدة أنه إذا خالف الصحابي مرويَّه فالعبرة بما روى لا بما رأى.


وأما الاستدلال بحديث «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» فهذا في غير موضعه لأنه مصادم لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ».


فالحاصل في حكم صوم يوم الغيم -وهو يوم الشك على الصحيح-أنه لا يجوز صومُه، سواء كان بنية رمضان احتياطًا أو نافلة..،إلا من كان له عادة صيام لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَلا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ».


وكذا من كان عليه صيام واجب كقضاء وصيام نذر عليه من قبلُ .. له أن يصوم.


ومن نذر أن يصوم يوم الشك فإنه لا يصح نذره،لنهي النبي صلى الله عليه على آله وسلم عن صيام يوم الشك. والله أعلم.

الاثنين، 15 أبريل 2019

(4)تابع اختصار الدرس الثاني من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية



وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا.

حديث عمار بن ياسر صحيح.



واختلف أهل العلم في الصيغة التي يحكم الصحابي فيها على فعل من الأفعال أو قول من الأقوال أنه معصية أو طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل هذا له حكم الرفع؟

·        جمهور العلماء على أنه له حكم الرفع.

·        وذهب بعض العلماء أنه ليس له حكم الرفع لجواز أن يكون فهم الصحابي ذلكَ من عموماتٍ وقواعدَ عامَّة، وهذا قول البُلقيني  وأبي القاسم الجوهري، وهو الذي استفدناه من والدي الشيخ مقبل رحمهم الله تَعَالَى، والله أعلم.


قوله: «وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا» المعلق: هو أن يحذف المؤلف شيخه فأكثر.




المراد بيوم الشك عند أهل العلم واختلافهم فيه


يوم الشك عند الحنابلة: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء ليلة الثلاثين صحوًا وتقاعد الناس عن ترائي الهلال، أو شهد برؤيته من لا يُعتد بقوله.


يوم الشك عند الشافعية: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث بالرؤية مَن لا يعتد بقوله كامرأة أو عبد أو فاسق، وهو قول بعض أئمة المالكية منهم ابن عبدالسلام، وقول أحمد في رواية عنه.


وأما يوم الغيم المطبق فليس عندهم يوم شك، واحتجوا بحديث «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ»، فإنه يدل على أن ليلة الغيم جاء فيها الأمر بإكمال عدة شعبان ثلاثين، وعدم الرؤية لا يثير شكًّا.


يوم الشك عند المالكية والحنفية: إِذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ تَثْبُتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَصَبِيحَةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ هُوَ يَوْمُ الشَّكِّ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمِ شَكٍّ.


وهذا القولُ الأخير هو القول المشهور وهو القولُ الصحيح أن يوم الشك هو اليوم الثلاثون إذا حال دون رؤية الهلال سحاب أو غيم أو قترة كالتراب، أو دخَّان أو ضباب وما شابه ذلك.


أما إذا لم يُر الهلال ليلة الثلاثين من شعبان و لم يكن هناك حائل عن الرؤية فلا لبْسَ فيه حتى يكون يوم شك. لأن الشك استواء الطرفين. والمراد هنا أنه استوى طرف العلم وطرف الجهل فلا يُعلم أهو من شعبان أو من رمضان؟ لأنه يحتمل أن يكون الهلال ظهر وأنه لم يظهر.

ولذلك قيل له يوم الشك: لأنه مشكوك فيه هل هو من شعبان أو من رمضان؟

(3)اختصار الدرس الثاني من كتاب الصيام للمجد ابن تيمية




عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» أَخْرَجَاهُ هُمَا وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

«إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» أي: رأيتم هلال رمضان، «وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» أي: هلال شوال. والمراد رؤية بعض الناس وليس جميعهم.

 في هذا الحديث من الفوائد:

·        أن الصوم والفطر يكون برؤية الهلال، أو بإكمال العدة ثلاثين.

وهذا من جملةِ الحِكَم والآيات في خلق الله عَزَّ وَجَل الأهلة.

قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189].

فبالأهلة تُعرف الشهور والسنين، وبذلك يعرف الناسُ صومَهم وإفطارهم وحجهم وحلول زكاة أموالهم، وأعيادهم، ومدة الإيلاء، والعِدَدِ: كعدة المتوفى عنها زوجها، واليائسات من الحيض وكذلك اللائي لم يحضن، ومعرفة حلول قضاء الدَّين والإجارات، وكثير من المعاملات التي تحتاج إلى تاريخ.

 أما التاريخ الشمسي: فهو نسبة إلى الشمس، ومبنى حسابه على الأيام، وهذا ليس هو المراد.


وقد استنبط القرطبي رحمه الله -في  «تفسيره»- من هذه الآية: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾[التوبة: 36]: أَنَّ الْوَاجِبَ تَعْلِيقُ الْأَحْكَامِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا بِالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ الَّتِي تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ، دون الشهور التي تعتبرها الْعَجَمُ وَالرُّومُ وَالْقِبْطُ. اهـ.

ولا بأس باستعمال التاريخ الشمسي الميلادي للحاجة، أما لغير الحاجة فالواجب اقتفاء سلف هذه الأمة، والتاريخ بتاريخها، بالشهور والسنين العربية القمرية.



·         الرد على من يقول بالاعتماد على أرصدة الحساب الفَلَكية في إثبات الأهِلَّة.


قال الحافظ في «فتح الباري» (1913): عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالصَّوْمِ وَغَيْرِهِ بِالرُّؤْيَةِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ فِي مُعَانَاةِ حِسَابِ التَّسْيِيرِ وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي الصَّوْمِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُ السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِنَفْيِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ أَصْلًا وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَقُلْ فَسَلُوا أَهْلَ الْحِسَابِ. اهـ.

·        اعتماد خبر العدول في دخول شهر رمضان وخروجه.وعند جمهور العلماء يكفي عدلٌ واحدٌ في الصوم،وأما في الفطر فلا بد من عدلين.



قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثُمَّ عَقَدَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ » يستفاد منه:

·         التعليم بالفعل.

·        أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين، فلا يكون الشهر باستمرار ثلاثين يومًا.

وروى البخاري(5302)واللفظ له، ومسلم (1080) عن ابْنِ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: : «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» - يَعْنِي: ثَلاَثِينَ - ثُمَّ قَالَ: «وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» - يَعْنِي تِسْعًا وَعِشْرِينَ - يَقُولُ: مَرَّةً ثَلاَثِينَ، وَمَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ.


وقد ذكر النووي في «شرح صحيح مسلم» (7/190- 191) أنهم قَالُوا: وَقَدْ يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا فِي شَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَلَا يَقَعُ فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ. اهـ.


ونقص الشهر إلى 29 قد يكون في رمضان كما يكون في غيره. وأما الحديث الذي رواه البخاري (1912 ومسلم (1089) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «شَهْرَانِ لاَ يَنْقُصَانِ، شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ، وَذُو الحَجَّةِ». فمعناه كما قال النووي رَحِمَهُ اللَّهُ في «شرح صحيح مسلم» (7/199): لَا يَنْقُصُ أَجْرُهُمَا وَالثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُهُمَا. وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وَقَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا..». وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذِهِ الْفَضَائِلِ تَحْصُلُ سَوَاءٌ تَمَّ عَدَدُ رَمَضَانَ أم نقص والله أعلم. اهـ. المراد.

 ولا يتجاوز الشهر القمري ثلاثين، ولا ينقص عن تسع وعشرين.


«ثُمَّ عَقَدَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ» أي: ضم الإبهام، والإبهام الإصبع العُظمى.

(9) فوائد من دروس التبيان في آداب حملة القرآن




عن جُنْدَبَ بنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» رواه مسلم (657).


«مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ» قال الطيبي رَحِمَهُ الله في شرح «مشكاة المصابيح» (3/896): خُصَّ صلاة الصبح بالذكر، لما فيه من الكلفة والمشقة.


وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ» أي: في عهد الله وأمانه وحِفْظِه.


قال ابن الجوزي رَحِمَهُ الله في «كشف المشكل» (2/49):معنى الحَدِيث: أَن من صلى الْفجْر فقد أَخذ من الله ذماما فَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يُؤْذِيه بظُلْم، فَمن ظلمه فَإِن الله يُطَالِبهُ بِذِمَّتِهِ.


وقيل في معنى الحديث: المراد أن المصلي في جماعة الصبح إذا خالف ما أمر به خذلته ذمة الله التي هي الحفظ والكلاءة. ذكره الصنعاني رحمه الله في «التنوير شرح الجامع الصغير» (10/282).


والقول الأول هو المشهور.وأما ما ذكره الصنعاني فالمراد أن مَنْ صلَّى الفجر فعليه أنْ يلتزم بالأوامر ويجتنب النواهي.

« فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنْ ذِمَّتِهِ»قال القاري في «مرقاة المفاتيح» (2/541): «مِنْ ذِمَّتِهِ» : أَيْ: مِنْ أَجْلِ ذِمَّتِهِ. اهـ.

في هذا الحديث من الفوائد:


ومن فضائلِ هذه الصلاة:

·    ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في راتبة الفجر: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». رواه مسلم (725) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

وإذا كان هذا في راتبة الفجر فكيف بفريضة الفجر.

·    أنها سببٌ لدخول الجنة والنجاة من النار.روى البخاري (574ومسلم (635) عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ».

 والبردان: صلاة الفجر والعصر.

·    من أسباب رؤية الله في الآخرة.روى البخاري (554ومسلم  (633) عن جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»

·    شهود الملائكة لصلاة الفجر.روى البخاري(4717ومسلم (649) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَضْلُ صَلاَةِ الجَمِيعِ عَلَى صَلاَةِ الوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَتَجْتَمِعُ مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ» يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ:  اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78].

ومن فوائد الحديث:

·    احترام مَن صلى صلاة الفجر، وعدم التعرض له بالأذى والسوء.

·    ظاهر الحديث العموم سواء صلى صلاة الصبح في جماعة أو منفردًا، رجلًا أو امرأة.
 ولكن لا يجوز للرجل أن يتخلَّف عن صلاة الجماعة لغير عذر شرعي.


·    هذا الحديث مِنْ أدلَّة السعادة.

فاحرص أيُّها المسلم على أداء هذه الفريضة لتنالَ رضا الله سبحانه عنك، ولتكون سعيدًا إن شاء الله في الأُولى والأُخرى.


·    مفهوم الحديث أن من لم يصلِّ صلاةَ الصبح فهو ليس في حفظِ الله ولا أمانه. وهذا حِرْمان وخذيلة.


·    عدم أذية العلماء وحفاظ القرآن، لأنهم مِنْ أولِ مَن يشمله هذا الحديث، وهذا هو الشاهد منه.

قال الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ الله في «شرح مقدمة المجموع» (77): إذا كان المصلي في ذمَّةِ الله وعهده، فما بالُكَ بمَنْ هو أتقى لله وأعظم!

(8) فوائد من دروس التبيان في آداب حملة القرآن





في هذا الباب جملةٌ من الأدلة في احترام أهلِ القرآن وتوقيرهم وإكرامهم،وبيان أن تعظيمَهم من تعظيمِ شعائر الله منها:

الحديث الأول: عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول: «أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فإذا أشير إلى أحدهما، قدمه في اللحد. رواه البخاري.


«اللحد» قال النووي رَحِمَهُ الله: وهو شَق في جانبه القِبْلي يُدخل فيه الميت.


يستفاد من هذا الحديث:

·    جواز دفن اثنين فأكثر في القبر ولا ينبغي هذا إلا عند الحاجة، مثل: كثرة الموتى وعدم وجود أمكنةٍ كافية للجميع.

·    اللحد في القبر دون الشَّقِّ، والأمران جائزان، ولكن الأفضل وضع لحد في القبر

 لقول النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رواه أبو داود في «سننه» (3208) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

 ولأن النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وُضِعَ له لحد، والله لا يختار لنبيه إلا الأفضل.


قال النووي رَحِمَهُ الله في «المجموع» (5/287):أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الدَّفْنَ فِي اللَّحْدِ وَفِي الشَّقِّ جَائِزَانِ لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ صُلْبَةً لَا يَنْهَارُ تُرَابُهَا فَاللَّحْدُ أَفْضَلُ لِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَإِنْ كَانَتْ رِخْوَةً تَنْهَارُ فَالشَّقُّ أَفْضَلُ. اهـ.

الشق: هو عبارة عن حفرة في الأرض. أما اللحد فيكون في جانب الحُفْرة، يُجعلُ حفرة فإذا انتهت المسافة يوضع لحد في جانب الحفرة  جهة القبلة.


·    هذا الحديث يتعلق بأحكام الجنائز.


·    وفيه فضل أهل القرآن وتقديمهم. وهذا من باب إنزال الناس منازلهم. فالأكثر أخذًا للقرآن أحق بتقديمه في الإنزال في القبر.



الحديث الثاني: عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الله عز وجل قال: «مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنَنِي بِالْحَرْبِ». رواه البخاري.

(آذَنَنِي) الأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ ﴾ [التوبة:3].


وفيه من الفوائد:

·       فضل أولياء الله عَزَّ وَجَل. والعلماء مِن أوَّل مَن يدخل في هذا الحديث لمكانتهم وشرفهم. قال ابن القيم في «مفتاح دار السعادة» (1/66): وورثة الأنبياء سَادَات أولياء الله عز وَجل. اهـ.


·       أنَّ أذى أولياء الله وعلى رأسهم أهل القرآن كبيرة من الكبائر وخطر عظيم، وكما قال الله:﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:58].

وأذى العلماء أهل القرآن أنواع يشمل: الافتراء عليهم، والاستخفاف بهم، وغيبتهم وسبهم، وتتبع زلاتهم وظُلمهم، وتسليط أهل الشر عليهم.

الخميس، 11 أبريل 2019

فوائد من دروس التبيان في آداب حملة القرآن


وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت:أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ننزل الناس منازلهم. رواه أبوداود والبزار.

هذا الحديث رواه مسلم معلَّقًا وفي إسناده انقطاع لكن معناه صحيح .


فمن حكمة الله أن جعل الناس يتفاوتون في المنزلة والفضيلة،كما قال تَعَالَى:﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾[الأنعام:165].

ومن الأمثلة:

·         الصحابة رضي الله عنهم لهم فضل ومنزلة على غيرهم.والصحابة أنفسهم يتفاوتون فيما بينهم في الفضل،فأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.

·        والمهاجرون أفضل من الأنصار.قال الحافظ ابنِ كثير في تفسير قوله تعالى:﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا :أَيْ:وَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَدًا لِلْمُهَاجِرِينَ فِيمَا فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالشَّرَفِ وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ وَالرُّتْبَةِ.اهـ.

·        العلماء لهم منزلتهم ومكانتهم،قال تَعَالَى:﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة:11].

·         لا يستوي الصالح المطيع،والعاصي الفاسق الوضيع،﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ﴾[الرعد:16].

·        مراعاة مراتب الإمامة،كما ثبت عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَيَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ،فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً،فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ،فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً،فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً،فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً،فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا،وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ،وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» رواه مسلم (673وفي رواية لمسلم «سِنًّا».بدل «سِلْمًا».

·        تقديم العقلاء والبالغين خلف الإمام،روى مسلم (432) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ،قَالَ:كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ،وَيَقُولُاسْتَوُوا،وَلَا تَخْتَلِفُوا،فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ،لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».

·        تقديم ولاة الأمر أهلَ الفضل والعلم وجعلهم أصحاب مجلس مشورته، قال عبد الله بن عباسوَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ،كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا» رواه البخاري.

·        عند دفن اثنين فأكثر في قبر واحد إذا كان هناك ضرورة يُقَدَّمُ أحفظهم للقرآن،لِمَا روى البخاري (1343) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،قَالَ:كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ،ثُمَّ يَقُولُأَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ»،فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ.

·        الرواة لهم مراتبهم ومنازلهم فمنهم الثقة والصدوق والضعيف والمتروك،وكلٌّ يُنزَّل منزلته،لا يُنْزَل عن رُتبته،ولا يُتجاوَز الحَدُّ في تزكيته.

·        إنزال الناس منازلهم مِن حيث التعليم والتربية فكلٌّ على مستواه وإدراكه.

·        كبار السن لهم منزلتهم وتوقيرهم.

·         الآباء والأُمهات لهم منزلتهم ومكانتهم.

·        فالناس على مراتب من حيث الفضل والإكرام والاحترام والمنزلة،وقد جاء حديث « إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ » رواه ابن ماجه في «سننه» (3712وذكره الشيخ الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1205).

والذي يعرف منازل الناس هم أهل الفضل والمعرفة،وليس أهل الجهل والغباوة.

قال الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (11/ 321) ترجمة الإمام أحمد:الجاهلُ لاَ يَعلَمُ رُتْبَةَ نَفْسِه،فَكَيْفَ يَعْرِفُ رُتْبَةَ غَيْرِهِ.اهـ.