الإيمان بالقدر
قال تَعَالَى: {مَا
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا
تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)}[الحديد].
قال الشيخ ابن عثيمين
رَحِمَهُ اللهُ في «شرح العقيدة الواسطية» (2/179): {فِي الْأَرْضِ}: كالجدب
والزلازل والفيضانات وغيرها.
﴿ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾:
كالمرض والأوبئة المهلكة وغير ذلك. اهـ.
وقوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ﴾ أي: نخلقها.
وهل الضمير في ﴿نَّبْرَأَهَا ﴾ يعود إلى مصيبة أو إلى الأرض أو إلى
الأنفس؟
أقوال، قال ابن القيم
رَحِمَهُ اللهُ في «شفاء العليل»(194): أخبر
سبحانه أنه قدَّر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم، قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة
أو الأرض أو المجموع، وهو الأحسن. اهـ.
أي: قبل أن نبرأ
المصيبة والأرض والأنفس.
وفيه: أنه لا تنزل مصيبة إلا والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قد
علمها وكتبها قبل خلقها، وفيه: أن الله عَزَّ
وَجَلَّ يخبر بالابتلاءات والمصائب قبل وقوعها؛ ليستعد المؤمن لها، وليكون ذلك عونًا
على تحمل المشقة والمحنة، وكما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ
قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾ [آل عمران: 186]، وقال سُبحَانَهُ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ
الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)﴾
[البقرة: 155]، ويقول سُبحَانَهُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ
شَيْءٍ عَلِيمٌ (11)﴾ [التغابن: 11]، فالله عَزَّ وَجَلَّ يخبرنا بذلك؛ ليعيننا على
التسليم والانقياد والصبر.
والمؤمن له حالان:
حال قبل نزول القدر
المؤلم، وحال بعد نزوله.
أما قبل نزول القدر فالمؤمن يدعو الله ويستعين
به، ويوطن نفسه للصبر، ومن أدعية النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ
الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَذَّةَ النَّظَرِ فِي وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى
لِقَائِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءٍ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» رواه ابن أبي
عاصم في «السنة» (427) عن فَضَالة بن عبيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو في «الصحيح
المسند» (1058) للوالد عليه رحمة الله.
والحالة الثانية بعد نزول القدر، وهذا يجب فيه
الصبر وعدم التسخط على قدر الله سُبحَانَهُ.
وما أحوجنا أن نربي نفسنا على الإيمان بالقدر،
وأن نعرف أن القدر لا يسير بتسييرنا وعلى مزاجِنا، إنما يسيِّره الله سُبحَانَهُ
الحَكَمُ العدل، قال الله سُبحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ [يونس: 22].
وهذه الدار الدنيا دار محفوفة بالآلام والمصائب،
كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4)﴾ [البلد: 4]، فلم يخلقنا الله
سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للراحة والاستقرار عليها، إنما هي عبارة عن مركب وجسر نمر
عليه إلى دار الآخرة؛ ولذلك يقولون: الدنيا مزرعة للآخرة.
[مقتطف من دروس العقيدة
الواسطية لابنة الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله]