جديد المدونة

جديد الرسائل

الثلاثاء، 18 يوليو 2023

(21) الطب والمرضى

 

                                الأفكار والوحدة

 

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» رواه مسلمٌ (2664).

 

معنى «عَمَلَ الشَّيْطَانِ»  أي: وساوسه، والوساوس تتراكم على القلب، ولا تنتهي، إذا افتتح باب الوساوس «ليتني فعلت، وليتني فعلت»، لا تنتهي حتى يثقلَ الرأس، وتضعف المعنوية، ويُشغل القلب، ويضيع الوقت، ويفتح مدخلًا  للشيطان.

وابن القيم رَحِمَهُ اللهُ ذكر أشياء تُضر بالعقل، ومنها: الوحدة، والأفكار، وَالسُّكْرُ، وَكَثْرَةُ الضَّحِكِ، وَالْغَمُّ. كما  في «زاد المعاد»(4/379).

فالأفكار تُسبب الكآبة، وشُغل البال، والأرَق، والقلق، والخُمُول، وقد تؤدي إلى الاعتراض على قدر الله عَزَّ وَجَل، وإلى أمراض نفسية، وإلى الجنون.

والوحدة المذمومة هي: الانفراد عن الأهل والعائلة والناس باستمرار.

 هذا قد يؤدي إلى أمراض نفسية، الوحدة في موضِعِها جميلة لكن لا على وجه الاستمرار، النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقول: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» رواه الإمام أحمد (5022).

ولكن في بعض الأحيان الوحدة- الخلوة- محبوبة، النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كان يخرج إلى غار حراء، فيتحنث فيه ذوات العدد من الليالي.

وكما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه.. الحديث وفي آخره: وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» رواه البخاري (660ومسلم (1031).

والوحدة هي: الخلوة والانفراد، وهي تعين على جمع الفِكر، وتيسير الحفظ، وجلب الخشوع، وفيها سلامة للقلب، وصيانة الدين، لكن من غير استمرار.

قال ابن القيم في «مدارج السالكين»(3/156): فَفِي الْقَلْبِ شَعَثٌ، لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ، وَفِيهِ وَحْشَةٌ، لَا يُزِيلُهَا إِلَّا الْأُنْسُ بِهِ فِي خَلْوَتِهِ...

وقال رَحِمَهُ الله  في «بدائع الفوائد»(3/224): ومتى رأيت نفسك تهرب من الأنس به إلى الأنس بالخلق، ومن الخلوة مع الله إلى الخلوة مع الأغيار، فاعلم أنك لا تصلح له. اهـ.

والمسألة اعتزال للشر وأهله، ومخالطة للخير وأهله.