فصل ـ المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار
ووداعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَن بالمدينة من اليهود، وكتب بذلك كتاباً وأسلم حبرُهم عبدُ الله بن سلام رضي الله عنه، وكفر عامَّتُهم وكانوا ثلاث قبائل: بنو قيقناع، وبنو النضر، وبنو قريظة. وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بهذا الإخاء في ابتداء الإسلام إرْثاً مقدماً على القرابة. وفرض الله سبحانه وتعالى إذ ذاك الزكاة رفْقاً بفقراء المهاجرين، وكذا ذكر ابن حزم في هذا التاريخ، وقد قال بعض الحفاظ من علماء الحديث: إنه أعياه فرض الزكاة متى كان.
******************************
هذا الفصل في الأمور التي وقعت ابتداء قدوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة.
لما قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة انقسم الكفار إلى ثلاثة أقسام:
•
منهم من وادعوه وهؤلاء هم ثلاث طوائف من اليهود: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير.
•
ومنهم من حاربوه ونصبوا له العداوة.
•
ومنهم من توقف فلم يكن مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يحاربوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد.
وسيأتي الكلام على طوائف اليهود الثلاث إن شاء الله حيث يذكره ابن كثير .
وكانت الموادعة على الأمن، الأمن على النفس والمال والأولاد .
(وأسلم حبرهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه)
حبرهم أي عالمهم وكان سيداً لهم، عبد الله بن سلام بتخفيف اللام .
هذا فيه تاريخ إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وعبد الله بن سلام من بني قينقاع.
لما استقر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في دار أبي أيوب جاء عبد الله بن سلام وأسلم رضي الله عنه .
وقصة إسلامه في صحيح البخاري (3911) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفيه)...فَلَمَّا جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ، وَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ. فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْبَلُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَعْشَرَ اليَهُودِ، وَيْلَكُمْ، اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ، فَأَسْلِمُوا»، قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَهَا ثَلاَثَ مِرَارٍ، قَالَ: «فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ؟» قَالُوا: ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، قَالَ: «أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟»، قَالُوا: حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: «أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟» قَالُوا: حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟، قَالُوا: حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: يَا ابْنَ سَلاَمٍ اخْرُجْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
نستفيد من هذا وقت إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وأنه كان من كبار وعلماء اليهود،
ومنَّ الله عليه وأسلم .
قال الحافظ في فتح الباري(3812) عبدالله بن سلام بتَخْفِيف اللَّام ابن الْحَارِثِ مِنْ بَنِي
قَيْنُقَاعَ وَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْحُصَيْنُ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ أخرجه ابن مَاجَة وَكَانَ مِنْ
حُلَفَاءِ الْخَزْرَجِ مِنَ الْأَنْصَارِ أَسْلَمَ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ .
(وكفر عامتهم وكانوا ثلاث قبائل: بنو قيقناع، وبنو النضر، وبنو قريظة)
عامة اليهود كفروا بغيًا وحسدًا.
(وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بهذا الإخاء في ابتداء الإسلام إرثاً مقدماً على القرابة)
وهذا كان في أول الأمر آخى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجري يرث من الأنصاري دون رَحِمِه ، دون أقربائه دون أبيه دون ولده الخ .
واختلفوا متى كان ابتداء المؤاخاة ؟.
قال الحافظ في فتح الباري (3937)وَاخْتَلَفُوا فِي ابْتِدَائِهَا فَقِيلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ بِتِسْعَةٍ وَقِيلَ وَهُوَ يَبْنِي الْمَسْجِدَ وَقِيلَ قَبْلَ بِنَائِهِ وَقِيلَ بِسَنَةٍ وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ قَبْلَ بَدْرٍ .
إلى أن قال رحمه الله : وَكَانَ ابْتِدَاءُ الْمُؤَاخَاةِ أَوَائِلَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ وَاسْتَمَرَّ يُجَدِّدُهَا بِحَسَبِ مَنْ يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ يَحْضُرُ إِلَى الْمَدِينَةِ .اهـ
واستمرت المؤاخاة إلى غزاة بدر قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (3/ 56) ..آخَى بَيْنَهُمْ عَلَى الْمُوَاسَاةِ،
يَتَوَارَثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ إِلَى حِينِ وَقْعَةِ
بَدْرٍ . اهـ
وقال ابنُ الجوزي رحمه الله في كشف المشكل(1/ 220) وَلم يكن بعد غزَاة بدر مؤاخاة، لِأَن
الْغَنَائِم وَقعت بِالْقِتَالِ، فاستغنى الْمُهَاجِرُونَ بِمَا كسبوا.
وهذا من مناقب الأنصار، ومن محبتهم للمهاجرين، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتِ الأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ، وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَهْيَمْ. قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟. قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ .
وفي هذه القصة منقبة عظيمة لهذين الصحابِيَّين سعد بن الربيع في غاية الإيثار، وعبدالرحمن في غاية العفة رضي الله عنهما.
ثم بعد ذلك نُسِخ المؤاخاة بالميراث وفي ذلك يقول السيوطي:
والحِلْفُ والحَبْسُ للزَّانِي وتَرْكُ أُولِي **** كُفْرٍ وإشْهَادُهُمْ والصَّبْرُ والنَّفَــرُ
أي هذا مما نُسخ، ومنه الحِلْف نسخ هذا بآية المواريث.
آية الحلف بيَّن ذلك السيوطي رحمه الله في الإتقان في علوم القرآن (3/ 74) وقال : قَوْلُهُ
تَعَالَى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}
مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي
كِتَابِ اللَّهِ} . اهـ
وحاصل ما جاء في كتب السير:
أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخى بين المهاجرين في مكة قبل الهجرة على الحق، والمواساة.
قال أبو
الفرج ابن برهان في السيرة الحلبية (2/ 27 ) :وقبل الهجرة «آخي صلى الله عليه وسلم بين
المسلمين» أي المهاجرين على الحق والمواساة ..
وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة وهذا ثابت في الصحيحين وفي غيرهما.
قال الحافظ في فتح الباري(1968) ذَكَرَ
أَصْحَابُ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَعَتْ
مَرَّتَيْنِ الْأُولَى قَبْلَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى
الْمُوَاسَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أُخُوَّةُ زَيْدِ بْنِ
حَارِثَةَ وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثُمَّ آخَى النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بَعْدَ أَنْ
هَاجَرَ وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ . اهـ
وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخى بين المهاجرين في المدينة مرة ثانية .
ويراجع زاد المعاد (3/57) .
و فتح الباري (3937).
)وفرض الله سبحانه وتعالى إذ ذاك الزكاة رفقاً بفقراء المهاجرين، وكذا ذكر ابن حزم في هذا التاريخ، وقد قال بعض الحفاظ من علماء الحديث: إنه أعياه فرض الزكاة متى كان.(
وهذا عليه جمهور العلماء أن الزكاة فرضت في المدينة ابتداء قدوم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن أهل العلم من قال الزكاة فرضت بمكة، ولكن مقاديرها، وأنصباؤها كان بالمدينة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾فصلت:6-7. وسورة فصلت مكية، وهذا قول الوالد الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله أن الزكاة فرضت في مكة للآية المذكورة وأن أنصباءَها ومقاديرَها كان بالمدينة .والله تعالى أعلم.
هذه عدة أمور في هذا الفصل وقعت في ابتداء قدوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة ومنها إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه .
وبهذا ننتهي ونسأل اللهَ التوفيق .