للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل

الأربعاء، 9 سبتمبر 2020

اختصار الدرس الخامس والعشرين من دروس التبيان في آداب حملة القرآن

 

من آداب المتعلم مع المعلم:

احترام المعلم:

هذا من حق المعلم احترامُه وتوقيره لما يبذله من  التعليم والصبر وتفريغ الوقت،ولأن  المعلم كالوالد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ، أُعَلِّمُكُمْ» رواه أبو داود في «سننه»(8) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو في «الصحيح المسند» (1326) لوالدي رَحِمَهُ الله.

ومن الآثار عن السلف في احترام المعلم وتوقيره:

-        عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يقول: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ، قَالَ: فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ، قَالَ: فَلاَ تَفْعَلْ مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي، فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ» ثم أخبره أنهما عائشة وحفصة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وساق الحديث، رواه البخاري (4913 ومسلم (1479).

-        عن شعبة بن الحجاج: «كُلُّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا فَأَنَا لَهُ عَبْدٌ». رواه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (1/512).

-        قال الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (1/182): «بَابُ تَعْظِيمِ الْمُحَدِّثِ وَتَبْجِيلِهِ» ثم أخرج بعض الآثار، ومنها: عن ابن سيرين، قَالَ: «رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى وَأَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ وَيُسَوِّدُونَهُ وَيُشَرِّفُونَهُ مِثْلَ الْأَمِيرِ».

- عن الرَّبِيع صَاحِب الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا الله: مَا اجتَرَأتُ أَن أَشرَبَ المَاءَ وَالشَّافِعِيُّ يَنظُرَ إِلَيَّ هَيبَةً لَهُ.

الربيع: هو ابن سليمان المرادي صاحب الشافعي وخادمه، كما روى ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه»(ص209) عن شيخه يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «مَا خَدَمَنِي أَحَدٌ مِثْلَ مَا خَدَمَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ».

ومع خدمته لشيخه وطول مدة ملازمته له لم تذهب هيبة الشافعي من قلبِه، والله هو الذي يجعل الهيبة في القلب لأهل العلم، لا أحد يستطيع أن يضع الهيبة لنفسه، هي بيد الله.

-    عن الشعبي قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، ووضع رجله في الركاب فأمسك ابنُ عباس بالركاب، فقال: تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: لا، هكذا نفعل بالعلماء، والكبراء. رواه يعقوب بن سفيان رحمه الله في «المعرفة والتاريخ» (1/484)، وهذه الآثار كلها ثابتة، ولله الحمد والمِنَّة.

 

قال السخاوي في «فتح المغيث شرح ألفية الحديث» (3/286): وَلَا شَكَّ أَنَّهُ -أي: المعلم- بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ وَأَعْظَمُ. وَإِجْلَالُهُ مِنْ إِجْلَالِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا النَّاسُ بِشُيُوخِهِمْ، فَإِذَا ذَهَبَ الشُّيُوخُ فَمَعَ مَنَ الْعَيْشُ؟ اهـ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إنزال الناس منازلهم وملازمة الإنصاف:

وهذا هو الواجب على طالب العلم أن يسلك سبيل الإنصاف ولا يرفع أحدًا فوق منزلته. وما أحسن الإنصاف مع المعلم ومع غيره، يقول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط﴾[الحديد].

الإمام أحمد رَحِمَهُ الله يقول: «مَا أَحْسَنَ الْإِنْصَافَ في كلِّ شيءٍ».

لكنهم ذكروا في آداب الطالب مع شيخه أن يحسن الظن به، وأنه يستحق الأخذ عنه حتى يستفيد منه، لأن الذي لا يكون واثقًا بمعلمه وما يقوله قد لا يجد بركة مجالستِه.

وهذا هو الواقع إذا انتزعت الثقةُ بالمعلم انتزعتِ بركة علمه عن الطالب.

ومع كون الطالب يثق بمعلمه لا مانع من الاستفسار منه، والتأكد والرجوع إلى مراجع الشيخ لا مانع من هذا، والله المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعاء للمعلم:

مِنْ حق المعلم على تلميذه أن يدعو له ولا ينساه من صالح دعائه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا اللَّهَ لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» رواه أبو داود (5109 ومن أعظم صُنْعِ المعروف التعليم.

وفي «الفتاوى السعدية»(102) للإمام السعدي رحمه الله: وأي معروف أعظم من معروف العلم، وكل معروف ينقطع إلا معروف العلم والنصح والإرشاد. اهـ.

وجاء عن الإمام أحمد أنه قال: وَإِنِّي لأَدْعُو لِلشَّافِعِيِّ مُنْذُ أَرْبَعينَ سَنَةٍ فِي صَلاَتِي. ذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء»(10/82).

وجاء عن يَحْيَى بْن سَعِيدٍ القطان، يَقُولُ: «أَنَا أَدْعُو اللَّهَ فِي صَلَاتِي لِلشَّافِعِيِّ مُنْذُ أَرْبَعِ سِنِينَ» رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء»(9/93). ينظر في حال الاثرين.

وهذا يشير إلى حب السلف الشديد للعلم النافع ولمعلميهم، وأنهم لم يكونوا يتَّبَّعون العورات والانتقادات، فإن هذا من سبيل أهل النفاق وأصحابُ القلوب المريضة وليس من سبيل المؤمنين، ولهذا أهل العلم ينبِّهون طالب العلم أن يحضر حضور مستفيد لا حضور متتبع زلات وعثرات، وقد ذكر هذا المعنى ابن حزم رَحِمَهُ الله في «الأخلاق والسير» (ص92).

وَكَانَ بَعضُ المُتَقَدِّمِينَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى مُعَلِّمِهِ تَصَدَّقَ بِشَيءٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ استُر عَيبَ مُعَلِّمِي عَنِّي، وَلَا تُذهِب بَرَكَةَ عِلمِهِ مِنِّي!

قال الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ الله: لأنه إذا رأى عيب معلِّمِه سقط من عينه بقدر ما رأى من عيبه.

(وَلَا تُذهِب بَرَكَةَ عِلمِهِ مِنِّي!) قال الشيخ ابن عثيمين: هذا أيضًا إذا لم يكن يرى الإنسان معلمه بأنه معلم حقيقة فإنه لا يجد بركة في تعلُّمِهِ منه،كما في «شرح مقدمة المجموع» (182).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلقاء السلام على المعلم:

يذكرون في آداب الطالب أنه إذا دخل مجلس علم يلقي السلام على من في المجلس (السلام عليكمثم يخص المعلم بالتحية، يقول مثلًا: السلام عليك.

وقال الشيخ ابن عثيمين في «شرح مقدمة المجموع» (138): يعني: ليس معناه أن تسلم عليه مثلًا تكرر السلام، لأن هذا فيه نوع من الاستخفاف به، لكن سلام عليكم، صبحك الله بالخير يا فلان، يا شيخ. اهـ.

أما تخصيص المعلم بالتحية دون بقية أهل المجلس فهذا ليس هو المراد، بل قد ثبت النهي عنه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» رواه البخاري (12ومسلم (39).

 والتخصيص بالسلام من علامات الساعة كما في «مسند أحمد» (3870والبخاري في «الأدب المفرد» (1049) عن ابن مسعود الحديث، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ تَسْلِيمَ الْخَاصَّةِ» والحديث في «الصحيحة»(647).

وهكذا من باب التنبيه المصافحة، لا ينبغي أن تكون المصافحة إذا التقوا على المعرفة فحسب فإن النبي صلى الله عليه وسلم يحث على المصافحة، ويقول: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ، إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» رواه الإمام أحمد في «مسنده» (30/517) عَنِ الْبَرَاءِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الجلوس أمام المعلم:

والدليل حديث جبريل أنه جلس فأسند ركبتيه إلى ركبتيه -أي: ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم- ووضع كفيه على فخذيه.

هذا يدل على أن من أدب الطالب في جلوسه عند شيخه: أن يجلس أمامه، وليس عن يمينه أو يساره، ويذكرون أنه أقرب إلى الانتفاع بالشيخ.

الإصغاء والوقار في مجلس العلم:

 على الطالب أن يكون مُصْغيًا ساكنًا في جلوسه بين يدي معلمه، فلا يشير بيده ولا يعبث بها ولا يومئ بعينه. قال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)﴾[طه].

قال القرطبي رحمه الله في «تفسير هذه الآية»: وذلك أَنْ يَكُفَّ الْعَبْدُ جَوَارِحَهُ، وَلَا يَشْغَلَهَا. فَيَشْتَغِلُ قَلْبُهُ عَمَّا يَسْمَعُ، وَيَغُضُّ طَرْفَهُ فَلَا يَلْهُو قَلْبُهُ بِمَا يَرَى، ويُحْضِرُ عَقْلَهُ فَلَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ سِوَى مَا يَسْتَمِعُ إِلَيْهِ، وَيَعْزِمُ عَلَى أَنْ يَفْهَمَ فَيَعْمَلَ بِمَا يَفْهَمُ. اهـ.

وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) [غافر]. إنه الرمز بالعين، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ». رواه أبو داود في «سننه» (2683) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

ومعنى هذا الحديث كما قال ابن الأثير رَحِمَهُ الله في «النهاية» (2/89): أَيْ: يُضْمِرُ فِي نفسهِ غيرَ مَا يُظْهِرُه، فَإِذَا كَفَّ لِسَانَهُ وأومَأَ بعَينِه فَقَدْ خَانَ، وَإِذَا كَانَ ظُهور تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ قِبَل الْعَيْنِ سَمِّيت خَائِنَةَ الأعْيُنِ. اهـ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدم ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض:

من سوء الأدب أن الشيخ يقرِّرُ شيئًا في مسألة ثم يعترض عليه الطالب، ويقول: لكن الشيخ فلان يقول: كذا، وقد يكون في هذا ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض.

أما إذا كان لا يقصد الاعتراض وفي حالات نادرة ما يكون هذا ديدنه فلا بأس، ومن أمثلة ذلك:

عن أبي صَالِحٍ الزَّيَّاتَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ»، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لاَ يَقُولُهُ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلَّ ذَلِكَ لاَ أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنِّي وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لاَ رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» رواه البخاري (2178ومسلم (1596).

وهكذا في غير وقت كلام الشيخ يذكر له من خالفه هذا ثابت عن بعض السلف، كما روى مسلم (1232) عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا» قَالَ بَكْرٌ-وهو ابن عبد الله المزني الراوي لهذا الحديث-: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: «لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ» فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا».

فلهذا يقول الشيخ ابن عثيمين في «شرح مقدمة المجموع» (186)عن هذه المسألة: إلا في وقت آخر فلا بأس، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدم الغيبة عند المعلم:

الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره.

هذا من آداب الطالب مع المعلم أنه لا يغتاب أحدًا عنده لا في مجلس علم ولا في غيره، إلا إذا كان هناك مصلحة شرعية فلا بأس بذلك.

روى البخاري (3405ومسلم (1062) عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهَ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».

قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث من «فتح الباري»: فِيهِ بَيَانُ مَا يُبَاحُ مِنَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، لِأَن صورتهما مَوْجُودَة فِي صَنِيع ابن مَسْعُودٍ هَذَا، وَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَذَلِكَ أَنَّ قصد ابن مَسْعُودٍ كَانَ نُصْحَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِعْلَامَهُ بِمَنْ يَطْعَنُ فِيهِ مِمَّنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ النِّفَاقَ لِيَحْذَرَ مِنْهُ، وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَى الْكُفَّارِ لِيُؤْمَنَ مِنْ كَيْدِهِمْ، وَقَدِ ارْتَكَبَ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ بِمَا قَالَ إِثْمًا عَظِيمًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ. اهـ.

لكن على الطالب أن يتثبَّت وأن يصدقَ، فلا يكون هذا عن نية سيئة وهو التحريش والإفساد والتفريق بين الشيخ وتلميذه، أو بين الشيخ وبين الناس.

ولنعلَمْ أن الأصل في الغيبة أنها محرمة وأنها لا تجوز لا عند المعلم ولا عند غيره، ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) [الحجراتوالله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكم المسارة  في مجلس العلم:

من أدب الطالب في مجالس العلم عدم المسارَّة فيها،وإذا كان المجلسُ مجلسًا عاديًّا كما ذكر الشيخ ابن عثيمين في «شرح مقدمة المجموع» (186):أنه إذا سارَّ الإنسانُ صاحبَه فيه لا يُعد سوء أدب، واستدل لذلك بحديث ابن عباس: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟» قَالَ: لَا، فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟»، فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا»، قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا» رواه مسلم (1579).

ثم قال الشيخ ابن عثيمين عقب ذِكْرِهِ لهذا الحديث: هذا لا بأس به، لكن في مقام الدرس وإلقاء الدرس، والطلبة مشْرئبُّون للعلم وتسارُّ أحدًا! هذا سوء أدب. اهـ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدم الأخذ بثوب المعلم:

قال الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ الله في «شرح مقدمة المجموع» (ص187): يعني: تجره، لأن هذا سوء أدب، ولا يفعله إلا الجفاة، ثم أشار إلى قصة الأعرابي، ونسوق اللفظ بتمامه:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ «أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» رواه البخاري(3149 ومسلم(1057).

قلت: وربما يقع هذا أيضًا لشدة تلهف السائل أو الطالب، لكنه معدود في سوء الأدب مع الشيخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدم الإلحاح على المعلم إذا كسل:

قال ابن عثيمين في «شرح مقدمة المجموع» (187): إذا رأيته متعبًا كسلان إما من نطقه وإما من هيئته وإما من وجهه، فلا تلح عليه، اتركه إلى مقام آخر. اهـ.

وفي «الفتاوى السعدية»(102) للسعدي: ينبغي للمتعلم أن يلطف بالسؤال ويرفق بمعلِّمه، ولا يسأله في حالة ضجر أو ملل أو غضب، لئلَّا يتصور خلاف الحق مع تشَوُّشِ الذهن، وأقل الحالات أن يقع الجواب ناقصًا. اهـ المراد.

ويدل لهذا حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» رواه البخاري (527ومسلم (85) وفي رواية لمسلم «فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ».

وفيه أخذ العلم عن المعلم في حالة نشاطه وانشراح صدره. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طول الصحبة للمعلم:

فلا يقنع الطالب من مجالس دروس شيخه ومجالسه العلمية ما أمكن، فإنه بذلك يزداد الطالب إيمانًا وعلمًا وأخلاقًا وخيرًا.

وقد كان من السلف من يجالس شيخه ولا يرحل عنه سنين طويلة ،ومن هؤلاء:

§       أبو الخير كان لاَ يُفَارِقُ عُقْبَةَ. رواه البخاري (1866ومسلم (1644).

§       جَالَسَ نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ أَبَا هُرَيْرَةَ عِشْرِينَ سَنَةً. رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/566).

§       قَالَ ابن جريج: جَالَسْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ بَعْدَ مَا فَرَغْتُ مِنْ عَطَاءٍ سَبْعَ سِنِينَ» رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/25).

§       قال الزهري: مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَةَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ثَمَانِ سِنِينَ. رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/631).

§        قال محمد بن جعفر غندر: لَزِمْتُ شُعْبَةَ عِشْرِينَ سنة لم أكتب فيها عن حد غيره. رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/201).

وإذا كانت مجالسة الصالحين نعمة من الله وسعادة عظيمة فكيف بمجالسة أهل العلم؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رد غيبة المعلم:

الحكم عام في رد الغيبة. وإنما خُص المعلم، لما له من الحق على المتعلم.

ومن الأدلة في رد التلميذ غيبة شيخه وكل مسلم:

-        عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». رواه مسلم (49).

-        عن عتبان بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي فَقَالَ قَائِلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَقُلْ ذَلِكَ، أَلاَ تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» رواه البخاري (425ومسلم (263).

-        عن كعب بن مالك في قصة توبته، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم». رواه البخاري (4418ومسلم (2769).

ومن لم يقدر على ردِّ الغيبة فيجب عليه أن يفارق ذلك المجلس، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)﴾[الأنعام].

 

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2020

شرح كتاب «التبيان في آداب حملة القرآن»

 

 الدرس الخامس والعشرون من «كتاب التبيان في آداب حملة القرآن»

  
20/من شهر الله المحرم/ لعام 1442هـ.

 

الجمعة، 4 سبتمبر 2020

اختصار الدرس الأول من الأمثال في القرآن



مؤلف الكتاب:

هو الإِمَامُ الْعَلامَةُ شَمسُ الدِّينِ أَبُو عَبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكرِ بنِ أَيُّوبَ بنِ سَعدِ المَعرُوفُ بابْنِ القيمِ رحمه الله. وهو من كبار تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

تعريف المثَل:

قال ابن القيم رحمه الله: وَأَنَّهَا تشَبِيهُ شَيءٍ بِشَيءٍ فِي حُكمِهِ، وَتَقرِيبُ المَعقُولِ مِن المَحسُوسِ أَو أَحَدُ المَحسُوسَينِ مِنَ الآخَرِ وَاعتِبَارِ أَحَدِهِمَا بِالآخَرِ.

وفسَّر بعضهم المثَل بالصفة. قال الراغب في «مفردات القرآن»(759): قال بعضهم: وقد يعبَّر بهما عن وصف الشيء. نحو قوله:﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾[الرعد].وذكر ذلك الحافظ في «فتح الباري»(تحت رقم 4937).

(وَتَقرِيبُ المَعقُولِ مِن المَحسُوسِ) وهذا أبلغ في الفهم، لأنه يُقرِّب المعنى إلى الذهن.

المعقول: ما لا يدرك بالحِس، كالعلم، والجهل، والمرض، وغيره.

المحسوس: ما يُدرك بأحد الحواس الخمس.

‏(أَو أَحَدُ المَحسُوسَينِ مِنَ الآخَرِ). من أمثلته، قول الله تعالى:﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [القمر]. شبه القمر بالعرجون القديم، القمر نراه بالحس -نشاهده بالبصر- والعرجون كذلك، والعرجون القديم: هو عذق النخلة اليابس إذا قَدِم استقوس.

الأمثالِ في القرآن:

الأمثال في القرآن الكريم من علوم القرآن وأجلِّها، فينبغي تعلمها وفهمها وتدريسها وشرحها، قال الله: ﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾[إبراهيم].

والمؤمن يستنير ويهتدي ويتبصَّرُ بالأمثال بخلاف الكافر فإنه يَضِلُّ بها، قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة].

واختص الله أهل العلم بفهم وعقل الأمثال، قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾[العنكبوت].

وقد كان بعض السلف يبكي إذا قرأ مثلًا من الأمثال في القرآن ولم يفهمه، ويقول: لست من العالِمِين، يشير إلى هذه الآية.

وقد ذكر السيوطي في «الإتقان في علوم القرآن» (4/45) معاني كثيرة لضرب  الأمثال في القرآن نقتصر عليها في هذا المقام، قال رحمه الله: ضَرْبُ الْأَمْثَالِ فِي الْقُرْآنِ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ: التَّذْكِيرُ، وَالْوَعْظُ، وَالْحَثُّ، وَالزَّجْرُ، وَالِاعْتِبَارُ، وَالتَّقْرِيرُ، وَتَقْرِيبُ الْمُرَادِ لِلْعَقْلِ وَتَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الْمَحْسُوسِ، فَإِنَّ الْأَمْثَالَ تُصَوِّرُ الْمَعَانِيَ بِصُورَةِ الْأَشْخَاصِ، لِأَنَّهَا أَثْبَتُ فِي الْأَذْهَانِ لِاسْتِعَانَةِ الذِّهْنِ فِيهَا بِالْحَوَاسِّ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْغَرَضُ مِنَ الْمَثَلِ تَشْبِيهُ الْخَفِيِّ بِالْجَلِيِّ والغائب بالشاهد، وَتَأْتِي أَمْثَالُ الْقُرْآنِ مُشْتَمِلَةً عَلَى بَيَانِ تَفَاوُتِ الْأَجْرِ، وَعَلَى الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، وَعَلَى الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَعَلَى تَفْخِيمِ الْأَمْرِ أَوْ تَحْقِيرِهِ، وَعَلَى تَحْقِيقِ أَمْرٍ أَوْ إِبْطَالِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ فامتن -أي: الله عز وجل-علينا بذلك لما تضمنته من الفوائد. اهـ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدد الأمثال التي في القرآن الكريم:

قال ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» (1/101): وَقَدْ اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ عَلَى بِضْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَثَلًا. اهـ.

والقصص داخلة في الأمثال، قال شيخ الإسلام رحمه الله في «مجموع الفتاوى»(14/57): وَنَظِيرُ ذَلِكَ ذِكْرُ الْقَصَصِ؛ فَإِنَّهَا كُلَّهَا أَمْثَالٌ هِيَ أُصُولُ قِيَاسٍ وَاعْتِبَارٍ. اهـ.

والدليل على أن القصص التي ذكرها الله في كتابه أمثالٌ للعبرة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مّبَيّنَاتٍ وَمَثَلًا مّنَ الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً للْمُتّقِينَ﴾[النور].

ومن القصص الصريحة في الأمثال: قوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم]. الآيات وقول الله عز وجل: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف].

مِنْ صِيَغِ الأمثال في القرآن:

·      قد تأتي بلفظ (مثل) ثم إعادة (مثل) مقرونة بالكاف، مثل قوله تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ [البقرة].

·      وقد تأتي من غير إعادة (مثل) كقول الله سبحانه: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾[هود].

·      وقد تأتي بذكر الكاف من غير لفظ (مثل) كقوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ [المدثر].

·      وقد لا يُذكر شيءٌ من ذلك، ولكن المثل يفهم من سياق الآية كقوله تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾[البقرة].

عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؟ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ، فَقَالَ: «قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لاَ نَعْلَمُ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ عُمَرُ: «يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلاَ تَحْقِرْ نَفْسَكَ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: «أَيُّ عَمَلٍ؟ » قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: «لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ، فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ» رواه البخاري (4538).

وكقول الله سبحانه: ﴿ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف]. مثَّل سبحانه لاستحالة دخول الكافر الجنّة باستحالة دخول الجمل في سَمِّ الخياط، فكما لا يدخل الجمل في سمِّ الخياط فكذلك الكفار لا يدخلون الجنة.

تنبيهٌ:

ما جاء من النهي عن ضرب الأمثال لله في قول الله: ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[النحل] فهذا المراد به أي: لا نجعل صفات الله كصفات المخلوق، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[النحل]. أي: الوصف الأعلى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المثل الأول: المثل الناري والمائي للمنافقين في سورة البقرة:

قال ابن القيم رحمه الله: فَضَرَبَ لِلمُنَافِقِينَ بَحَسَبِ حَالِهِم مَثَلَينِ: مَثَلًا نَارِيًّا وَمَثَلًا مَائِيًّا، لِمَا فِي المَاءِ وَالنَّارِ مِنَ الإِضَاءَةِ وَالإِشرَاقِ وَالحَيَاةِ، فَإِنَّ النَّارَ مَادَةُ النُّورِ وَالمَاءَ مَادَةُ الحَيَاةِ، وَقَد جَعَلَ اللهُ سُبحَانَهُ الوَحيَ الَّذِي أُنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مُتَضَمنًّا لِحَيَاةِ القُلُوبِ وَاستِنَارَتِهَا، وَلِهَذَا سَمَّاهُ رُوحًا وَنُورًا وَجَعَلَ قَابِلِيهِ أَحيَاءً فِي النُّورِ، وَمَن لَم يَرفَع بِهِ رَأسًا أَموَاتًا فِي الظُّلُمَاتِ. اهـ.

كما قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) ﴾[النحل على أحدِ التفسيرَين أن هذا الموت موت كفر، فالله يصف المؤمن بالحياة وأنه على نور، ويصف الكافر بالموت وأنه في ظلمة.

المثل الناري: في قوله سبحانه: ﴿مثلهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ(17)صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.

﴿ صُمٌّ ﴾ آذانهم، فإنهم إذا سمعوا الحق لا يقبلونه.

﴿ بُكْمٌ ﴾ أي: عن النطق بالخير.

﴿ عُمْيٌ ﴾ أي: عن رؤية الخير والحق.

﴿ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ وهذا معناه: أنه لا يقبلون الحق ولا يُذعِنون له.

قال ابن القيم رحمه الله في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (2/68) في شرح هذا المثل: فَشَبَّهَ نَصِيبَهُمْ مِمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم مِنَ النُّورِ وَالْحَيَاةِ بِنَصِيبِ الْمُسْتَوْقِدِ لِلنَّارِ الَّتِي طُفِئَتْ عَنْهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهَا وَذَهَبَ نُورُهُ وَبَقِيَ فِي الظُّلُمَاتِ حَائِرًا تَائِهًا لَا يَهْتَدِي سَبِيلًا وَلَا يَعْرِفُ طَرِيقًا. اهـ.

فهذا المثل يفيد ضربَ مثَلٍ للمنافقين وتشبيه حالهم بمن استوقد نارًا، أي: أوقدها أو طَلب من يوقدها، فلما أضاءت ما حوله وعرف مأمنَه ومخاوفه وسُرَّ بذلك أطفأها الله وهو أحوج ما يكون إليها. فذهب الله بنورهم ولم يقل بنارهم، لأن النار فيها الإضاءة والإحراق، فأذهب الله الإضاءة وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق.

وكذلك المنافقون عرفوا الحق والهدى والنور وتلفظوا بالشهادة، ومع ذلك لم ينتفعوا بالنور الذي عرفوه، ولا بالخير الذي سمعوه، فهم ﴿فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.

قال ابن القيم رحمه الله: فَهَذَا حَالُ مَن أَبصَرَ ثُمَّ عَمِيَ وَعَرَفَ ثُمَّ أَنكَرَ وَدَخَلَ فِي الإِسلَامِ ثُمَّ فَارَقَهُ بِقَلبِه لَا يَرجِعُ إِلَيهِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المثل المائي: في قوله سبحانه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ الصيِّب: المطر، والمراد أصحاب صيب من السماء بدليل سياق الآية في قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾.

﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ ظلمات متعددة: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، كما في «تفسير السعدي» (44).

﴿ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: جامعهم، قال القرطبي في «تفسيره» (1/221):وَخَصَّ الْكَافِرِينَ بِالذِّكْرِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ فِي الْآيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.

﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: وقفوا متحيِّرين لا يدرون أين يتجهون.

 ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قال ابن جرير رحمه الله في «تفسيره»(1/381): وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ذِكْرُهُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذْهَبَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ دُونَ سَائِرِ أَعْضَاءِ أَجْسَامِهِمْ لِلَّذِي جَرَى مِنْ ذِكْرِهَا فِي الْآيَتَيْنِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ [البقرة: 19 وَقَوْلَهُ: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾[البقرة: 20]. اهـ.

هذا المثل يُفيدُ تشبيه حال المنافقين في تكذيبهم القرآن وإعراضهم عنه بحال من جاءه مطر شديد في ليلة مظلمة ورعد وبرق،فهذا مثَل للمنافقين أنهم في ظلمات الكفر والنفاق، وهم مع القرآن وأدلة الوعيد والتهديد والزجر التي جاءت فيه هي عليهم كالرعد والبرق وجلون ينفرون منها،مع أن القرآن مؤَثِّرٌ ومع ذلك لا يؤثر فيهم ولا ينتفعون بمواعظه وزواجره.

واختلفوا في (أو) في قوله سبحانه: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ (19)﴾:

-      فمنهم من قال: (أو) للتخيير، أي: ان شئت مثِّلْهم بمن استوقد نارًا، أو بحال من أصابه المطر.

-      ومنهم من قال: هي عاطفة بمعنى الواو، وقيل غير ذلك.

ولهذا اختُلف هل المثَلان في صنف واحد من المنافقين أم أن الصنف الأول غير الثاني؟

ابن القيم رحمه الله ظاهر طريقته أن هذين المثلَين لصنف واحد من المنافقين.

والذي اختاره الحافظ ابن كثير رحمه الله أن الثاني غير الأول، قال رحمه الله في «تفسيره» (1/192): فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا صَارَ النَّاسُ أَقْسَامًا: مُؤْمِنُونَ خُلّص، وَهُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِالْآيَاتِ الْأَرْبَعِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، وَكُفَّارٌ خُلَّصٌ، وَهُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِالْآيَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَمُنَافِقُونَ، وَهُمْ قِسْمَانِ: خُلَّصٌ، وَهُمُ الْمَضْرُوبُ لَهُمُ الْمَثَلُ النَّارِيُّ، وَمُنَافِقُونَ يَتَرَدَّدُونَ، تَارَةً يَظْهَرُ لَهُمْ لُمَعٌ مِنَ الْإِيمَانِ وَتَارَةً يَخْبُو وَهُمْ أَصْحَابُ الْمَثَلِ الْمَائِيِّ، وَهُمْ أَخَفُّ حَالًا مِنَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ. اهـ.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

طوائف من أهل الأهواء تشترك مع المنافقين في الإعراض عن الدليل وثِقَل سماعِه عليهم:

الطائفة الأولى: الجهمية وهم أتباع جهم بن صفوان، يخافون من سماع نصوص الصفات، وهذا كما جاء عن ابن عباس، قال: حدث رجل بحديث أبي هريرة، فانتفض، قال ابن عباس: ما بال هؤلاء يجدون عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه. رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (1/212 والأثر صحيح.

إذا سمعوا مثل قول الله سبحانه: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ، وقوله: ﴿ غضب الله عليهم ، وقوله: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ يرتعدون ويصابون بالرعب. قال ابن القيم رحمه الله: لِثِقَلِ مَعرِفَةِ الرَّبِّ سُبحَانَهُ وتَعَالَى وَأَسمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى عُقُولِهِم وَقُلُوبِهِم.

الطائفة الثانية: المشركون على اختلاف أنواع شركهم إذا تُليت عليهم آيات التوحيد تشمئز قلوبهم وينفرون غاية النفور، فإذا سمعوا مثل قول الله سبحانه:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)﴾، وقوله: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)﴾. يكون ثقيلًا عليهم،وتنفر منه قلوبهم.

الطائفة الثالثة: أعداء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الروافض، إذا سمعوا نصوص الأدلة في فضائل الصحابة، ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ الآية.وقوله:﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ،وقوله:﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ الآية يثقل عليهم ذلك جدًّا.

تشابهت واشتركت قلوب هذه الفرق الضالة وقلوب المنافقين في العناد وعدم الإذعان للحق فتشابهت أعمالهم في الخوف والنفور من سماع الدليل وثقله عليهم، والله أعلم.

من الفوائد:

·      التحذير من صفات المنافقين، وقد ذكر الله كثيرًا من صفاتهم، بل وأنزل فيهم وفي صفاتهم بعض السور، مثل: سورة براءة التي تسمى الفاضحة؛عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ التَّوْبَةِ، قَالَ: «التَّوْبَةُ هِيَ الفَاضِحَةُ، مَا زَالَتْ تَنْزِلُ، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَنْ تُبْقِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا»، رواه البخاري (4882 ومسلم (3031).

 وأنزل الله في المنافقين سورة المنافقين، وذكر بعض صفاتهم في سور متفرقة، مثل: سورة آل عمران، والنساء، والنور، والحج، والعنكبوت إلى آخره.

وفي سورة البقرة ذكر الله في أوائلها ثلاثة أصناف: عن مجاهد، قَالَ: «أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين» رواه ابن جرير في «تفسيره» (1/245).

ولما كان أمر المنافقين ملتبسًا فصَّل سبحانه وأطال في ذكرهم للحذر منهم، قال ابن القيم رحمه الله في «الوابل الصيب» (57): لعموم الابتلاء بهم وشدة المصيبة بمخالطتهم، فإنهم من الجلدة، مظهرون الموافقة والمناصرة، بخلاف الكافر الذي قد تأبد بالعداوة وأظهر السريرة ودعا لك بما أظهره إلى مزايلته ومفارقته. اهـ.

والنفاق لم يكن بمكة قبل الهجرة، إنما كفر وإسلام، وظهر في المدينة لما قويَ الإسلام وخافوا على أنفسهم ونسائهم وذراريهم وأموالهم فأظهروا الإسلام نفاقًا، ذكر هذا المعنى الحافظ ابن كثير في «تفسير سورة البقرة».

وأما المهاجرون فليس فيهم أحد من المنافقين، قال ابن كثير رحمه الله: فَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُهَاجِرُ مكرَهًا، بَلْ يُهَاجِرُ وَيَتْرُكُ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَأَرْضَهُ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

·      أن من صفات المنافقين الإعراض عن القرآن وعن النور والهدى، فعلى المؤمن أن يحذر من هذه الصفة الخطيرة، وأن يربِّي نفسه على الإذعان لنصوص الوحيَيْنِ.

·      ومما استفدنا ضرب مثالين للمنافقين: مثلًا ناريًّا، ومثلًا مائيًّا.

·      تشبيه الوحي بالنور المحسوس لما فيه من الإضاءة لمن آمن به وتمسك به.

·      تشبيه الوحي بالصيب وهو المطر لما فيه من الحياة للعباد والبلاد.

·      تشبيه قوارع الأدلة وزواجرها بالرعد والبرق على المنافقين وأشباههم.

·      خطر الإعراض عن الهدى والنور وأنه قد يكون سببًا للبقاء على الضلال،لقوله سبحانه:﴿فهم لا يرجعون﴾، بخلاف الجاهل فإنه يكون أقرب إلى الحق.