للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل

السبت، 8 أغسطس 2015

أسباب السعـــــــــــــادة


لأم عبد الله بنت الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله وغفر له .
ألقتها في يوم الأربعاء الموافق 1436/9/14.
الحمدلله واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد :فما من أحد منَّاإلا وهو يبحث عن طريق السعادة ويحرص للوصول إليها .
لكن كثيراً ما فهم الطريق الصحيحة. فكثيراً من الرجال والنساءإلا من رحم ربي تعلقوا بسعادة خارجية عن ذات الإنسان وظنوا أنها في المناصب والتجارات والشهادات والقصور وزخارف الدنيا ونحوها.
السعادة على ثلاثة أقســــــام :
1-سعــــــادة الحياة والمال :
و هذه السعادة ليست حقيقية ,هي سعادة وهْمية سعادة خارجة عن ذات الإنسان لأنها تزول و لا تدوم , لأنها سعادة فانية .
هذه السعادة يسميها ابن القيم في مفتاح دار السعادة (1/107):سعادة مستعارة لَهُ من غَيره يَزُول باسترداد الْعَارِية .
 وذكر ابن القيم أنه يُحكى عَن بعض الْعلمَاء أنه ركب مَعَ تجار فِي مركب فَانْكَسَرت بهم السَّفِينَة فأصبحوا بعد عز الْغنى فِي ذل الْفقر وَوصل الْعَالم الى الْبَلَد فأُكرم وَقُصد بأنواع التحف والكرامات فَلَمَّا أرادوا الرُّجُوع إلى بِلَادهمْ قَالُوا لَهُ هَل لَك إلى قَوْمك كتاب اَوْ حَاجَة ؟.
فَقَالَ نعم تَقولُونَ لَهُم :إذا اتخذتم مَالاً لَا يغرق اذا انْكَسَرت السَّفِينَة فاتخذوا الْعلم تِجَارَة اهـ.
هي سعادة وهمية , سعادة خارجة عن ذات الإنسان .
2-السعـــــادة في صحة البدن و اعتدال المزاج والقوة : 
و هذه أيضًا ملحقة بالأولى سعادة وهمية
يا خادم الجسم كم يشقى بخدمته
                                         فأنتــــــ بالروح لا بالجسم إنسان
هذا الجسم و إن تمتع بما تمتع به من القوة والنشاط والصفات الجميلة فإنه لابد من التغير تغير الصفات الظاهرة والباطنة و التبديل لا بُد من الضعف قال تعالى :{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ }.
وقال سبحانه {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ} [يس : 68] لابد من هذا (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ).
 والله لا ينظر إلى جمال الجسد , ولا ينظر إلى النسب الرفيع و لا الأموال ولا الجاه ولا المنصب .
إنما ينظر إلى قلوبنــــــا وأعمالنــــا ..
أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  : " إنَّ اللَّهَ لا ينظرُ إلى صورِكُم وأموالِكُم ، ولَكِن ينظرُ إلى قلوبِكُم وأعمالِكُم " .
3-سعــــــادة قلبية , روحانيـة , نفسانية و هي :
[ سعادة الدين ]
هي السعادة التي يترقى بها الإنسان إلى المعالي , هي السعادة التي لا يفهما كثير من الناس ,هي السعادة النافعة في الدنيا و الآخرة .
إذن القسمان الأول والثاني
هما سعادتان وهميتان وهي التي يضيع الناس أعمارهم في تحصيلها .
أما السعـــــادة الثالثة :-
هذه السعادة القليل من يعرفها و القليل من يصل إليها  لأنها حُفت بالمكاره  ليست ممهـدة بالورود والزخارف طريق شاقة طريق تحتاج إلى صبر وتعب .
هذه السعادة هي التي حرص عليها أنبياءالله ودعوا أممهم إليها .
وربنا سبحانه يُبشر عباده بالفوز بالجنة التي يسعى إليها كل مؤمن و مؤمنة وما غاية المؤمن إلا الجنة.يقول الله تعالى :
{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود : 108]
هذه بشارة لأهل الجنة لأهل السعادة عطاء غير مجذوذ أي مستمر
{لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة : 33]
ولقد بيَّن لنا الشرع أسباب السعادة و طرق السعادة لنسلكها و لنحرص عليها
من أسبـــاب السعادة : -
1.         العمل الصالح :
يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ  تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)} [الصف : 10-12]
( الفوز بالجنة ) هذه الآية فيها بيان ماهي التجارة الحقيقية وأنهاهي في العمل الصالح , ليس في تضييع الأوقات وليست في الدنيا وحطامها .
فالآية فيها الحث على الإقبال على الآخرة و الزهد في الدنيا و إلى مساكن طيبة في جنات عدن , والفوز بالجنة .
و يقول ربنا عز وجل :
{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر : 29]
تلاوة اللفــظ و تلاوة المعنى ,
تلاوة اللفــــــظ : إقامة ألفاظ القرآن باللســان ,
تلاوة بالمعنى : العمل بالقرآن أما الذي لا يعمل بالقرآن فهذا على خطر و وعيد في حقه شديد .وقد سمَّى ربنا الذي ما يعرف إلا ألفاظ القرآن أمِّيا فقال { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } إلا أماني : أي تلاوة .
يقول الوالد العلامة مقبل الوادعي رحمه الله تعالى :
والله إننا نخشى أن الناس يدخلون الجنة ونحن واقفون على الأبواب أوقد ذُهب بنا إلى كذا وكذا والعياذبالله.
هذه هي السعادة والله ، الفوز بالجنة .
العمل الصالح هو الذي يلازم صاحبه في قبره , في ظلمة القبر حين يتخلى عنه الأصحاب والأبناء والأحباب حين يبقى وحيدًا فلا يؤنسه إلا عمله الصالح فيأتيه على صورة رجل حسن الوجه , حسن الهيئـة , طيب الرائحة , يأتيه يُبشره فيقول:أنا عملك الصالح فيقول العبد:
ربِ أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي .
الذي يلازم الإنسان هو عمله الصالح.
حتى في عرصات يوم القيامة ، يوم مظلم ما فيه إلا نور العمل الصالح فالناس واقفون في ذلك اليوم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة في يوم كان مقدره ألف سنة مما تعدون فينالون من الكرب والضيق ما لا يطيقون ولا يحتملون.
فيشفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويأتي الفرج وتحصل النجاة من المكروه بالعمل الصالح.
ويأتي القرآن شفيعًا لأصحابه ، يشفع لصاحبه .
وتأتي سورة البقرة و آل عمران تحاجان عن صاحبهما  .هكذا العمل الصالح به  تُحصَّل السعادة والفوز وتنال البركة و الخير .
 صاحب العمل الصالح يمشي في نور عمله ، قال تعالى : { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }
{ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [التحريم : 8].
عكس المُفرّط في حق ربه وفي دينه يكون في حسرات متتالية فعند الاحتضار يندم ويقع في أشد حسرة (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ  لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
وفي عرصات يوم القيامة يندم و يتحسر {وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ  وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ  أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ } [الزمر : 54-56] .
  يتمنى الرجوع لأجل أن يكون من المحسنين ، من المطيعين ، من المتقين من السعداء .
وفي النار يتحسر يبكي يتمنى الرجوع إلى الدنيا ليُحسن عملا .قال ربنا سبحانه وتعالى :{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [فاطر : 37]
هذه السعادة لا يُفرّط فيها إلا خاســــــــر .ونعوذ بالله من خسارة الدين .

2-الاهتمام بالقرآن العظيــــم :
فإن ربنا يقول :
{إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء : 9]
والقرآن مبارك، بركاته كثيرة على من اعتنى به وقرأه وتدبر معانيه و عمل به ، بركاته متتالية في الدنيا والآخرة .
من تمسك بالقرآن كان أمانًا له من الانحراف ، قال تعالى :
{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} [طه : 123]
ونحن في زمن اختلط فيه الحق بالباطل فإذا لم يكن عندنا نور نهتدي به نتخبط في ظلمات البدع والأهواء .
وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم  " إني تاركٌ فيكم ما إنْ تمسكتُم به لن تضلُّوا كتابَ اللهِ " .
فالغذاء الروحـــي في القرآن الكريم ، فينبغي أن نعطي القرآن حقه ، ونحن الآن في شهر رمضان المبارك شهر القرآن ، وينبغي أن نمر على القرآن كله في هذا الشهر.
علينا أن نهتم بالقرآن العظيم وأن نحذر من التفريط  في القرآن لنكون من أهل السعادة ،
" خيرُكم مَن تعلَّم القرآنَ وعلَّمه "
3-تعلم العلم النافع :
والله إنها سعادة عظيمة، يقول ربنا عز وجل :
{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [الزمر : 9]
الملائكـــة لكرامةِ طالب العلم و منزلته تضع أجنحتها له كما ثبت من حديث صفوان بن عسال عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :" إنَّ الملائكةَ لَتضعُ أجنحتَها لطالبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ " .
وليس معناه:أن الطالب يطأ على أجنحة الملائكة لا ، إنما تحترم الملائكة طالب العلم وتدعو له .
 هذا من فضل طلب العلم الذي غفل عنه الناس و شُغِلوا عنه ، القليل من يحبه ، والقليل من يصبر على تحصيله.
يقول ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة:
من علامة السعادة :محبة العلم، ومن علامة الشقاوة :بغض العلـــــــــم.
سعادة العلم لها حلاوة لا يذوقها الأثرياء ولا الوزراء ولا الأمراء ،كما قال الحسن البصري رحمه الله :
" لو يعلم الملوك و أبناء الملوك لجالدونا عليه بالسيوف "
لكنه لا يذوق حلاوة العلم إلا من وفقه الله لطلب العلم .
فعلينـــــا أن نصبر على طلب العلم ونعمل به لنكون من أهل السعادة .
4-المداومـــة على طاعة الله وعدم الانقطاع عنها
قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر : 99]
اليقين : المراد به هنا الموت هذا ما أجمع عليه العلماء وليس كما فسرها الزنادقة
فسّروها بالمعرفة .ولهذا عندهم من وصل إلى هذه المرحلة سقطت عنه التكاليف والعياذ بالله.
يفعل ما يشاء من الفواحش وليس عليه صلاة ولا صيام لأنه وصل إلى مرتبة الإباحية .وهذا غلو وكفر وزندقة .
وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية .
5-         الإنشغال بعيوب النفس عن عيوب الآخرين :
هذا من أسباب السعادة الانشغال بمحاسبة النفس ولا يخفى ما يؤدي إلى الجهل الوقيعة في أعراض الناس ، ومن شُغِل بعيب غيره غفل عن عيب نفسه .
الاشتغال بعيوب النفس عن عيوب الآخرين هذا -والله - من أعظم السعادة لأنه ما اشتغل بما لا يعنيه ولما يعود على صاحبه من الخير وقد ثبت  من حديث المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
الحديث وفيه  و كرِه لكم قيل وقال وكثرةَ السُّؤالِ وإضاعةَ المالِ ".
 قال الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء (6/369) رَوَى: مِسْعَرٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: ذِكْرُ النَّاسِ دَاءٌ، وَذِكْرُ اللهِ دَوَاءٌ.
علق عليه الذهبي وقال : قُلْتُ: إِيْ وَاللهِ، فَالعجَبُ مِنَّا، وَمِنْ جَهلِنَا، كَيْفَ نَدَعُ الدَّوَاءَ، وَنقتحِمُ الدَّاءَ؟! قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: {فَاذْكُرُوْنِي أَذْكُرْكُمْ} [البَقَرَةُ: 153] ، {وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ} [العَنْكَبُوْتُ: 46] ، وَقَالَ: {الَّذِيْنَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوْبُهُم بِذِكْرِ اللهِ، أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القُلُوْبُ} [الرَّعْدُ: 29] وَلَكِنْ لاَ يَتَهَيَّأُ ذَلِكَ إِلاَّ بِتوفِيْقِ اللهِ، وَمَنْ أَدْمَنَ الدُّعَاءَ، وَلاَزَمَ قَرْعَ البَابِ، فُتِحَ لَهُ.
وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَوْنٍ قَدْ أُوتِيَ حِلماً وَعِلماً، وَنَفْسُه زَكِيَّةٌ تُعِيْنُ عَلَى التَّقوَى، فَطُوْبَى لَهُ اهـ  .
وقال ابن القيم رحمه الله في «مفتاح دار السعادة» (2/297):
طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرَّغ لعيوب الناس، هذا من علامات الشقاوة. اهـ المراد.
وَأهل العلم يقولون :مَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ.
    فهنيئًا لمن اعتنى بنفسه وضبط لسانه ولم يتدخل في شؤون الناس .
6-         تقوى الله:
مفتاح لطريق السعادة، مفتــاح لطريق الجنة .
ولست أرى السعادة جمع مالٍ
                                      وإنما التقي هو السعيد.
قال تعالى :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال : 29]
وتقوى الله من أسباب تفريج الهم و الكرب:
قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق : 2]
كل من أقدم على طاعة الله وتقـواه كان أيسر له طريق السعادة و أقرب ، قال تعالى:
{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ (7)} [الليل : 5-7]
7-التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم " كلُّ أمتي يدخلون الجنةَ إلا من أبى . قالوا : يا رسولَ اللهِ ، ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنةَ ، ومن عصاني فقد أبى" .
وإن من أعظــــــم السعادة :
أن ينشأ على السنة ويتربى على السنة من بداية العمر. يقول أيوب ابن أبي تميمة :من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفق للسنة من أول وهلة .
 أن يُوفَّق من أول وهلة للمنهج السلفي لطريق الحق، هذا من نِعم الله ومن أعظم السعادة .
ومن الناس من يمضي شيء من عمره في الأحزاب وفي البدع وفي الضياع والتميع ثم يهتدي للسنة وهذا خير لكنه ليس كمن كان من البداية على السنة والثبات ثبتنا الله .
فمن أسباب السعادة:لــــــزوم السنة، والحرص على التمسك بالدليل وترك التقاليد في ديننا .
8-لـزوم الصمت إلا في خير :
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه :
"مَن كانَ يؤمِنُ باللهِ و اليَومِ الآخرِ فليقُل خيرًا أو ليَصمُتْ"
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قليل الكلام، كثير الصمت .
 فينبغي ألا نتكلم إلا بذكر الله ، في الدعوة ، في تلاوة القرآن .
 الألسنة زلاتها كثيرة ،و العزلة تعين على قلة الكلام ،
العزلة ولزوم المرأة بيتها والصمت يعينها على الإقبال على الله ،
فلنجاهد أنفسنا و إصلاح ألستنـــا وتعويدها على كثرة ذكر الله ،
لزوم الصمت إلا في خير سلامة ونجاة ، صفة من صفات المتقين، من صفات السعداء .
وقد قال محمد بن عبد الوهاب السكري:
"رأيت الصمت يجمع للمرء خصلتيــــــن:
السلامة في دينه ، والفهم عن صاحبـــــــه ".
9-         اجتناب الفتن:
روى أبو داود في سننه:
من حديث المقداد بن الأسود عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم  " إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن ، إن السعيد لمن جنب الفتن ، ولمن ابتلي فصبر فواها" .
والفتـــــــن كثيرة :
فتنةالدنيا  ،فتنة الأولاد ، فتنة الأصحاب، فتنة الجيران، فتنة الشهوات، والشبهات، فتنة فراق الأوطان، فتنة الضرائر،فتنة النساء، فتنة البلايا والأمراض.
لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ولمن ابتُلي فصبر فواها"
فواها : فوا عجبًا يتعجب النبي صلى الله عليه وسلم لِعِظَمِ الصبر ولأن القليل من يصبر. فنسأل الله العافيـــة .
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الفتن فقال " استعيذوا بالله من الفتن " رواه مسلم .
10-       الصبــــــــــر:
قال ربنا سبحانه {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر : 7] أي لحكم ربك اصبر.الحكم الكوني القدري والحكم الشرعي الديني .
وقال سبحانه {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم : 48]
الصبر شاقٌ فيه مرارة عظيمة على النفس لكن تعلم العقيدة ، تعلم التوحيد، يبعث في القلب التسليم والصبر.
قال سبحانه وتعالى:{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن : 11]
حين يعلم العبد المسلم أن كل ذلك مقدر عليه .ونحن في دار مُنغصّة بالمكدرات والمنغصات .
الصبر يجلب الراحة والطمأنينة .
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم :"وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ مِنَ الصَّبرِ" .
هذه بعض أنواع السعادة وكل قُربة وطاعة لرب العالمين فإنها تُنال بها السعادة بإذن الله .
تم بحمد الله الانتهاء من
تفريغ المادة ليلة الأحد

الموافق 17/10/ 1436هـ .
وقد قام بتفريغ المادة أختنا أسماء البريطانية حفظها الله وأعانها .

الخميس، 6 أغسطس 2015

مِن مروياتي عن والدي العلامة الربَّاني الشيخ مقبل الوادعي

                              بسم الله الرحمن الرحيم

1-لابد أن يكون العلم أحب إليك من نفسك ومن ولدك ومن مالِك .
2-العلم أحسن من المُلك ومن الدنيا وأحسن من النساء الجميلات .
3-كان يتكلم على الزمخشري وأنه معتزلي وكان شديدَ المحبة للعلم وأبياته المعروفة التي أولها :
سهري لتنقيح العلوم ألذُّ لي
مِن وصْلِ غانيةٍ وطيب عِناق
وتمايلي طَرَباً لحل عويصةٍ
أشهى وأحلى من مُدامةِ ساق
وصريرُ أقلامي على أوراقها
أحلى من الدوكاة والعشَّاق الخ.
فسمعنا واحداً من الجالسين يقول :أما أن يكون العلم أحسن من ليلة العرس فلا .
فقال الوالد رحمه الله :الناس يختلفون .
4-لابد أن تكون الدُّنيا تابعةً للعلم ولا يكون العلم تابعاً للدنيا من كان هكذا فإنه لا يستفيد.
5-المدارس لا تُخَرِّج علماء.
6-لأن يكون ولدُك عالما خير لك من الدنيا وما فيها .
7-وكان من الأسئلة التي يلقيها الوالد بتكرار :
-إعراب :ما أحسنُ العلمِ ؟.
ما استفهامية مبتدأ .وأحسن خبر وأحسن مضاف والعلم مضاف إليه .
والجواب : علمُ الكتاب والسنة .
إعراب :ما أحسَنَ العِلمَ .ما تعجبية مبتدأ .أحسنَ فعلٌ ماضٍ والفاعل مستتر والعلم مفعول به .
إعراب :ما أَحسنَ العلمُ .
ما نافية أحسن فعل ماضٍ  العلمُ فاعل.
8-كلامه على الدرس الأسبوعي  . ذُكِر له أنَّ هناك درساً أسبوعياً .فتعجَّب الوالد وقال :أنتم تريدون أن تشمُّوا العلم شمَّاً .وضمَّ أصابعها وشمَّها .
9-يثني على طالبٍ لأنه محافظٌ على وقته وأنه دخل المجلس الذي فيه الناس جلوس وفي أسرع وقت انصرف .
يريد رحمه الله الحث لنا على المحافظة على الوقت .
10-العلم عندنا أرفع من الكراسي . الكراسي عندنا لا تساوي بصلة .
قلت :هذه طريقة علمائنا لا يلتفتون الى الرئاسة ولا إلى الدنيا بخلاف أهل عصورنا فعليها يتقاتلون ومن أجلها يتباغضون.
11-إذا فتحتُ صحيح البخاري وصحيح مسلم وقلت حدثنا فلانٌ عن شعبة أنسى جميع مشاكلي .
قلت :ومشاكله رحمه الله هي بسبب مواجهة أعداء الدعوة من حزبيين وسروريين وشيعة وصوفية وتبليغ الخ.
12- يقول طلبة العلم أبنائي .
قلت :طالب العلم يعتبره الوالد ولدا له في الحنان والتفقد والشفقة من أي بلدٍ كان ومن أي لونٍ كان .
13-اهتمامه بالغرباء ولاسيما الأعاجم الذين رحلوا إليه فكان يعطيهم مزيدَ اهتمام حتى إنه ربَّما يعلِّم بعضَ الأعاجم هو بنفسه بعض الكلمات العربية فربما أشار إلى يده ويقول ما اسم هذه أو إلى قلمه وهكذا.
ويقول : إنهم تركوا أوطانهم وأغلبهم من بلد مترفة لأجل العلم .
14-يقول أبو نعيم في الحِلْية :حدثنا سليمان بن أحمد .قلت للوالد بحثتُ عنه فما وجدته فضحك وقال :هو سليمان بن أحمد الطبراني .
15-بعض مرضى القلوب يقول : الاختلاط بالنساء لا ضرر فيه فيرُد رحمه الله بكلام طويل منه قول سعيد بن المسيب: لو ائتمنوني على كذا وكذا من الذهب لوجدت نفسي عليه أمينا ولو ائتمنوني على جارية سوداء ما وجدت نفسي عليها أمينا  .وكان في عمر الثمانين .

أختكم الوادعية 1436من شهر شوال في مكة - بطحاء قريش .

أخت لنا مصرية محبة للوالد الشيخ مقبل حبا جمَّا تقول :كيف صبرتم على موت والدكم ؟


                        بسم الله الرحمن الرحيم
الله الذي يعطي الثبات .ونسأل الله الثبات دائما وأبدا .
وأيضاً خفف عنا استمرارالدعوة بعد وفاة الوالد رحمه الله .

فلقد فرحنا فرحا عظيما بذلك والحمدلله على كل حال .

الدرس الثاني باب التيمم 1436/10/17 ......من عمدة الأحكام

 الدرس الثاني :ليلة الأحد17من شوال 1436.
        قال المؤلف ابومحمد المقدسي رحمه الله                     
                          باب التيمم
ذكرالمؤلف المقدسي رحمه الله  (باب التيمم) عقب الطهارة بالماء ﻷن التيمم بدل عن الماء.

 تعريف التيمم

التيمم لغة :القصد .ومنه قوله تعالى { وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ }  [البقرة : 267] .أي لا تقصدوا .
وقال امرؤ القيس  :
تيمَّمتُها من أَذْرِعاتٍ وأهلُها ... بيثرِبَ أدنى دارِها نظرٌ عالِ
مرجع البيت (الزاهر في معاني كلمات الناس) لمحمد بن القاسم أبي بكر الأنباري .
وشرعا:عرَّفه الحافظ ابن حجر في الفتح وقال: هوالقصد إلى الصعيدلمسح الوجه واليدين بنيةاستباحةالصلاة.
ومن أهل العلم من قال :التيمم :هومسح الوجه واليدين بشئ من الصعيد وهذا التعريف  ذكره ابن قدامة في المغني  (1/1782).

متى شرع التيمم ؟

مختلف في ذلك وأفادالحافظ في فتح الباري في أول شرح التيمم  أنه جَزَمَ ابن عبدالبر فِي الاستذكار وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابن سعد وابن حِبَّانَ أنه شرع في غزوة بني المصطلق .
قال الحافظ: وَغَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ هِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ اهـ.
وكانت غزوة بني المصطلق سنةخمس وقال ابن إسحاق سنة ست.

سبب شرعية التيمم

من الآيات مانزل لسبب ومنها ما نزل لغير سبب . ومما كان نزوله لسببٍ آية التيمم .
أخرج البخاري (334)عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي، «فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا» ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ .
فتبين من الحديث أن نزول آية التيمم ضياع عقد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .
وآية التيمم هي آية الوضوء فقد أخرج البخاري (4608)ما يبين ذلك وفيه فَالْتُمِسَ المَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ  فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} .
وقد اختلف العلماء في ذلك .قال الحافظ في فتح الباري :قَالَ ابن الْعَرَبِيِّ هَذِهِ مُعْضِلَةٌ مَا وَجَدْتُ لِدَائِهَا مِنْ دَوَاءٍ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَيَّ الْآيَتَيْنِ عَنَتْ عَائِشَة .قَالَ بن بَطَّالٍ هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ أَوْ آيَةُ الْمَائِدَةِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ تُسَمَّى آيَةَ الْوُضُوءِ وَآيَةُ النِّسَاءِ لَا ذِكْرَ فِيهَا لِلْوُضُوءِ فَيُتَّجَهُ تَخْصِيصُهَا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ وَأَوْرَدَ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ ذِكْرِ آيَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا وَخَفِيَ عَلَى الْجَمِيعِ مَا ظَهَرَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ لِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ إِذْ صَرَّحَ فِيهَا بِقَوْلِهِ فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة الْآيَةَ اهـ.
قلت : فما بقي إشكال ولله الحمد أن آية التيمم هي آية الوضوء .
وهذه ثلاثة أحاديث في العمدة تحت باب التيمم

قال الإمام أبومحمد المقدسي رحمه الله :عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضي الله عنه -: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَجُلاً مُعْتَزلاً , لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا فُلانُ , مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ , وَلا مَاءَ , فَقَالَ: عَلَيْك بِالصَّعِيدِ , فَإِنَّهُ يَكْفِيَكَ) .

ش:
قوله عليك بالصعيد ) إشارةإلى قوله تعالى{ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}.
 الصعيد:هوالتراب . و{ طَيِّبًا} الطيب:هوالطاهر .
الصعيد:هوالتراب ولايجزئ غيرالتراب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم  (وجعلت تربتهالناطَهورا) رواه مسلم .نصَّ على التراب في سياق الامتنان فلايجزئ  الرمْل ولاالحديد ولااﻷشجار ولاغيرها .والمسألة فيهاخلافٌ بين أهل العلم ولكن السنَّة تبيِّن ما أُجْمِل في القرآن ويفسر السنة بعضها بعضاً .
من فوائد من الحديث
1-تفقدالنبي صلى الله عليه وسلم أصحابه  .
وهذه مهمةُ ولاةِ الأمور تفقد أمور رعيتهم والنصح لهم فليست الولاية اسم فقط بل هي حِمْلٌ كبير وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نعمت المرضعة وبئست الفاطمة.
وترك القيام بالرعاية كبيرة من الكبائر وكثير من حُكَّام اليوم كما قال الوالد الشيخ مقبل رحمه الله :أهم شيء عنده أن يحافظ على كرسيه.
2-تيمم الجنب إذا لم يجد الماء .
وقد ذكرالله عزوجل في كتابه الكريم الحالات التي يشرع فيه التيمم فقال :{ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة : 6].
 الشاهد:قوله تعالى{ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ } [المائدة : 6] .
ذكر سبحانه  أربعة أمور مبيحة للتيمم.
  -المرض مبيح للتيمم ولوكان الماء موجودا بقيد الضرر.
قال ابن رجب في فتح الباري المراد به عند جمهور العلماء إذاكان استعمال الماء معه يخشى منه الضرراهـ.
{أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ}  المسافر وذُكِر لأن السفر مظنة انعدام الماء  خاصةً في اﻷزمنة المتقدمة .
{ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ} المحدث حدثا أصغر .
والغائط:كناية عن قضاء الحاجة .وأصل الغائط المطمئن من اﻷرض.
{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ }أخرج ابن جرير في تفسير سورة النساء بسندٍ صحيح  عن ابن عباس: أنه قال:"أو لامستم النساء"  قال: هو الجماع.
و هذه الثلاثة اﻷمور السفروالحدث اﻷصغرواﻷكبرلايباح فيهاالتيمم إلا إذاكان الماء معدوما لقوله (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً).
ومن الحالات التي  يباح فيها التيمم إذاكان  يخشى من استعمال الماء الضررمثل أن يكون الماء باردا فيخشى لو استعمله أن يصاب بمرض كالزُّكام أو ألمٍ في العظام .وضابط هذا( أن يخشى حدوث علة أودوامها ) .
صحيح ليس بمريض لكنه يخشى حدوثَ علة أودوامها فإنه يباح له التيمم .
والدليل قول الله عزوجل {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ}َ [الحج : 78] .
وهناك( فاقدالطَّهورين )بفتح الطاء. وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى في هذه المسألة  (باب إذالم يجدماءولاتربا)
ثم ذكر حديث عائشة المتقدم في سبب نزول آية التيمم وفي بعض ألفاظ هذه الرواية عند البخاري(336) زيادة ( فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا ) .
الذي يفقد الماءوالتراب يصلي على حاله قال سبحانه{ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ َ} [البقرة : 286] وهذا كالمريض الذي لايجد من يخدمه وليس عنده ماء ولا تراب يصلي على حاله وكالمربوط الذي ليس عنده ماء ولاتراب  .

قال الإمام المقدسي رحمه الله : عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنهما قَالَ: (بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَاجَةٍ , فَأَجْنَبْتُ , فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ , فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ , كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ , ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ: إنَّمَا  يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَاثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً , ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ , وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ )

  ش:
قوله (تمرغت) تقلبت .
( الدابة) كل مادبَّ على وجه اﻷرض . ويطلق عرفا على ذوات اﻷربع .
هذا الحديث كالحديث الذي قبله يفيد  تيمم الجنب  إذالم يجدالماء.
 وفيه أيضاً من الفوائد
1-أن الصحابي قد يجتهد في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا لم يتيسر له السؤال وقت الحاجة .
 2-وفيه التعليم بالفعل . والتعليم بالفعل أبلغ من القول. النبي صلى الله عليه وسلم علمه كيفية التيمم بالفعل.
3-صفة التيمم  .
 4- أنه يضرب بيديه اﻷرض .وهذا يفيد أنه مايضعها على اﻷرض وضعا كما يفيده لفظة يضرب .
هذا هو السنة . فلو وضعها وضعاً أجزأه .
5-وقوله(ضربة واحدة) يفيد أن التيمم ضربةواحدة.
وماجاءمن حديث ابن عمرعن النبي صلى الله عليه وسلم(التيمم ضربتان ضربة للوجه  وضربة لليدين إلى المرفقين) .
 هذا رجح الحفاظ وقفه . يراجع التلخيص الحبير .
  6-فيه دليل على الاقتصار على مسح الكفين فلايزاد على الكفين في المسح  .وهذا قول أهل الحديث وأهل الظاهر كما في بدايةالمجتهد لابن رشد.
وجمهور العلماء على المسح إلى المرفقين كالوضوء .
ولابأس أن ينفخ التراب من يده تخفيفا لأثرالتراب  قبل أن يمسح لروايةٍ في  البخاري (338) ومسلم  (368) واللفظ للبخاريفَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ   ).
استفدنا من حديث عمار كيفية التيمم وسواءبدأبمسح اليدين أوبدأ بمسح الوجه  فالرويات جاءت بهذا وهذا .
ولكن اﻷولى أن يبدأ بمسح الوجه  لقوله تعالى{  {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء : 43] بدأ سبحانه بمسح الوجه.
قال ابن القيم رحمه  الله في زاد المعاد(2/320) كَانَ-(أي النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم )- يُحَافِظُ عَلَى تَقْدِيمِ مَا قَدَّمَهُ اللَّهُ، وَتَأْخِيرِ مَا أَخَّرَهُ، كَمَا بَدَأَ بِالصَّفَا، وَقَالَ ( «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ) وَبَدَأَ فِي الْعِيدِ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ جَعَلَ النَّحْرَ بَعْدَهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّ ( «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَهَا، فَلَا نُسُكَ لَهُ» ) تَقْدِيمًا لِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] وَبَدَأَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالْوَجْهِ، ثُمَّ الْيَدَيْنِ، ثُمَّ الرَّأْسِ، ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ تَقْدِيمًا لِمَا قَدَّمَهُ اللَّهُ، وَتَأْخِيرًا لِمَا أَخَّرَهُ، وَتَوْسِيطًا لِمَا وَسَّطَهُ، وَقَدَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ تَقْدِيمًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14] [الْأَعْلَى: 13] وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.


قال الإمام المقدسي رحمه الله  عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (أُعْطِيتُ خَمْساً, لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ , وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا , فَأَيُّمَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ , وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ , وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي , وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً , وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً) .


في هذا الحديث إثبات خمس خصائص للنبي صلى الله عليه وسلم
 الخصيصةاﻷولى:نصره الله بالرعب مسيرة شهر .الرعب:الخوف وهومايقذفه الله عزوجل في قلوب أعدائه.
وقوله (مسيرة شهر) قال البغوي في شرح السنة (13/196)مَعْنَاهُ: أَن الْعَدو يخافني، وبيني وَبَينه مَسَافَة شهر، وَذَلِكَ مِن نصر اللَّه إِيَّاه.
وقال ابن كثير في الفصول في سيرة الرسول281  قيل: كان إذا هم بغزو قوم أرهبوا منه قبل أن يقدم عليهم بشهر، ولم يكن هذا لأحد سواه.
 2-الخصيصةالثانية :(وجعلت لي اﻷرض مسجدا وطهور)هذا من خصوصياته ومن خصوصيات هذه اﻷمةأنهم يصلون حيثماأدركتهم الصلاة بخلاف مَن قَبْلنا كانوا يصلون في أماكنهم المعدَّةللصلاة .وكان هذا شرطاً في صحةصلاتهم .وروى أحمد في مسنده (11/639)بسندٍ حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه :( وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسَاجِدَ وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ ).
وقوله (وطَهورا)قال ابن كثيرا في الفصول في سيرة الرسول : يعني به التيمم، فإنه لم يكن في أمة قبلنا، وإنما شرع له صلى الله عليه وسلم ولأمته توسعة ورحمة وتخفيفاً اهـ.
وفيه دليل على أن التيمم رافعٌ للحدث كالماءرفعامؤقتا .وليس بمبيح للصلاة كمايقول بعض العلماء .أي أنه مبيح للصلاة مع وجود الحدث .
- وفيه دليلٌ على أن التيمم بدل عن الوضوءفيقوم مقامَه ويأخذ أحكامه فيبقى على طهارته حتى يحدث أويجدالماء ويصلي به ماشاء فيبقى على طهارته إلا إذا أحدث أووجد الماء .وهذا قول جمهور العلماء أن وجودالماء ينقض الطهارةكمافي بدايةالمجتهد لابن رشد .
وسواء في الصلاة أوخارج الصلاة إذا سَمع الماء وهوفي الصلاة تبطل صلاته وعليه أن يخرج من صلاته .
وهذه مسألةمختلف فيها إذا كان في الصلاة وجاءالماء والصحيح أنه يبطل وضوءه وذلك أن التيمم شُرع  عند فقد الماء .  ويستثنى إذا سمع الماءوهويصلي ولكنه لوخرج من الصلاة فإنه يخرج وقت الصلاة .
يقول الوالد(الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله) لايخرج من الصلاة في هذا الحال لأنه لو خرج يخرج  الوقت .  والله عزوجل يقول : {ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء : 103] .
 هذاوعموم قوله(وجعلت لي اﻷرض مسجدا) مخصوص  هناك بعض اﻷماكن مثل معاطن اﻷبل والمقابر والحمامات هذه لايصلى فيها.
 3-الخصيصةالثالثة(وأحلت لي المغانم ولم تحل ﻷحد قبلي ) -الغنائم جمع غنيمة:وهي مايؤخذ من مال الكفاربقتال.
 وكانت لاتحل لمن قبلنا أخرج البخاري (3124)ومسلم (1747) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا؟ وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا، فَغَزَا فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ صَلاَةَ العَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَجَمَعَ الغَنَائِمَ، فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطْعَمْهَا فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَلْيُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ، فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الغَنَائِمَ رَأَى ضَعْفَنَا، وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا .
 4-الخصيصةالرابعة(وأعطيت الشفاعة):وهي الشفاعة العظمى المذكورةفي قوله تعالى{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء : 79 ] .
ولم ينكرها أحدمن اﻷمةالإسلامية لاالمعتزلة ولا الخوارج ولا غيرهمﻷنهالفصل القضاء .
-الخصيصةالخامسة(وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)فيه عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ومن لم يؤمن بهذا فهو كافر قال تعالى {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود : 17] وقوله(ياأيهاالناس إني رسول الله إليكم ) وقال سبحانه (لأنذركم به ومن بلغ) .
 وقدذكر شيخ الإسلام في الفرقان بين أولياء الرحمن واولياء الشيطان أن كثيراًمن اليهود والنصارى يؤمنون برسالةالنبي صلى الله عليه وسلم لكن يقولون إنمابعث للأميين أي للعرب ولم يُبعث ﻷهل الكتاب .ويبين شيخ الإسلام أن هذا لايدخلهم في الإسلام لأن رسالة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم عامة للثقلين .وقد قال ربنا { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } .
وروى الإمام مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم(والذي نفسي بيده لايسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لايؤمن بي إلاكان من أهل النار) .وفقنا وإياكم لمايحب ويرضىَ .

اهـ باب التيمم وبالله العصمة والتوفيق .

الأحد، 2 أغسطس 2015

دار الدنيا سبيلُ سفر ودارُكَدَر

                                 
                                   بسم الله الرحمن الرحيم
دار الدنيا سبيل سفر وداركَدَر ودارهموم وأحزان لا يسلم منه أحد ولهذا أهل الجنة يقولون (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) .
وكان والدي الشيخ مقبل رحمه الله يقول :الدنيا ليس فيها راحة .
ذَكَر لي هذا لأحذرَ من فتنةِ الدنيا وزهرتها ولترويض النفس على تحمُّل النوائب فيها لأنها ليست دار راحة.
 الحُزْن: ضد السرور.
الحزن ابتلاء من الله ولهذا كان من مكفرات الذنوب أخرج البخاري(5641) ومسلم  (2573)واللفظ للبخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» .
الحزن مِن أحبِّ ما يكون إلى إبليس قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .
وينبغي أن نحرص على إغاظة العدو لأن إغاظة العدو قربة يحبهاالله فقد قال تعالى (وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) .
وليس هناك أي دليل في الحث على الحزن لأنه من المصائب والابتلاءات ولكن نجد النهي عنه قال تعالى (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا). وقال {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ) .وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستعيذبالله منه فيقول : اللهم إني أعوذبك من الهم والحزن .
يقول ابن القيم في مدارج السالكين : الحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْقَلْبِ.
وقال : إنه مضعف للقلب عن السير مُقَتِّر للعزم اهـ المراد .
ليس بمطلوب ولامقصود .أي ليس بمقصود ينبغي طلبه .
فالحُزن يفوِّت الخيرَ ويضيق الصدر ويجلب الضرر ويأتي بالتوتُّرويجد الشيطان مدخلا من خلاله والمعصوم من عصم الله .
وقد نُهي عن تناجي اثنين دون الثالث لئلا يسبب له الحُزن فيعين على أخيه الشيطان لأنه كما تقدم الحزن يحبه الشيطان ويفرح به . أخرج مسلم  (2184)عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ» .
وقد نبَّه ابن القيم في مدارج السالكين (1/500)أنَّ قوله تعالى{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَنْ لَا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92] نبه أنهم لم  يُمْدَحُوا عَلَى نَفْسِ الْحَزَنِ، وَإِنَّمَا مُدِحُوا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَزَنُ مِنْ قُوَّةِ إِيمَانِهِمْ، حَيْثُ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَجْزِهِمْ عَنِ النَّفَقَةِ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَحْزَنُوا عَلَى تَخَلُّفِهِمْ، بَلْ غَبَطُوا نُفُوسَهُمْ بِهِ اهـ
أسباب الحزن كثيرة كالمرض والموت والمشاكل وفراق الأحبة والحزن على فوات الخير والحزن على الأولاد وأيضا منهم .وقد روى الطبراني  (24/241)  عن خولة بنت حكيم أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:الْوَلَدُ مَحْزَنَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ مَبْخَلَةٌ  .والحديث صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (1990) .
وابتلى الله يعقوب بالحزن على ولده يوسف وأخي يوسف  (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) .
الحزن اضطراري وليس باختياري فيُدفَع ما أمْكن ويُعالَجُ إن شاء الله بالقرآن الكريم لأنه شفاء وبالإيمان بالقدر والدعاء والتغاضي والمجاهدة  حتى يفرج الله أو يلقى الإنسانُ ربَّه ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.

والله أعلم .أختكم الوادعية 16/10/1436.