جديد المدونة

جديد الرسائل

الجمعة، 30 سبتمبر 2022

(71) نصائح وفوائد

 

خوف المؤمن 

إنَّ الاتصاف بالخوف عبادةٌ جليلةٌ، ولا يحجز بين الإنسان والمعاصي إلا الخوف من الله عَزَّ وَجَل، والخوف المحمود ما حجز عن محارم الله.

فالمؤمن يخاف من الله؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: ﴿ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) ﴾[النحل:51].

يخاف من عذاب الله عَزَّ وَجَل ﴿ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) ﴾ [الإسراء:57].

يخاف من النار ومن الوقوف بين يدي الجبار، قال تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) ﴾[الرحمن:46]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) ﴾[النازعات].

يخاف من إحباط عمله، وقد بوب الإمام البخاري في «صحيحه» «بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ». فهو يخاف على عمله، ويحرص على حفظه من إبطاله بالعجب، والغرور، والرياء، وإذا أتمه يخاف على عمله من أن يهديه لغيره؛ فإن العمل قد يذهب سُدًى؛ بسبب هذه الآفات.

يخاف من النفاق، كما في الحديث عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دُعِيَ عُمَرُ، لِجِنَازَةٍ، فَخَرَجَ فِيهَا أَوْ يُرِيدُهَا فَتَعَلَّقْتُ بِهِ فَقُلْتُ: اجْلِسْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ مِنْ أُولَئِكَ، فَقَالَ: «نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَنَا مِنْهُمْ»، قَالَ: «لَا وَلَا أُبَرِّئُ أَحَدًا بَعْدَكَ» رواه البزار في «البحر الزخار»(2885) وحسنه والدي في « الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»( 294).

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ " رواه البخاري معلقًا في «صحيحه» (1 / 18 ).

ووالدي رحمه الله يقول في درس لنا: لا يأمن على نفسه من النفاق إلا مغرور.

يخاف يوم القيامة ويتقيه، كما قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)﴾[البقرة:281 ]

يخاف إذا تولى شيئًا ألَّا يحسن القيام به، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ» رواه البخاري (7148).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَالٌ، فَنَشَجَ حَتَّى اخْتَلَفَتْ أَضْلَاعُهُ؛ ثُمَّ قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّي أَنْجُو مِنْهُ كَفَافًا لَا لِي، وَلَا عَلَيَّ».  كما في « الرقة والبكاء» لابن أبي الدنيا (419).

يخاف أن يظلِم، أن يؤذي، أو ينتهك الأعراض؛ ولهذا النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقول: « وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ» رواه أبو داود (3450)  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

يخاف من التقصير من العمل بما تعلم؛ ولهذا عددٌ من علمائنا يقولون: وددت أني خرجت منه كفافًا -يعني: من العلم- لا علي ولا لي. قال ابن أبي حاتم رَحِمَهُ الله في مقدمة «الجرح والتعديل» (1/ 62): كانوا يتخوفون من أفضل أعمالهم.

ورَحِمَ الله والدي وغفر له؛ إذ يقول: نخشى والله أن الناس يدخلون الجنة، ونحن عند الأبواب، أو قد ذُهب بنا إلى كذا وكذا، والعياذ بالله.

 وبحسب علم الشخص يكون خشيته لربه عَزَّ وَجَل وتقواه، كما قال النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» رواه البخاري(5063) عن أنس رضي الله عنه