للإنتقال إلى موقع الشيخة ام عبدالله الجديد اضغط هنا
جديد الرسائل

الاثنين، 18 يناير 2016

الدرس الحادي عشر من (الفصول في سيْرَةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم) 9 من شهر ربيع الأول 1437 .



                                  فصل ـ فرضُ الجهاد
ولما استقرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ بين أظْهُرِ الأنصارِ وتكفَّلوا بنصره ومنعه من الأسود والأحمر، رمتهم العربُ قاطبةً عن قوسٍ واحدةٍ، وتعرَّضوا لهم من كلِّ جانب، وكان الله سبحانه قد أذِن للمسلمين في الجهاد في سورة الحج وهي مكيَّة في قوله تعالى: "أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير"، ثم لمَّا صاروا في المدينة وصارت لهم شوكةٌ وعضُدٌ كتبَ الله عليهم الجهادَ كما قال الله تعالى في سورة البقرة: "كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبُّوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون".
*************************

تعريفُ الجهاد قال الحافظ في فتح الباري في شرح أول كتاب الجهاد :

الْجهَاد بِكَسْر الْجِيمِ أَصْلُهُ لُغَةً الْمَشَقَّةُ يُقَالُ جَهِدْتُ جِهَادًا بَلَغْتُ الْمَشَقَّةَ .

وَشَرْعًا بَذْلُ الْجُهْدِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَالْفُسَّاقِ .اهـ

وهذا الفصل في فرضية الجهاد و لما استقر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمدينة كان معلِّمًا، ومربيًا، وداعيًا إلى الله عز وجل، فلما ظهر الإسلام، وقويت شوكتُه فرضَ الله عز وجل الجهاد.
ولم يُفرَضِ الجهادُ في مكة قبل الهجرة؛ لأن المسلمين كانوا مستضعفين قال تعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} .
فلم يُؤمَروا بقتالِ الكفار لأنه ما كان عندهم قُدرة ولا أُمِرُوا بتخريب دُورهم وممتلكاتهم إذ لو فعلوا ذلك لقتلهم الكفار ولأبادُوهم عن آخرهم لأن الوطْاَة وطأتُهم ، بخلافِ الطائشين في أزمنتنا يجنُون على الإسلام والمسلمين الشر والضرر بقتلِ بعض أفراد الكفار وبعضهم يكون معاهَدَاً من الدولة  فيزداد الكفار غضبا وحَنَقًاوانتقاما   .
ولا أُمروا أيضاً  في أوَّل مقدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة حتى ظهرَ الإسلام وقوِيَتْ شوكتُه وصار له أنصار وأعوان ودَوْلة قويةٌ  حينئِذٍ جاء الأمرُ بالقتال .
 وقد قال بعض العلماء: إن الله عز وجل أَذن بالجهاد في مكة قبل الهجرة، وهذا ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله هنا .
 وقد ردَّه ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (3/63،64)من وجوه  وقال رحمه الله :
وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّ هَذَا الْإِذْنَ كَانَ بِمَكَّةَ، وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وَهَذَا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْذَنْ بِمَكَّةَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ، وَلَا كَانَ لَهُمْ شَوْكَةٌ يَتَمَكَّنُونَ بِهَا مِنَ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ.
الثَّانِي: أَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِذْنَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ فَإِنَّهُ قَالَ: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 40] [الْحَجِّ: 40] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُهَاجِرُونَ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] [الْحَجِّ: 19] نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَدْ خَاطَبَهُمْ فِي آخِرِهَا بِقَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 77] وَالْخِطَابُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مَدَنِيٌّ، فَأَمَّا الْخِطَابُ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] فَمُشْتَرَكٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ أَمَرَ فِيهَا بِالْجِهَادِ الَّذِي يَعُمُّ الْجِهَادَ بِالْيَدِ وَغَيْرِهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ الْمُطْلَقِ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَأَمَّا جِهَادُ الْحُجَّةِ فَأَمَرَ بِهِ فِي مَكَّةَ بِقَوْلِهِ: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} [الفرقان: 52] أَيْ: بِالْقُرْآنِ {جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52] [الْفُرْقَانِ: 52] فَهَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ، وَالْجِهَادُ فِيهَا هُوَ التَّبْلِيغُ، وَجِهَادُ الْحُجَّةِ، وَأَمَّا الْجِهَادُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي (سُورَةِ الْحَجِّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجِهَادُ بِالسَّيْفِ.
السَّادِسُ: أَنَّ الحاكم رَوَى فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ مسلم البطين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ قَالَ أبو بكر: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] [الْحَجِّ: 39] وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ. وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ " الصَّحِيحَيْنِ " وَسِيَاقُ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهَا الْمَكِّيَّ وَالْمَدَنِيَّ، فَإِنَّ قِصَّةَ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي أُمْنِيِّةِ الرَّسُولِ مَكِّيَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ". اهـ

والجهاد له مراحِل في السيرة النَّبَويَّة
وقد ذكر هذه المراحل ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد.(3/64) وقال:
"ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ قَاتَلَهُمْ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ فَقَالَ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190] [الْبَقَرَةِ: 190] .
ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِمْ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً .
 وَكَانَ مُحَرَّمًا، ثُمَّ مَأْذُونًا بِهِ، ثُمَّ مَأْمُورًا بِهِ لِمَنْ بَدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ مَأْمُورًا بِهِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ" .اهـ
وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجاهدُ الكفارَ بمكة بالحُجَج وبالقرآن، قال سبحانه: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:52].

والجهاد على أربع مراتب:
قال ابنُ القيم رحمه الله في زاد المعاد(3/9):" الْجِهَادُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النَّفْسِ، وَجِهَادُ الشَّيْطَانِ، وَجِهَادُ الْكُفَّارِ، وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ" ثم شرحها رحمه الله .
 وشرحها الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري بشرحٍ مختصَر وقال :
 فَأَمَّا مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ فَعَلَى تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ ثُمَّ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا ثُمَّ عَلَى تَعْلِيمِهَا .
وَأَمَّا مُجَاهَدَةُ الشَّيْطَانِ فَعَلَى دَفْعِ مَا يَأْتِي بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَمَا يُزَيِّنُهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ .
وَأَمَّا مُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ فَتَقَعُ بِالْيَدِ وَالْمَالِ وَاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ .
وَأَمَّا مُجَاهَدَةُ الْفُسَّاقِ فَبِالْيَدِ ثُمَّ اللِّسَانِ ثُمَّ الْقَلْبِ . اهـ

أبواب الجهاد والمغازي فيها علم غزير في سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم،وصفاته الخلْقِيَّة والخُلُقِيَّة ،وفي معجزاته، وسبب نزول القرآن وغير ذلك.
قال ابنُ كثير في البداية والنهاية (2/241) وَهَذَا الْفَنُّ مِمَّا يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِأَمْرِهِ وَالتَّهَيُّؤُ لَهُ .وذكر بعض الاثار لكنها من طريق الواقدي وهو متروك .
وقد أُلِّفت المؤلفات في الجهاد، والمغازي، ومن أهل العلم من يجعلها ضمن مؤلفاتهم فيعقدون لها كتبًا .

الجهاد لا يكون إلا بمشورة العلماء الراسخين؛ لأن ربنا عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:83]، ويقول: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63].
ولما أعرض كثير من الناس –إلا من رحم الله-عن الرجوع إلى العلماء الراسخين تخبَّطوا، وفتحوا بابَ الجهاد على مِصْرَاعيه  بمجرد الهوى والرأي المحض ومن غير ضوابِطٍ ولا قيودٍ ووقعوا في عقيدة الخوارجِ والمعتزلة من قتال الأمراء والوُلاة، والخروج على الحكام الظلمة ، والسعي بالفساد .
 ومن الأُمورِ المنكرة  التفجيرات يُفَجِّر نفسَه مع مجموعة وهذا حرامٌ وكبيرةٌ من الكبائر يشمله ما رواه البخاري (5778) ومسلم (109) عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :«مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».
والله عزوجل يقول { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} .
وقد كانَ والدي رحمه الله يُفتي بتحريم ذلك للآية وللحديث المذكور وما في معناه ولأنه يجر إلى مفاسد عظيمة.
وقال الشيخ ابنُ عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين في شرح حديث الغلام الذي قال للملك (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام)والحديث عند مسلم يقول رحمه الله :
فأمَّا ما يفعله بعضُ الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجِّرة ويتقدم بها إلي الكفار ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله .

ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.
لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام، لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مائة أو مائتين، لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يسلم الناس، بخلاف قصة الغلام، فإن فيها إسلام كثير من الناس، فكل من حضر في الصعيد أسلموا، أما أن يموت عشرة أو عشرون أو مائة أو مائتان من العدو، فهذا لا يقتضي أن يسلم، بل ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدره هذا العمل حتى يفتك بالمسلمين أشد فتك، كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين، فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات وقتل ستة أو سبعة أخذوا من جراء ذلك ستين نفرا أو أكثر، فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين، ولا انتفاع للذين فجرت هذه المتفجرات في صفوفهم.
ولهذا نرى أن ما يفعله بعضُ الناس من هذا الانتحار، نرى أنه قتل للنفس بغير حق، وأنه موجب لدخول النار والعياذ بالله، وأن صحابه ليس بشهيد. لكن إذا فعل الإنسان هذا متأوِّلا ظانا أنه جائز، فإننا نرجو أن يسلم من الإثم، وأما أن تكتب له الشهادة فلا؛ لأنه لم يسلك طريقة الشهادة، لكنه يسلم من الإثم لأنه متأول، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر.اهـ
وللشيخ الفوزان حفظه الله في (أسئلة المناهج الجديدة ) 125كلام يُفيد هذا ومما قال :فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه بل يحافظ على نفسه غاية المحافظة ...
فأمرُ الجهادِ أخطأَ في فهمه كثيرٌ من الناس بسبب رجوعهم إلى أئمةِ الضَّلال .
وهذا طرَفٌ .
طرفٌ آخرُ يتنكَّر للجهاد من أصله وهم الكفار، ومن كان متأثرًا بهم بحجة الإنسانية،وسماحة الدِّين  والمواساة، وأرادوا أن يُلْغوا الجهاد في سبيل الله .
 والجهاد في سبيل الله هو من جملة البراء من أعداء الله عز وجل الذي أمر الشرعُ به .
(وتكفَّلوا بنصره ومنعه من الأسود والأحمر، رمتهم العرب قاطبةً عن قوسٍ واحدةٍ، وتعرَّضوا لهم من كل جانب) .
(ومنعه من الأسود والأحمر) الأحمر فُسِّر بالأبيض لكن قال ابن الأثير في النهاية :فِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَر .
وذكر رحمه الله حديث «بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمِرِ والأسْود» وقال :أَيِ العَجم والعَرب؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى ألْوان العَجم الْحُمْرَةُ وَالْبَيَاضُ، وَعَلَى أَلْوَانِ الْعَرَبِ الْأُدْمَةُ وَالسُّمْرَةُ . اهـ
وقد نبَّه أسعدُ بن زُرارة رضي الله عنه الأنصار على هذا أنهم إذا آووا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكالب عليهم الناس جميعًا، ففي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في مسند أحمد (23/22) في قصة بيعة العقبة الثانية قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللهِ لَا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ يَثْرِبَ، فَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ ".
 قال جابرٌ فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، إِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى السُّيُوفِ إِذَا مَسَّتْكُمْ، وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ، وَعَلَى مُفَارَقَةِ الْعَرَبِ كَافَّةً، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ، فَهُوَ أَعْذَرُ عِنْدَ اللهِ، قَالَوا: يَا أَسْعَدُ بْنَ زُرَارَةَ أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ، وَلَا نَسْتَقِيلُهَا، فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا يَأْخُذُ عَلَيْنَا بِشُرْطَةِ الْعَبَّاسِ،، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ.
والحديث حسن. ويُنظر الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  لوالدي رحمه الله (215).
فالأنصار رضي الله عنهم لما آووا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونصروه عادتهم
العرب حتى أعزَّ الله دينه، وأعلى كلمته { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}. والله أعلم.
*************************
 فصل ـ أول المغازي والبعوث ـ غزوةُ الأبواء
وكانت أول غزاة غزاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غزوةَ الأبواء، وكانت في صفر سنة اثنتين من الهجرة، خرج بنفسه صلى الله عليه وسلم حتى بلغ ودَّان، فوادع بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة مع سيدِّهم مخشي بن عمرو، ثم كر راجعاً إلى المدينة ولم يلقَ حرْباً، وكان استخلفَ عليها سعدَ بن عبادة رضي الله عنه .
*************************
          هذا الفصل في أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
 وأول غزوات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غزوة الأبواء ـ الموضع الذي ماتت فيه أمه آمنة بنت وهب ـ ويقال لهذه الغزوة غزوة ودَّان، وهما واحدة وأُطلِق عليها ذلك لأن المكانين متقاربان .
قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تاريخ الأمم والملوك (2/ 14 ) :فغزا رسول الله صلى الله عليه و سلم في قول جميع أهل السير فيها في ربيع الأول بنفسه غزوة الأبواء ويقال ودَّان وبينهما ستة أميال هي بحذائها . اهـ
(وكانت في صفر سنة اثنتين من الهجرة، خرج بنفسه صلى الله عليه وسلم حتى بلغ ودَّان)
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قدم المدينة بقي بقية ربيع الأول، وربيع الثاني، وجمادَين، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذا القعدة، وذا الحجة، وشهر الله المحرم. وفي شهر صفر بدأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقتال يقول الحافظ ابنُ كثير  رحمه الله : (سنة اثنين من الهجرة ...)  وخرج إلى الأبواء ليعترضَ عِيرًا لقريش .
 (فوادعَ بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة مع سيدِّهم مخشي بن عمرو، ثم كرَّ راجعاً إلى المدينة ولم يلق حرباً) .
وفي بعض النسخ مجديَّ بن عمرو بدل مخشي بن عمرو.
ووادعَ في هذه الغزوة بني ضمرة بن عبد مناة مع سيدهم مجديِّ بن عمرو وكانت  المواعَةُ على ألا يغزوهم، ولا يُغزوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يكثِّروا عليه جمْعًا، ولا يعينوا عليه عدوًا.
وهذا من الحكمة موادعة القبائل ليسلَمَ من شرهم وأذاهم .
ثم رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة ولم يلق حربًا، فكانت هذه الغزوة بدون
قتال ولكن أرْعَب ذلكَ قريشا فإن خروجه لتلقيهم يدُلُّ أنه صار للمسلمين قوَّةٌ   .
 وأول غزوة كان فيها قتال هي غزوة بدر.
(ولم يلق حرباً)  
وفي بعض كتب السِّيَر (ولم يلق كيدًا) أي: حربًا.
(وكان استخلف عليها سعد بن عبادة رضي الله عنه).
(عليها) أي:  استخلف على المدينة  سعد بنَ عبادة لما خرج إلى غزوة الأبواء.
*************************
بعثُ حمزةَ بنِ عبد المطلب
ثم بعث عمه سيف البحر فالتقى بأبي جهل بن هشام، وركب معه زُهاء ثلاثمائة، فحال بينهم مجديُّ بن عمرو الجهني، لأنه كان موادعاً للفريقين.
*************************
هذا في بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه للتَّعَرُّضِ لعير قريش كانت قد أقبلت من الشام ، وهذه أول بعوثات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والغزوة يكون فيها خروجُ الأميرِ نفسِه مع المقاتلين .
 والبعوث : جيش يبعثه الإمامُ  للغزو، ويجعل عليهم أميرًا من غير أن يُشارِك معهم القتال .
هذا يقال له بعْث .
 هذا ما يتعلق في الفرق بين البعوث والغزوات.
وبعضهم يُطْلِقُ على البعث غزوة .
قال الحافظ في فتح الباري شرح أول كتاب المغازي : الْمُرَادُ بِالْمَغَازِي هُنَا مَا وَقَعَ مِنْ قَصْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكُفَّارَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِجَيْشٍ مِنْ قِبَلِهِ .
وهناك السَّرِيَّة
قال ابن الأثير في النهاية : وَهِيَ طائفةٌ مِنَ الجَيش يبلغُ أَقْصَاهَا أربَعمائة تُبْعث إِلَى العَدوّ، وجمعُها السَّرَايَا، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يكونُون خُلاصةَ العسْكر وخيارَهم، مِنَ الشَّيء السَّرِيِّ النَّفِيس. وَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ينْفذُون سِرًّا وخُفْية، وَلَيْسَ بالوجْه، لِأَنَّ لامَ السِّرِّ رَاءٌ، وَهَذِهِ ياءٌ.اهـ
أي اختلفوا لأي شيء قيل لها سرِيَّة فقيل لأنها مختارة نفيسة ، وقيل لأنها تسري بخفية .
  وقال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم شرح حديث بريدة رضي الله عنه :( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا ..)السَّرِيَّةُ : قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ تُغِيرُ وَتَرْجِعُ إِلَيْهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ هِيَ الْخَيْلُ تَبْلُغُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَنَحْوَهَا قَالُوا سُمِّيَتْ سَرِيَّةً لِأَنَّهَا تَسْرِي فِي اللَّيْلِ وَيَخْفَى ذَهَابُهَا وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ يُقَالُ سَرَى وَأَسْرَى إِذَا ذَهَبَ لَيْلًا .
وقال رحمه الله في تحرير ألفاظ التنبيه 315 :السّريَّة الَّتِي يبعثها الإِمَام من الْجَيْش قبل دُخُوله إِلَى دَار الْحَرْب مُقَدّمَة لَهُ .
وفي فتح الباري تحت رقم (4338) السرية :هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَعُودُ إِلَيْهِ وَهِيَ مِنْ مِائَةٍ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ .
(ثم بعث عمَّه حمزة رضي الله عنه في ثلاثين راكباً من المهاجرين ليس فيهم أنصاري إلى سيفِ البحر) .
(ليس فيهم أنصاري)
قال ابن سعدٍ في الطبقات (2/ 4)وَلَمْ يَبْعَثْ رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحدًا مِنَ الأَنْصَارِ مَبْعَثًا حَتَّى غَزَا بِهِمْ بَدْرًا. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شَرَطُوا لَهُ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ فِي دَارِهِمْ .
(سيف البحر) قال ابن الأثير في النهاية(2/434): أَيْ ساحِلَه .

 (فالتقى بأبي جهل بن هشام، وركب معه زهاءَ ثلاثمائة)

أبو جهل : عمرو بن هشام .
 (فحال بينهم مجدي بن عمرو الجهني، لأنه كان موادعاً للفريقين).
موادعًا أي: مصالحًا للفريقين للمسلمين ولكفار قريش ، ولما اصطفُّوا للقتال دخل بينهم وحجزهم عن القتال ، فأطاعوه وانصرفوا ولم يتمَّ القتال وقد كان مجدي بن عمرو موادِعًا، ولابد من الوفاء بالعهد ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام:152] فلا يجوز قتلُه ولا الاعتداء عليه . والله أعلم .

*************************
بعثُ عُبيدةَ بنِ الحارث بنِ المطلب
وبعث عبيدة بن الحارث بن المطلب في ربيع الآخر في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين أيضاً إلى ماء بالحجاز بأسفل ثنية المَرَة، فلقوا جمعاً عظيماً من قريش عليهم عكرمة بن أبي جهل، وقيل: بل كان عليهم مكرز بن حفص، فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رشَق المشركين يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي به في سبيل الله، وفرَّ يومئذ من الكفار إلى المسلمين المقدادُ بن عمرو الكندي، وعتبةُ بن غزوان رضي الله عنهما. فكان هذان البعثان أوَّل راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اختلف في أيهما كان أول .
 وقيل: إنهما كانا في السنة الأولى من الهجرة. وهو قول ابن جرير الطبري، والله تعالى أعلم.
*************************
بعثُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعُبَيدة بن الحارث بن المطلب في السنة الثانية من الهجرة.
 ولما التقوا بالمشركين هُزِمَ المشركون فلم يكن بينهم قتال إلا أنهم تراموا بالسهام وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أوَّل من رمى بسهم إلى المشركين .
وقد كان رضي الله عنه يَقُولُ: "إِنِّي لَأَوَّلُ العَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا يَضَعُ البَعِيرُ أَوِ الشَّاةُ، مَا لَهُ خِلْطٌ ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلاَمِ، لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي، وَكَانُوا وَشَوْا بِهِ إِلَى عُمَرَ، قَالُوا: لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي" رواه البخاري (3728)، مسلم (2966) يتحدث عن مناقبه رضي الله عنه.
(وفرَّ يومئذ من الكفار إلى المسلمين المقداد بن عمرو الكندي، وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما).
وقد كانا مسلِمَين، فخرجا مع المشركين ولحِقَا رضي الله عنهما بالمسلمين .
 وفي دلائل النبوة للبيهقي (3/ 10) وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ الْتَقَى فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي قِتَالٍ، وَفَرَّ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ يَوْمَئِذٍ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَا فِي حَبْسِ قُرَيْشٍ قَدْ أَسْلَمَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَوَصَّلَا بِالْمُشْرِكِينَ حَتَّى خَرَجَا إِلَى عُبَيْدَةَ وَأَصْحَابِهِ . وهو مرسل من مراسيل ابن شهاب .
 (فكان هذان البعثان أول رايةٍ عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن اختُلِف في أيِّهِما كان أول، وقيل: إنَّهما كانَا في السَّنَةِ الأُولَى من الهجرة. وهو قول ابن جرير الطبري، والله تعالى أعلم) .
بعثُ حمزةَ وبعثُ عُبيدة رضي الله عنهما أوَّلَ رايةٍ عقدها رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(ولكن اختُلِف في أيِّهِما كان أول) اختلفوا هل بعثُ حمزة قبل بعث عُبيدةَ أو بَعْثُ عُبيدة قبل بعثِ حمزة رضي الله عنهما .
(وقيل: إنَّهما كانَا في السَّنَةِ الأُولَى من الهجرة.) أي بعث حمزة وعُبيدَة قبل غزوة الأبواء في السنة الأولى من الهجرة .
وهذه أيضا طريقة ابنِ حبان في أوائل كتابه الثقات (1/ 142) .

وعندنا في هذا الدرس أول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غزوة الأبواء.
 أول بعوث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث حمزة بن عبد المطلب وقيل بعث عبيدة
بن الحارث مختلف.
أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأصحابه لحمزة بن عبد المطلب وقيل لعبيدة بن الحارث.
وتقدم معنا مسائل تتعلق بالأوائل نحصرُها هنا لجمع ما تفرَّقَ منها لربط المعلومات إن شاء الله وما توفيقُنا إلا بالله .
1.     أجدادُ النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ  إلى عدنان عشرون أوَّلُهم وأدناهم عبدالمطلب .

2.     أول نبي بعد أبينا آدم نوح على الصحيح .

وقال أبوعمرابنُ عبدالبر رحمه الله  في الإنباه على قبائل الرواة (20) في الكلامِ على نبي الله إدريس قال :

وَكَانَ أول نَبِي أُعطي النبوةِ بعد آدم وشيث .اهـ
وقد نبَّه الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ على هذه المسألة في شرح الأربعين النووية 45وقال: واعلم بأنك ستجد في بعض كتب التاريخ أن إدريس عليه الصلاة والسلام كان قبل نوح عليه السلام، وأن هناك بعضاً آخرين مثل شيث، كل هذا كذبٌ وليس بصحيح.
 فإدريس بعد نوح قطعاً، وقد قال بعض العلماء: إن إدريس من الرسل في بني إسرائيل، لأنه دائماً يذكر في سياق قصصهم، لكن نعلم علم اليقين أنه ليس قبل نوح، والدليل قول الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنبيينَ مِنْ بَعْدِهِ) (النساء: الآية163) وقال الله عزّ وجل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) (الحديد: الآية26) فأرسلهم الله وهم القمة، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، فمن زعم أن إدريس قبل نوح فقد كذب القرآن وعليه أن يتوب إلى الله من هذا الاعتقاد اهـ.


3.     أول من خط بالقلم جاء أنه نبي الله إدريس عليه الصلاة والسلام، وهذا جاء في حديث ضعيف لا يثبت أن أول من خطَّ بالقلم إدريس ـ عليه السلام ـ رواه الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأُصول .
 وضعَّفه الشيخ الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ في ضعيف الجامع (2127).
والحكيم الترمذي استفدنا من الوالد الشيخ مقبل ـ رحمه الله تعالى ـ أنه صوفي لا يعتمد عليه.
فنقولُ : الله أعلم مَن أوَّل من خطَّ بالقلمِ .

4.     أول شهر نزل على النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ فيه الوحي شهر رمضان، يوم الاثنين قال ابنُ كثيرٍ رحمه الله في (الفصول في سيرة الرسول )ص59 : ففَجِأه الحقُّ وهو بغار حراء في رمضان، وله من العمر أربعون سنة .اهـ

5.     أول من أسلم مطلقاً أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها .
       الدليل جاء أن أول من أسلم خديجة رضي الله عنها فإن النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ لما جاءه الملَك وأُنزل عليه القرآن رجع يرجفُ فؤادُه فأخبرها الخبر، فآمنت ، وثبَّتَت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهي أول مَن آمَن مطلقاً.
 وقد نصَّ على ذلك ابن كثير رحمه الله في( الفُصُول في سيرة الرسول)حيث قال (فهي أول صِدِّيق له رضي الله تعالى عنها وأكرمها).
وقال رحمه الله في مختَصر علوم الحديث: وادعى الثعلبي المفسر على ذلك الإجماع قال: وإنما الخلاف فيمن أسلم بعدها اهـ.

6.     أول من أسلم من النساء بعد خديجة فاطمة بنت الخطاب .
 قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى – تحت رقم (763) عن أُمِّ الْفَضْلِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ اسْمَهَا لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةِ وَيُقَالُ إِنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَةَ .قال : وَالصَّحِيحُ أُخْتُ عُمَرَ زَوْجُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ حَدِيثِهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَعُمَرَ مُوثِقِي وَأُخْتَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ  .اهـ

7.     أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكرالصديق على  المشهور.
ولكن أول من آمن مِن الرجال ورقة بن نوفل لأنه جاءت خديجة رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه وقالت:( يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ) فأخبره فآمن بالنبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وقال:( هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) .
وهذا دليل أن ورقة بن نوفل أقرَّ برسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهذا يدل على صحبته.

8.     أول من أسلم من الصبيان علي بن أبي طالب.

9.     أول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة.

10.      أول من أسلم من الأرِقَّاء بلال بن رباح.

11.      أول ما نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخمس الآيات الأولى من سورة العلق. عائشة رضي الله عنها تقول: أول ما نزل {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)}[العلق] الخمس الآيات الأولى من سورة العلق. وفي حديث جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنهما ـ  أنه الخمس الآيات الأُولى من سورة المدثر، ويُجمع بينهما أن النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ نُبّيء بسورة العلق و أرسل بالمدثر.

12.      أول ما ظهر النفاقٌ –أعاذنا اللهُ منه - بعد غزوة بدر.
       وقد فصَّل ابنُ كثير في تفسيره .
 قال في تفسير قوله تعالى { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ..} إِنَّمَا نَزَلَتْ صِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ لِأَنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نِفَاقٌ بَلْ كَانَ خِلَافُهُ، مِنَ النَّاسِ مَنْ كَانَ يُظْهِرُ الْكُفْرَ مُسْتَكْرَهًا وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مُؤْمِنٌ".  إلى أن قال: "... فلما كانت وقعة بدر وأظهر الله كلمته وأعز الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيِّ بْنِ سَلُولَ وَكَانَ رَأْسًا فِي الْمَدِينَةِ وَهُوَ مِنَ الْخَزْرَجِ وَكَانَ سَيِّدَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ فَجَاءَهُمُ الْخَيْرُ وَأَسْلَمُوا وَاشْتَغَلُوا عَنْهُ فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بدر قال: هذا أمر الله قَدْ تَوَجَّهَ  فَأَظْهَرَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ وَدَخَلَ مَعَهُ طَوَائِفُ مِمَّنْ هُوَ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَنِحْلَتِهِ وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.قال : فَمِنْ ثَمَّ وُجِدَ النِّفَاقُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ .اهـ

13.      أوَّل من أظهر الإسلامَ بمكة سبعةٌ ،أخرج ابنُ ماجة في سننه (150 )عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّارٌ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلَالٌ، وَالْمِقْدَادُ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ، وَصَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا، إِلَّا بِلَالًا، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ، وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَخَذُوهُ فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ، فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ "
والحديث حسن من أجل عاصم ابنِ أبي النجود، وقد حسَّنه والدي رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين رقم 847.

14.      أول شهيدة في الإسلام سُمية والدة عمار،  يذكر أهلُ السير أنه مرَّ بها أبو جهل فطعنها في قُبُلِها فماتت رضي الله عنها.


15.      أول من خرج فاراً بدينه إلى الحبشة في الهجرة الأولى عثمان بن عفان رضي الله عنه، و معه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم. وقيل: أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودٍّ بن نصر بن مالك .

فهومختلف في أول من خرج مهاجراً إلى الحبشة.

16.      أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه الصلاة والسلام جاء أنه عثمان ولا يصح الحديث.
أخرج ابنُ أبي عاصم في  السنة (1311)عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: خَرَجَ عُثْمَانُ مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَمَعَهُ ابْنَةُ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا احْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرُهُمْ، فَكَانَ يَخْرُجُ فَيَتَوَكَّفُ عَنْهُمُ الْخَبَرَ. فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَحِبَهُمَا اللَّهُ، إِنَّ عُثْمَانَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى اللَّهِ بِأَهْلِهِ بَعْدَ لُوطٍ». 
لكن الحديث ضعيف. ذكرناه لمعرفة حاله، فيه بشار بن موسى الخفَّاف، قال عنه الإمام البخاري: منكر الحديث.وذكره الشيخ الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ في السلسلة الضعيفة   (3181)  .

17.      أول حادثة شق الصدر عندما كان النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ صغيرا عند مرضعته حليمة السعدية في صحيح مسلم (162) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً ، فَقَالَ : هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ لَأَمَهُ ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ ، فَقَالُوا : إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ ، قَالَ أَنَسٌ : وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِه.  ".
والحالة الثانية: بعد البعثة قبل الإسراء بالنبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ .فالنَّبيُّ صلى اللهُ عليه وعلى آله وسلم شُقَّ صدرُهُ مرتين أوَّلُهما في صِغَرِهِ .

18.      أول من لقى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عندِ العقبةِ من الأنصارِ في اللقاء الأول ستة : أبو أمامةَ أسعدُ بن زُرارة، وعوفُ بنُ الحارث ، ورافعُ بن مالك ، وقُطبةُ بن عامر، وعقبةُ بن عامر، وجابر بن عبد الله بن رِئاب، فدعاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فأسلموا.
وكُلَّهم من الخزْرج رضي الله عنهم .


19.      أول بيعةٍ بيعةُ العقبة الأولى بايع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأنصار عندها.

20-أول من بايع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة العقبة الأولى البراء بن معرور رضي الله عنه.
قال الحافظ في فتح الباري تحت رقم (3890) الْبَرَاءُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَمَعْرُورٌ بِمُهْمَلَاتٍ يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَوَّلَ مَنْ بَايَعَ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ  وَمَاتَ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ فِي قِصَّةٍ ذكرهَا ابن إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ  .


21-أول من هاجرمن الرجال قيل أبو سلمة وقيل مصعب بن عمير وقيل عامر زوج ليلى بنت أبي حثمة.
قال الحافظ ابنُ حجر عند شرح حديث البراء بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ... قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ-أي في الشرح له - أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَامْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشَّرِيدِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى صِفَةٍ خَاصَّةٍ فقد جزم ابن عُقْبَةَ بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مُطْلَقًا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَكَانَ رَجَعَ مِنَ الْحَبَشَةِ إِلَى مَكَّةَ فَأُوذِيَ بِمَكَّةَ فَبَلَغَهُ مَا وَقَعَ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا وَقَعَ هُنَا بِأَنَّ أَبَا سَلَمَةَ خَرَجَ لَا لِقَصْدِ الْإِقَامَةِ بِالْمَدِينَةِ بَلْ فِرَارًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِخِلَافِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ فَإِنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهَا لِلْإِقَامَةِ بِهَا وَتَعْلِيمِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِكُلٍّ أَوَّلِيَّةٌ مِنْ جِهَةٍ  .اهـ

21-أول مهاجرة من النساء تكلم  الحافظ في فتحِ الباري (3925) على أوِّلِ مُهاجرة  من النساء وقال : لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ امرأةً عَامِر بْن رَبِيعَةَ هِيَ أَوَّلُ مُهَاجِرَةٍ  .
وَقِيلَ بَلْ أَوَّلُ مُهَاجِرَةٍ أُمُّ سَلَمَةَ لِقَوْلِهَا لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ وَيُجْمَعُ بِأَنَّ أَوَّلِيَّةَ أُمِّ سَلَمَةَ بِقَيْدِ الْبَيْتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ إِطْلَاقِهَا .اهـ

22-أول جمعة صُلِّيت في المدينة قبل الهجرة أقامها مصعب بن عمير وقيل أسعد بن زرارة.
 وأخرجَ أبوداود في سننه (1069) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ  النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ تَرَحَّمْتَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: " لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ، يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ "، قُلْتُ: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: «أَرْبَعُونَ» . 
 وفيه عنعنةُ ابن إسحاق لكنه قد صرَّح بالتحديث عند البيهقي في سننه (3/ 251) فالحديثُ حسَنٌ. والله أعلم.
ومنهم من جَمَعَ بينهُما بأنَّه نُسِبَ إلى أسعدَ بن زُرارة لأنه جمَع الناسَ ودعاهم ، ومصعبُ بنُ عمير هو مقرئُهم ومعلمهم وكان يصلي بهم  .


23- أول ما قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نزل بقباء على بني عمرو بن عوف والأشهر أنه نزل على كلثوم بن الهدم، وقيل بل على سعد بن خيثمة.

24-أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة مسجد قباء.قال ابن كثير رحمه الله في البداية (3/209): " فَكَانَ هَذَا الْمَسْجِدُ أَوَّلَ مَسْجِدٍ بُنِيَ فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَدِينَةِ، بَلْ أَوَّلَ مَسْجِدٍ جُعِلَ لِعُمُومِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ. وَاحْتَرَزْنَا بِهَذَا عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَنَاهُ الصِّدِّيقُ بِمَكَّةَ عِنْدَ بَابِ دَارِهِ يَتَعَبَّدُ فِيهِ وَيُصَلِّي لِأَنَّ ذَاكَ كَانَ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ عَامَّةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

25-أول جمعة صلاها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمدينة على قولٍ في بني سالم بن عوف .

26-أول ما قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة نزل على بني النجار أخوال جده عبد المطلب في دار أبي أيوب الأنصاري .

27-أول غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الأبواء، وكانت في صفر سنة اثنتين من الهجرة ولكنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجع إلى المدينة ولم يلق حربًا، فكانت هذه الغزوة بدون قتال.

28-أَوَّلُ سِنِيِّ التَّارِيخِ عَامَ الْهِجْرَةِ باتفاق الصحابة.

29-أول شهور العرب شهر الله المحرم.
وقد بيَّن الحافظ ابنُ كثير السبب في جعل التاريخ من شهر الله المحرم وقال: وَجَعَلُوا أَوَّلَهَا الْمُحَرَّمَ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ النِّظَامُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقال الحافظ ابنُ حجر رحمه الله في فتح الباري (3934) :وَإِنَّمَا أَخَّرُوهُ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى الْمُحَرَّمِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ إِذِ الْبَيْعَةُ وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ ذِي الْحِجَّةِ وَهِيَ مُقَدِّمَةُ الْهِجْرَةِ فَكَانَ أَوَّلُ هِلَالٍ اسْتَهَلَّ بَعْدَ الْبَيْعَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ فَنَاسَبَ أَنْ يُجْعَلَ مُبْتَدَأً وَهَذَا أَقْوَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ مُنَاسَبَةِ الِابْتِدَاءِ بِالْمُحَرَّمِ . اهـ

30-أول غزوة كان فيها قتال غزوة بدر.

31-أول بعوثات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث حمزة بن عبد المطلب وقيل بعث عبيدة بن الحارث مختلف فيهما .

32-أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأصحابه لحمزة بن عبد المطلب وقيل لعبيدة بن الحارث.

33-أول سهم رُمي به في سبيل الله رماه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقد كان رضي الله عنه يَقُولُ: "إِنِّي لَأَوَّلُ العَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ..." متفق عليه .


والحمد لله .