ضرب المثل في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28)﴾
﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا ﴾ أي: بيَّن ووضح لكم. والمَثل: إلحاق الخفي بالجلي.
﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من حالكم، قال السعدي رَحِمَهُ اللهُ في «تفسيره»(640): هذا مثل ضربه الله تعالى لقبح الشرك وتهجينه، مثلًا من أنفسكم لا يحتاج إلى حل وترحال وإعمال الجمال. اهـ.
﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾ «من» الأولى في قوله: ﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ للابتداء، وفي قوله: ﴿ مِنْ مَا مَلَكَتْ ﴾ تبعيضية، وفي قوله: ﴿ مِنْ شُرَكَاءَ ﴾ زائدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.
فقوله سُبحَانَهُ: ﴿ مِنْ مَا مَلَكَتْ ﴾ أي: من بعض عبيدكم وإيمائكم.
﴿ مِنْ شُرَكَاءَ ﴾ أي: في المال والأهل.
﴿ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ﴾ أي: المال والأهل. ﴿ تَخَافُونَهُمْ ﴾ أي: تخافون مماليككم.
وَقَالَ ابنُ عَباسٍ: تَخَافُونَ أَن يَرِثُوكُم كَمَا يَرِثُ بَعضُكُم بَعضًا.
وقال بعضهم: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أخيه وأبيه وأقاربه، وهذا تفسير الكلبي محمد السائب، وهو متروك في الحديث.
وقال أبو مجلز: تخافون أن يقاسموكم أموالكم كما يقاسم بعضكم بعضًا.
قال الواحدي في «البسيط»(18/48): فهذه ثلاثة أقوال في معنى قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ مرجعها إلى معنى واحد؛ وهو: أن عَبْدَ الرجل لا يكون مثله حتى يكون بينهما توارث، وخوف لائمةٍ ومقاسمةٍ. ومعنى الآية: أن الله تعالى يقول: كيف تعدلون بي عبيدي، وأنتم لا تعدلون عبيدكم بأنفسكم!
﴿ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أَيْ: أَمْثَالَكُمْ مِنَ الْأَحْرَارِ.
فقد يطلق النفس ويراد به الغير، كما قال تَعَالَى: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)﴾ [النور: 12]. أي: بأمثالكم.
﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: نبين الآيات ونوضحها، فالله يحتج على المشركين وإبطال شركهم بما هو مقرر بما في أنفسهم: أن السيد يكره أن يشاركه مملوكه في ماله وأهله، فالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أولى ألَّا يشرك أحد غيره معه في العبادة؛ إذ هو الخالق، المالك، الرازق، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، و بين الله عَزَّ وَجَل بعد هذه الآية أنه ليس للمشركين مستند سوى الهوى والضلال.
من الفوائد:
-ابطال الشرك بالله، وأن عبادة غير الله باطلة.
-الاستقرار في النفوس عدم التسوية بين الرقيق والسيد.
-أن النفوس تأنف من مشاركة المملوك للسيد في المال أو التصرف في شؤونه الخاصة، فإذا كان كذلك فكيف يُجعل لله شريك مخلوق ضعيف لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؟! فهذا فيه بطلان التسوية بين القادر الخالق الغني، وبين المخلوق الضعيف العاجز.
فالآية فيها حجة قوية على المشركين، ولو أن أحدًا احتاج شيئًا من المال فلجأ إلى عبد مملوك لكان هذا موضع سخرية، فكيف يَترك الإنسان عبادة ربه ويلجأ إلى دعاء مخلوق ضعيف، فيدعوه ويستغيث به ويترك الذي بيده الضر والنفع والخير والذي بيده الملك؟!
-ونستفيد: أن الذي ينتفع بالأمثال والتفصيل والمحاجَّة هم أهل العقول.
-هذه الآية كقوله تَعَالَى: ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) ﴾ [النحل: 71]. أي: الذين فضلهم الله بالرزق لا يرضون أن يشركوا مماليكهم في الأرزاق فيكونون سواء، فكيف يجعلون لله شركاء في ملكه وخصوصياته سبحانه!
-استنبط بعضهم من الآية: أن العبيد لا يملكون؛ لأنهم لا يشاركون أسيادهم في المال فغيرهم من باب أولى، وهذه المسألة مختلف فيها بين أهل العلم، وقد روى البخاري (2379)، ومسلم (1543) عن ابن عمر قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ».
المبتاع وهو: المشتري.
وقد دلَّ هذا الحديث على أن العبد يملك ماله؛ لأنه فيه إضافة المال إلى العبد «فَمَالُهُ»، والأصل في الإضافة أنها للتمليك، وهذا قول مالك وأحمد في قول له، وقول الشافعي في القديم.
والإمام أحمد له قولان في المسألة، وقد رجح القول الأول وهو أن العبد يملك ماله ابن قدامة في «المغني»(4/131)، وكذلك الشوكاني في «نيل الأوطار»(5/204).
وهذا الخلاف فيما إذا مَلَّك السيد عبده مالًا، فالعبد على الصحيح يملك ماله إلا إذا باعه سيرجع المال للسيد إلا أن يشترط المبتاع –وهو: المشتري– أن يكون المال له.
أما إذا لم يُمَلِّك السيد عبده شيئًا فإنه لا يملك.
وفي الآية من الفوائد: أن الجميع ملك لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن الأرزاق بيد الله.