قوله
تعالى في شأن أصحاب الكهف:﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ
عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا
لَبِثُوا أَمَدًا (12)﴾[الكهف].
--------------------------
﴿فَضَرَبْنَا
عَلَى آذَانِهِمْ ﴾قال
الحافظ ابن كثير في «تفسيره»(4/420):ﺃَﻱْ: ﺃَﻟْﻘَﻴْﻨَﺎ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢُ اﻟﻨَّﻮْﻡَ ﺣِﻴﻦَ
ﺩَﺧَﻠُﻮا ﺇِﻟَﻰ اﻟْﻜَﻬْﻒِ، ﻓَﻨَﺎﻣُﻮا ﺳِﻨِﻴﻦَ ﻛَﺜِﻴﺮَﺓ.
﴿ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ
عَدَدًا ﴾ أُجْمِل في هذه الآية مدة بقائهم في الكهف،وفي آخر قصة أصحاب
الكهف قال سبحانه:﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ
وَازْدَادُوا تِسْعًا (25)﴾.قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في«تفسير سورة الكهف» ازدادوا
على الثلاثمائة تسع سنين فكان مكثُهم ثلاثمائة وتسع سنين، قد يقول قائل: لماذا لم
يقل ثلاثمائة وتسع سنين؟. فالجواب: هذا بمعنى هذا، لكن القرآن العظيم أبلغ كتاب، فمن أجل تناسب
رؤوس الآيات قال: (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) ، وليس كما قال
بعضهم: بأن السنين الثلاثمائة بالشمسية ،وازدادوا تسعًا بالقمرية، فإنه لا يمكن أن
نشهد على الله بأنه أراد هذا، مَن الذي يشهد على الله أنه أراد هذا المعنى؟ حتى لو
وافق أن ثلاثمائة سنين شمسية هي ثلاثمائة وتسع سنين بالقمرية فلا يمكن أن نشهد على
الله بهذا، لأن الحساب عند الله تعالى واحد، وما هي العلامات التي يكون بها الحساب
عند الله؟
الجواب:
هي الأهلَّة، ولهذا نقول: إن القول بأن ثلاثمائة سنين شمسية، ﴿ وَازْدَادُوا تِسْعًا
﴾ قمرية قول ضعيف.
أولًا:
لا يمكن أن نشهد على الله أنه أراد هذا.
ثانيًا:
أن عدة الشهور والسنوات عند الله بالأهلة، قال تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾[يونس:5].وقال
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ
وَالْحَجِّ ﴾[البقرة:18].اهـ
﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ﴾أي: علم رؤية وعِيَان ،لأن الله سبحانه لا يعزب عنه شيء، ﴿لَا يَعْزُبُ
عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾[سبأ:3].
وكما قال سبحانه:﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
﴾[آل عمران:142]وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ
فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ
لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾[آل عمران:166-167]. قال ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» (3/200)في سياق الحِكَم التي
كانت في غزوة أُحُدٍ قال: ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى، وَهِيَ أَنْ يَتَمَيَّزَ
الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَيَعْلَمَهُمْ عِلْمَ رُؤْيَةٍ
وَمُشَاهَدَةٍ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَعْلُومِينَ فِي غَيْبِهِ، وَذَلِكَ الْعِلْمُ
الْغَيْبِيُّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، وَإِنَّمَا
يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى الْمَعْلُومِ إذَا صَارَ مُشَاهَدًا
وَاقِعًا فِي الْحِسِّ.اهـ.
﴿ لِمَا لَبِثُوا
أَمَدًا ﴾ قال ابن كثير في«تفسيره»:قِيلَ: عَدَدًا ،وَقِيلَ: غَايَةً
فَإِنَّ الْأَمَدَ الْغَايَةُ كَقَوْلِهِ:سَبَقَ الجَوَادُ إذَا اسْتَولى عَلَى
الأمَد.
من فوائد هاتَيْنِ الآيتَين:
1-أن أصحاب الكهف
أنامهم الله مُدَّة في الكهف .
2-بعثُهم من نومهم
بعد مدة طويلة.
3-تسمية الاستيقاظ من
النوم بعثًا ،وكما قال تعالى:﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ
مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً
ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الأنعام:
60].
4-أن الحكمة من بعثِ
أصحاب الكهف البيان أي الطائفتين أدق في إحصاء عدد مكثهم في الكهف. «وَأَكْثَرُ
الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْحِزْبَيْنِ هُمْ أَصْحَابُ الْكَهْفِ،وَالْحِزْبَ
الثَّانِي هُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ بُعِثَ الْفِتْيَةُ عَلَى
عَهْدِهِمْ حِينَ كَانَ عِنْدَهُمُ التَّارِيخُ بِأَمْرِ الْفِتْيَةِ» كما في«تفسير الشنقيطي»(3/108).
ومن الحِكَم أيضًا: إعلام قومهم أنَّ قيام الساعة حق ،قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [ الكهف : 21 ].
ومن الحِكَم أيضًا: إعلام قومهم أنَّ قيام الساعة حق ،قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [ الكهف : 21 ].
5-إثبات قدرةِ الله عزوجل فقد
أنام هؤلاء الفِتْيَةَ هذه المدة الطويلة ثم بعثهم وهم بصفاتِهم السليمة لم يتغير
منهم شيءٌ،وهذا دليلٌ أيضًا على الإيمان بالبعث لأن الله على كلِّ شيءٍ قدير.