بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع عشر
مذاكرة
علينا أن نشعر بفضل مجالس العلم والذكر، وأنها من أعظم فضل
الله عز وجل ونعمه، مجلس تغشاه الرحمة وتحفه الملائكة. أخرج مسلم في «صحيحه» (2699)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «... وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ
لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ
بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا
نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ
الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ
عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ». وفي «صحيح البخاري» (6408) وصحيح مسلم (2689) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
رضي الله عنه أن
النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم
الحديث في فضل مجالس الذكر وفيه أنه يقول الله تعالى: «... فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي
قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قَالَ: يَقُولُ: مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ: فِيهِمْ
فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لاَ
يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ».
(فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ
لَهُمْ) يشهد ملائكته، وهذا فيه دليل على أن حلقات العلم من مكفرات الذنوب.
وفيه التحفيز والحث على حضور حلقات
العلم.
فمن نعمِ الله العظيمة حلقات العلم ومجالس
العلم والتذكير. فعلينا بأن نشعر بهذا الخير وهذا الفضل؛ لتزداد الهمة وينبعث
النشاط أكثر. ونسأل الله أن ييسر لنا سبل العلم ويصرف عنا الفتن، والله المستعان.
**************************
فصل [غزوة الخندق]
يشتمل على ملخَّص غزوة
الخندق التي ابتلى اللهُ فيها عباده المؤمنين وزلزلهم، وثبَّت الإيمانَ في قلوب
أوليائه وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق، وفضحهم وقرَّعهم.
ثم أنزل نصره، ونصر
عبده، وهزم الأحزاب وحده، وأعز جنده، وردَّ الكفرة بغيظهم، ووقى المؤمنين شرَّ
كيدهم، وذلك بفضله ومَنِّه.
وحرَّم عليهم شرعاً
وقدراً أن يغزوا المؤمنين بعدها، بل جعلهم المغلوبين وجعل حزبه هم الغالبين،
والحمد لله رب العالمين.
وكانت في سنةِ خمس في
شوالِها على الصحيح من قولَي أهل المغازي والسير، والدليل على ذلك أنه لا خلاف أن
أُحداً كانت في شوال من سنة ثلاث، وقد تقدم ما ذكره أهلُ العلم في المغازي أن أبا
سفيان واعدهم العام المقبل بدراً، وأنه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم فأخلفوه لأجل
جدب تلك السنة في بلادهم، فتأخروا إلى هذا العام.
قال أبو محمد بن حزم
الأندلسي في «مغازيه»: هذا قول أهل المغازي، ثم قال: والصحيح الذي لا شك فيه أنها
في سنة أربع، وهو قول موسى بن عقبة، ثم احتج ابن حزم بحديث ابن عمر: عُرضت على
النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم
الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني . فصح أنه لم يكن بينهما إلا سنةٌ واحدةٌ فقط.
قلت: هذا الحديث مخرَّج
في «الصحيحين» وليس يدل على ما ادعاه لأن مناط إجازة الحرب كانت عنده صلى الله
عليه وسلم خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن بلغها أجازه، فلما كان
ابن عمر يوم أحد ممن لم يبلغها لم يجزه، ولما كان قد بلغها يوم الخندق أجازه، وليس
ينفي هذا أن بلوغه قد زاد عليها بسنة أو بسنتين أو ثلاثاً أو أكثر من ذلك.
فكأنه قال: عُرضت عليه
يوم الخندق وأنا بالغ أو من أبناء الحرب.
وقد قيل: إنه كان يوم
أحد في أول الرابعة عشرة من عمره وفي يوم الخندق في آخر الخامسة عشرة، وفي هذا
نظر، والأول أقوى في النظر لمن أمعن وأنصف، والله أعلم.
*************************
بين يدينا غزوة الخندق ويقالُ لها
غزوة الأحزاب قال الحافظ في فتح الباري(4097): أَمَّا تَسْمِيَتُهَا
الْخَنْدَقَ فَلِأَجْلِ الْخَنْدَقِ الَّذِي حُفِرَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ بِأَمْرِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا
الْأَحْزَابَ فَلِاجْتِمَاعِ طَوَائِفَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْبِ
الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَالْيَهُودُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ.اهـ.
وهذه الغزوة كان فيها ابتلاء شديد
للمؤمنين، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ
جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ
ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)﴾ [الأحزاب]. قال ابن جريرٍ الطبري في
تفسير قوله تعالى{هُنالكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ} يقول :عند ذلك اختبر إيمان المؤمنين،
ومُحِّصَ القوم وعرف المؤمن من المنافق.اهـ.
وقال القرطبي في تفسيره: وَكَانَتْ حَالًا شَدِيدَةً مُعَقَّبَةً
بِنِعْمَةٍ وَرَخَاءٍ وَغِبْطَةٍ .اهـ.
وقوله {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب: 10]. ثبت عند
ابن جرير في تفسير هذه الآية عن
الحسن البصري رحمه الله قَالَ:
ظُنُونًا مُخْتَلِفَةً: ظَنَّ الْمُنَافِقُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ
يُسْتَأْصَلُونَ وَأَيْقَنَ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ مَا وَعَدَّهُمُ اللَّهُ حَقٌّ
أَنَّهُ سَيُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
".
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾
جاء المشركون بجموعهم وهم نحو عشرة آلاف وأحاطوا بالمسلمين من أسفل ومن أعلى وحاصروهم
فكان هناك رعب وخوف شديد يقول الله تعالى:
﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾
طارت القلوب وبلغت الحناجر من شدة الخوف والفزع.
والحروب ابتلاء وتحتاج إلى قوَّة وصبر
وشجاعة ، ولهذا أنكرغيرُ واحد من الصحابة على من تمنى أنه أدرك النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم وقاتل معه -مع شجاعتهم ومسابقتهم إلى الشهادة والجنة والدرجات
العالية-. روى مسلم في «صحيحه» (1788) عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَدْرَكْتُ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلْتُ مَعَهُ وَأَبْلَيْتُ،
فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ،
وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ
مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ
قَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ
الْقِيَامَةِ؟» فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا
رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ
الْقِيَامَةِ؟»، فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالَ: «قُمْ يَا
حُذَيْفَةُ، فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ»، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي
بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلَا
تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ»، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا
أَمْشِي فِي حَمَّامٍ حَتَّى أَتَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي
ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ فَأَرَدْتُ أَنْ
أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ»، وَلَوْ رَمَيْتُهُ لَأَصَبْتُهُ فَرَجَعْتُ وَأَنَا
أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ
الْقَوْمِ، وَفَرَغْتُ قُرِرْتُ، فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا،
فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: «قُمْ يَا
نَوْمَانُ».
(قَاتَلْتُ مَعَهُ وَأَبْلَيْتُ) أي:
أبليت بلاء حسنًا. (وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ) أي: برد. (فَسَكَتْنَا
فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ) لأن الحالة شديدة ،وريح شديدة وبردشديد. (اذْهَبْ
فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ) يعني: انظر لي خبرهم
ولا تفعل شيئًا.
(جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي
حَمَّامٍ) قال القرطبي رحمه الله في المفهم : أي لم يصبه شيء من ذلك البرد
ببركة طاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهي من كراماته ، ألا ترى أنه لما
فرغ من ذلك العمل أخذه البرد كما كان أول مرة ؟! .اهـ.
(فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي
ظَهْرَهُ بِالنَّارِ) أي: يستدفئ.
(وَفَرَغْتُ قُرِرْتُ) بعد أن انتهى
من تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجع إليه البرد. قال ابن الأثير في «النهاية» (4/ 38) : وقَرَرْتُ قَرِرْتُ» أَيْ لَمَّا
سَكَنْتُ وجَدتُ مسَّ البَرْد.
وقد استنبط ابن الجوزي رحمه الله في
كشف المشكل من حديث الصحيحين(1/ 399) استنباطًا من حديث حذيفة : أَنه
لَا يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يَدعِي شَيْئا لَا يدْرِي كَيفَ يكون فِيهِ، فَإِن
الصَّحَابَة مَعَ جدهم فِي طلب الشَّهَادَة توقفوا عَن إجابتهم يَوْم الخَنْدَق
حَتَّى قَالَ: " من يأتيني بِخَبَر الْقَوْم " حَتَّى عيَّن على
حُذَيْفَة.
و في «مسند أحمد» (23810) وهو في «الصحيح المسند» للوادعي (1139) من طريق عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى
الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ يَوْمًا، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: طُوبَى
لِهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ،
وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ، فَاسْتُغْضِبَ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ، مَا قَالَ إِلَّا
خَيْرًا، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا يَحْمِلُ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ
يَتَمَنَّى مَحْضَرًا غَيَّبَهُ اللَّهُ عَنْهُ، لَا يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ
كَانَ يَكُونُ فِيهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ حَضَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَامٌ كَبَّهُمُ اللَّهُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي
جَهَنَّمَ لَمْ يُجِيبُوهُ، وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، أَوَلَا تَحْمَدُونَ اللَّهَ
إِذْ أَخْرَجَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ إِلَّا رَبَّكُمْ، مُصَدِّقِينَ لِمَا جَاءَ
بِهِ نَبِيُّكُمْ، قَدْ كُفِيتُمُ الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ
بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ
بُعِثَ عَلَيْهَا فِيهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي فَتْرَةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ،
مَا يَرَوْنَ أَنَّ دِينًا أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَجَاءَ
بِفُرْقَانٍ فَرَقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ
الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَرَى وَالِدَهُ وَوَلَدَهُ
أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ قُفْلَ قَلْبِهِ لِلْإِيمَانِ،
يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ دَخَلَ النَّارَ، فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ وَهُوَ
يَعْلَمُ أَنَّ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ» ، وَأَنَّهَا لَلَّتِي قَالَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ
لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74].
فكان ينكر الصحابة رضوان الله عليهم
على من يتمنى أنه أدرك زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه قد لا يصبر على
الابتلاءات وعلى شدة الحروب، وقد يكون من المعاندين المخالفين للدين.
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ
الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:22].
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ
الْأَحْزَابَ﴾ الأحزاب الذين تجمعوا على قتال
المسلمين.
﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أنه سيكون ابتلاء وشدَّة ثم النصر.
(وأظهر ما كان يبطنه
أهلُ النفاق، وفضحهم وقرَّعهم)
هذه الغزوة أظهر الله فيها ما كان
يبطنه المنافقون؛ لأن المنافق عند الابتلاء يتزعزع ولا يثبت ويظهر ما في كامِنِه ﴿وَإِذْ
يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا
اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾
[الأحزاب:12]. ظهرالنفاق ﴿وَالَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾
أي: مرض شك ونفاق. ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ
إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: أنه لم يتم الوعد يعني كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
يقول لهم: سيكون هناك فتوحات وانتصارات، فقالوا: هذا وعد غرور.
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ
يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ
مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ
إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾
[الأحزاب:13].
أي لا مقام لكم في المرابطة فارجعوا إلى
المدينة، هذا فريقٌ .وقد عبَّرُوا عن الفرار بالرجوع وقد فضحهم الله بأنهم { إِنْ
يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا } أي من الزَّحف.
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ
النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ
يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾
هذا فريقٌ آخر. كانوا يستأذنون، ويعتذرون بأن بيوتهم مكشوفة يخافون عليها من العدو،
وأكذبهم الله فقال:﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ
يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ
أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا
إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:14]. ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ من نواحي المدينة، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ فتنة الشرك، ﴿لَأَتَوْهَا﴾ أي: لأتوا الفتنة، ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا
يَسِيرًا﴾ أي: مايترددون في الكفر إلا يسيرًا.
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ
مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب:15]. وهذا في غزوة أحد على أحد الأقوال،
عاهدوا أنهم يثبتون؛ لأنهم تخلفوا وانخزل عبد الله بن أبي بن سلول بثلاثمائة وقد
كانوا ذاهبين إلى معركة أُحد ثم رجعوا إلى
المدينة.
وهذامن صفات المنافقين خلف الوعد، ومن
صفات المنافقين أنهم جبناء.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا
وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:18]. ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ أي: المثبطين. وهذا أيضًا من صفات
المنافقين التثبيط عن الخير وعن نصرة الإسلام. ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ
هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ يعني تعالوا، لا تقدموا إلى المعركة
مع المسلمين.
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ
الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي
يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ
بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا
فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:19]. هذا من الأدلة على أن المنافقين
جبناء وقد قال الله في سورة التوبة: ﴿لَوْ
يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ
يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة:57].
﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ
الْمَوْتِ﴾ كأنهم في سكرات الموت من شدة الرعب. ﴿ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ
بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾
أي: إذا ذهب الخوف يتزلفون وأنهم معكم ومن أهل الشجاعة .
(وحرَّم عليهم شرعاً
وقدراً أن يغزوا المؤمنين بعدها، بل جعلهم المغلوبين وجعل حزبه هم الغالبين،
والحمد لله رب العالمين)
حرم على الكفار شرعًا مقاتلة المسلمين، أي:
غزوهم إلى المدينة، وأيضًا حرَّم ذلك عليهم قدرًا فلم يأتِ بعد ذلك أي غزوٍ إلى
المدينة، وقد جاءوا كما تقدم في غزوة أحد إلى حول المدينة لقتال المسلمين، وجاءوا
يوم الأحزاب، وحرم الله عز وجل عليهم بعد ذلك، ومنعهم من غزو المدينة بعد غزوة
الأحزاب.
وهذا ثابتٌ في «صحيح البخاري» (4110)
عن سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، يَقُولُ: حِينَ أَجْلَى الأَحْزَابَ عَنْهُ: «الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ
يَغْزُونَنَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ». وهذا علم من أعلام النبوة، فلم يتقدم
أحد منهم للقتال بعد غزوة الأحزاب وكان يوم الحديبية سنة ست صُلْحٌ مع كفار قريش
وتمَّ ذلك إلى غزوة الفتح.
ثم ذكر رحمه الله أن غزوة الخندق كانت
في شوال وأنهم اختلفوا على قولين في أي سنة كانت غزوة الخندق؟.
أحدهما: قول أهل المغازي والسير: أن
غزوة الخندق سنة خمس .وهذا رجحه ابن كثير رحمه الله وقال: (والدليل على ذلك) أي أن غزوة الخندق كانت في السنة الخامسة (أنه لا خلاف أن أحداً كانت في شوال من سنة ثلاث، وقد تقدم
ما ذكره أهل العلم في المغازي أن أبا سفيان واعدهم العام المقبل بدراً، وأنه صلى
الله عليه وسلم خرج إليهم) أي: خرج إليهم إمضاءً للوعد في العام المقبل وهي
السنة الرابعة. (فأخلفوه لأجل جدب تلك السنة في
بلادهم، فتأخروا إلى هذا العام) يعني: العام الخامس.
فابن كثير يقول: كانت غزوة أحد في
السنة الثالثة، وأبو سفيان قال: بيننا موعد بدر في العام القابل، وفي السنة
الرابعة خرجوا ثم رجعوا في أثناء الطريق، وهذا دليل على أن غزوة الخندق ليست في
السنة الرابعة ولكنها في السنة الخامسة.
والقول الثاني: قول أبي محمد بن حزم
وهو قول موسى بن عقبة صاحب المغازي أنها كانت سنة أربع لحديث ابن عمر رضي الله
عنهما .هذا دليل من يقول غزوة الخندق كانت في السنة الرابعة. ابنُ كثير رحمه الله
يرد هذا الاستدلال ويناقشه وذكر جوابين عنه الأول: أن المراد بحديث ابن عمر السنة
التي يُجَاز فيها الغلمان الدخول في المعركة ، فلا ينفي الزيادة على خمسة عشر (قد زاد عليها بسنة
أو بسنتين أو ثلاثاً أو أكثر من ذلك) يعني: يجوز أن يكون ابن ستة عشر، أو
ابن سبعة عشر الخ . وهذا هو الذي ارتضاه ابن كثير رحمه الله لأنه قال بعد ذلك: (والأول أقوى في النظر لمن أمعَن وأنصف، والله أعلم).
يريد بالأول هذا القول.
الجواب الثاني عن حديث ابن عمر: أن
عبد الله بن عمر كان يوم أحد في أول الرابعة عشر ويوم الخندق في آخر الخامسة عشر.
وعلى هذا يكون هناك سنتان بين عرْض عبد الله بن عمر على النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم يوم أحد وعرْضه عليه في غزوة الخندق .وذكر هذا الجواب أيضًا ابن القيم
رحمه الله في «زاد المعاد» (3/241) .
(قال أبو
محمد بن حزم الأندلسي في «مغازيه»)
قول ابن حزم في مغازيه أي في «جوامع
السيرة» (ص147)
فائدة: أحيانا نجد أقوالًا متقاربة في
فتح الباري والبداية والنهاية وزاد المعاد .فينبغي أن نأخذ بالأقدم من باب العلو، وطلب
العلوسُنَّة عند السلف فننقل من زاد المعاد لأنه أقدم قليلًا فابن القيم كانت وفاته 751هـ
والحافظ ابن كثير توفِّي في 774هـ والحافظ ابن حجر وفاته 852.
*************************
وكان سبب غزوة الخندق
أن نفراً من يهود بني النضير الذين أجلاهم صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر
-كما قدمنا- وهم أشرافهم: كسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع
وغيرِهم، خرجُوا إلى قريش بمكة فألَّبُوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ووعدوهم من أنفسهم النصر، فأجابوهم، ثم خرجوا إلى غَطَفان فدعوهم فأجابوهم أيضاً،
وخرجت قريشٌ وقائدُهم أبو سفيان بن حرب، وعلى غطَفان عيينة بن حِصن، كلهم في نحو
عشرة آلاف رجل.
فلما سمع رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم بمسيرهم إليه أمر المسلمين بحفر خندق يحول بين المشركين وبين
المدينة، وكان ذلك بإشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه، فعمل المسلمون فيه مبادرين
هجومَ الكفار عليهم، وكانت في حَفره آياتٌ مفصَّلة يطول شرحُها، وأعلامُ نبوةٍ قد
تواتر خبرُها، فلما كمُل قدِم المشركون، فنزلوا حولَ المدينة كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ
فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾.
وخرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم فتحصَّن بالخندق وهو في ثلاثة آلاف على الصحيح من أهل المدينة.
وزعم ابن إسحاق أنه إنما كان في سبعمائة. وهذا غلط من غزوة أحد، والله تعالى أعلم.
فجعلوا ظهورهم إلى سلْع.وأمر
صلى الله عليه وسلم بالنساء والذراري، فجُعلوا في آطام المدينة، واستخلف عليها ابنَ
أم مكتوم رضي الله عنه.
وانطلق حييُّ بن أخطب
النضري إلى بني قريظة، فاجتمع بكعب بن أسد رئيسِهم، فلم يزل به حتى نقض العهدَ
الذي كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووافق كعبٌ المشركين على حرب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسُرُّوا بذلك.
وبعث رسولُ الله صلى
الله عليه وسلم السعدين: ابن معاذ، وابن عبادة، وخوات بن جبير، وعبد الله بن
رواحة، ليعرفوا له هل نقض بنو قريظة العهد أو لا، فلما قربوا منهم وجدوهم مجاهرين
بالعداوة والغدر، فتسابُّوا ونال اليهود ـ عليهم لعائنُ الله ـ من رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فسبهم سعد بن معاذ، وانصرفوا عنهم. وقد أمرهم صلى الله عليه وسلم
إن كانوا نقضوا أن لا يفُتُّوا بذلك في أعضاد المسلمين، لئلا يورثَ وهْناً، وأن
يلحنوا إليه لحناً ـ أي لُغزاً ـ فلما قدموا عليه، قال: ما وراءكم؟ قالوا: عضَل
والقارة، يعنون غدرَهم بأصحاب الرجيع، فعظُم ذلك على المسلمين، واشتدَّ الأمرُ،
وعظم الخطرُ، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ
الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:11]. ونجم النفاقُ وكثر،
واستأذن بعضُ بني حارثة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى المدينة لأجلِ
بيوتهم، قالوا: إنها عورة، وليس بينها وبين العدو حائل، وهَمَّ بنو سلِمة بالفشل،
ثم ثبَّت الله كلتا الطائفتين.
*************************
في هذا بيان سبب غزوة الخندق أن نفرًا
من بني النضير الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المدينة كما
تقدم في غزوة بني النضير ﴿وَلَوْلَا
أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ
فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾
[الحشر:3]. فبسبب ذلك خرجوا ليؤلِّبوا ويحرضوا
على محاربة رسول الله وخرجوا إلى قريش بمكة فأجابوهم ووعدوهم النصر ثم خرجوا إلى
غطفان فأجابوهم أيضًا، ثم خرجوا بجموعهم في نحو عشرة آلاف رجل، جمعٌ هائل، فلما
سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بخروجهم أمر بحفر الخندق وأشار عليه بذلك
سلمان الفارسي؛ لأن سلمان الفارسي من الفُرس وعندهم خبرةٌ في هذا، فبادروا إلى حفر
الخندق،وأول مشاهد سلمان الفارسي رضي الله عنه غزوة الخندق مع أنه أسلم مقدم النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكنه كان مشغولا بالرِّق رضي الله عنه فلما عُتِق
وصار حُرًّا لحق بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخرج أحمد في مسنده قصة
إسلامه بطولها(39/147) وفي آخرالقصة :(فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ) كما أن أول مشاهدعبدالله بن عمر رضي الله عنه غزوة الخندق.
وكان في هذه الغزوة من المعجزات والآيات للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدالة
على نبوته . أخرج البخاري في «صحيحه» (4101)
عن جابرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ،
فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاءُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الخَنْدَقِ، فَقَالَ: «أَنَا
نَازِلٌ». ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاَثَةَ
أَيَّامٍ لاَ نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ المِعْوَلَ فَضَرَبَ، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ، أَوْ أَهْيَمَ،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي إِلَى البَيْتِ، فَقُلْتُ
لِامْرَأَتِي: رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مَا
كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ، فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ،
فَذَبَحَتِ العَنَاقَ، وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي
البُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالعَجِينُ
قَدْ انْكَسَرَ، وَالبُرْمَةُ بَيْنَ الأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ،
فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي، فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلاَنِ،
قَالَ: «كَمْ هُوَ» فَذَكَرْتُ لَهُ، قَالَ: " كَثِيرٌ طَيِّبٌ، قَالَ: قُلْ
لَهَا: لاَ تَنْزِعِ البُرْمَةَ، وَلاَ الخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ،
فَقَالَ: قُومُوا " فَقَامَ المُهَاجِرُونَ، وَالأَنْصَارُ، فَلَمَّا دَخَلَ
عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: هَلْ
سَأَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «ادْخُلُوا وَلاَ تَضَاغَطُوا» فَجَعَلَ
يَكْسِرُ الخُبْزَ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَيُخَمِّرُ البُرْمَةَ
وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ
يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الخُبْزَ، وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ
بَقِيَّةٌ، قَالَ: «كُلِي هَذَا وَأَهْدِي، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ
مَجَاعَةٌ».
(وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ) من
الجوع، (فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ، أَوْ أَهْيَمَ) في النهاية: أَيْ
رَمْلاً سَائِلا.
وقد كان أمامهم حجر صماء قوية فما استطاعوا لها فأخبروا الرسول صلى الله عليه وعلى
آله وسلم فقال : أنا نازلٌ . وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
ودلائل نبوته. ثم رأى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حال النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم فإنهم لم يذوقوا ثلاثة أيام شيئًا، فاستأذن وذهب إلى امرأته وكان
عندهم بعض الطعام فرجع وقال:( طُعَيِّمٌ لِي، فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلاَنِ).فذهب رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابته
رضي الله عنهم فقال لهم (ادْخُلُوا وَلاَ
تَضَاغَطُوا) أي: لا تزاحموا فإن الأكل يكفي الجميع،بركة من الله .(فَإِنَّ
النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ). وهذا من الابتلاء جهاد ،وبردٌ ،وريحٌ، وجوعٌ .
وفي صحيح البخاري(4100) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:
جَعَلَ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ،
وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا
مُحَمَّدَا ... عَلَى الإِسْلاَمِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
قَالَ: يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يُجِيبُهُمْ:
«اللَّهُمَّ إِنَّهُ لاَ خَيْرَ
إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ ... فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ»
قَالَ: يُؤْتَوْنَ بِمِلْءِ كَفِّي
مِنَ الشَّعِيرِ، فَيُصْنَعُ لَهُمْ بِإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ
القَوْمِ، وَالقَوْمُ جِيَاعٌ، وَهِيَ بَشِعَةٌ فِي الحَلْقِ، وَلَهَا رِيحٌ
مُنْتِنٌ .
وهذا من هدي الرسول صلى الله عليه وعلى
آله وسلم أنه إذا رأى الصحابة في ضيق يسلِّي عليهم بنعيم الآخرة .والآخرة خيرٌ
وأبقى .
وحديث جابرفيه دليل من دلائل النبوة
وهو تكثير الطعام القليل ،فالطعام قليلٌ ،والعدد كثير.
فمن معجزات الرسول صلى الله عليه وعلى
آله وسلم في حديث جابر ضربُ النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم للكُدية التي عرضت فعادت كثيبًا ،وقد
كان عجز عنها الصحابة .وتكثير الطعام القليل ،طعامٌ قليل ويأكل منه ثلاثة آلافٍ فلم يقوموا حتى شبعوا
وبقي منه بقيَّة.
ومنها حديث سليمان بن صُرَد
المتقدم :«الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ
يَغْزُونَنَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ» وحصل كما قال صلى الله عليه وعلى آله
وسلم ما غزا المشركون المدينة بعد غزوة الأحزاب .
أيضًا : قول حذيفة :(
فَلَمَّا وَلَّيْت مِنْ عِنْده جَعَلْت كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّام حَتَّى
أَتَيْتهمْ ) .قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم :
يَعْنِي : أَنَّهُ لَمْ يَجِد
الْبَرْد الَّذِي يَجِدهُ النَّاس . وَلَا مِنْ تِلْكَ الرِّيح الشَّدِيدَة
شَيْئًا ؛ بَلْ عَافَاهُ اللَّه مِنْهُ بِبَرَكَةِ إِجَابَته لِلنَّبِيِّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَهَابه فِيمَا وَجَّهَهُ لَهُ ، وَدُعَائِهِ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ اللُّطْف بِهِ
وَمُعَافَاته مِنْ الْبَرْد حَتَّى عَادَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَجَعَ وَوَصَلَ عَادَ إِلَيْهِ الْبَرْد الَّذِي يَجِدهُ
النَّاس ، وَهَذِهِ مِنْ مُعْجِزَات رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ
.اهـ.
أيضًا : الريح التي زعزت الكفار
وأرعبتهم ولم تترك شيئًا يستقر لهم فيه معجزة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
قال القرطبي في تفسيره: وَكَانَتْ هَذِهِ الريح معجزة للنبي اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَالْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَرِيبًا مِنْهَا، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا
إِلَّا عَرْضُ الْخَنْدَقِ، وَكَانُوا فِي عَافِيَةٍ مِنْهَا، وَلَا خَبَرَ
عِنْدَهُمْ بِهَا.
فهذه بعض المعجزات التي وقعت في غزوة
الخندق .
(وخرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم فتحصَّن بالخندق وهو في ثلاثة آلاف -على الصحيح -من أهل المدينة)
هذا عدد المسلمين في غزوة الأحزاب
أنهم ثلاثة آلاف على الصحيح، وهذا فيه استعداد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
للأحزاب بحفر الخندق حتى لا يتمكنوا من دخول المدينة، وأمر برفع النساء والذرية
إلى الآطام ـ وهي الحصون ـ لئلا يصل إليهم المشركون.
ثم ذكر هنا أن حُيي بن أخطب النضْري -وهو أحد
الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المدينة -انطلق إلى بني قريظة
إحدى الطوائف الثلاث.
(فاجتمع بكعب بن أسد
رئيسِهم)
أي:رئيس بني قريظة.
(فلم يزل به حتى نقض
العهدَ الذي كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووافق كعب المشركين على
حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم)
حاول محاولة شديدة على نقض العهد الذي
كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبعد ذلك مالأ كعب المشركين
على حرب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فصارت الجموع هائلة.
(فسُرُّوا بذلك)
أي: سُرَّ المشركون بنقض بني قريظة
العهد ووعدِهم النُّصرة.
(وبعث رسول الله صلى
الله عليه وسلم السعدين: ابن معاذ، وابن عبادة، وخوَّات بن جبير، وعبد الله بن
رواحة، ليعرفوا له هل نقض بنو قريظة العهد أو لا)
بعث بعضَ صحابته لينظروا هل بنو قريظة
نقضوا العهد؟ وقال لهم: إذا رأيتم أنهم نقضوا فإذا جئتم لا تفتُّوا بذلك خبرًا.
(أن لا يفتوا بذلك في
أعضاد المسلمين)
أي: لا يكسروا أعضاد المسلمين. قال
الجوهري في الصحاح : فت الشئ، أي كسره، فهو مفتوت وفَتيتٌ يقال: فَتَّ
عَضُدي وهدَّ ركني. لأن كثرة الجموع
قد تبعث الخوف في القلوب والضعف .
(لئلا يورث وهناً) أي: ضعفًا.
(وأن يلحنوا إليه لحناً
ـ أي لغزاً)
بحيث لا يفهم الصحابة.
(فلما قدموا عليه، قال:
ما وراءكم؟ قالوا: عضَل والقارة، يعنون غدَرهم بأصحاب الرجيع)
كان هذا جوابهم، وهذا من المعاريض أي
أن بني قريظة كعضل والقارة في الغدر.
وثبت في صحيح البخاري (4113)
عن جابربن عبدالله يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَوْمَ الأَحْزَابِ: «مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ» فَقَالَ
الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ» . فَقَالَ
الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ» فَقَالَ
الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ، وَإِنَّ
حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ».
(فعظم ذلك على
المسلمين، واشتدَّ الأمر، وعظم الخطر، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ
الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:11].
اشتد الخوف وعظم الابتلاء، ثم بعد ذلك
استأذن بعض بني حارثة وبني سلِمة لكن ثبتهم الله عز وجل فثبتوا ولم ينصرفوا.
*************************
وثبتَ المشركون محاصِرين
رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً، ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من
الخندق بينه وبينهم، إلا أن فوارسَ من قريش منهم عمرو بن عبد وُدٍّ العامري وجماعة
معه أقبلوا نحو الخندق، فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العربُ
تعرفها، ثم تيَمَّموا مكاناً ضيقاً من الخندق فاقتحموه وجازوه، وجالت بهم خيلهم في
السبخة بين الخندق وسلْع ودعوا للبِراز، فانتدب لعمرو بن عبد ود علي بن أبي طالب
رضي الله عنه فبارزه فقتله الله على يديه وكان عمرو لا يجارَى في الجاهلية شجاعةً،وكان
شيخا قدجاوز المائة يومئذٍ ، وأما الباقون فينطلقون راجعين إلى قومهم من حيث
جاؤوا، وكان هذا أول ما فتح الله به من خذلانهم. وكان شعار المسلمين تلك الغزوة
(حم، لا ينصرون).
ولما طال هذا الحال على
المسلمين أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف
رئيسَي غطفان، على ثلث ثمار المدينة وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضة على ذلك ولم
يتمَّ الأمر حتى استشار صلى الله عليه وسلم السعدَين في ذلك فقالا: يا رسول الله
إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة وإن كان شيئاً تصنعه لنا فلقد كنا نحن وهؤلاء
القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرى
أو بيعاً، فحين أكرمَنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزَّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟
والله لا نعطيهم إلا السيف.
فقال صلى الله عليه
وسلم: إنما هو شيء أصنعه لكم وصوب رأيهما في ذلك رضي الله عنهما، ولم يفعل من ذلك
شيئاً.
*************************
ثم ذكر ابن كثير حصار المشركين لرسول
الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابته وأنه استمر شهرًا. وقيل غير ذلك.
(ولم يكن بينهم قتال
لأجل ما حال الله به من الخندق بينه وبينهم)
لم يكن في غزوة الخندق قتال لأن
الخندق كان يحجبهم عن الكفار بإرادة الله وتيسيره ﴿وَمَا
النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:10]. ولكن كان هناك ترامي بينهم بالنبال
وبالحجارة وذكر هنا أنه تقدم بعض الفوارس إلى الخندق منهم عمر بن عبد ود.
(فلما وقفوا عليه
قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تعرفها)
قال السُهَيلي في الروض الأنف(6/306):
حَفْرُ الْخَنْدَقِ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنّهُ مِنْ
مَكَايِدِ الْفُرْسِ وَحُرُوبِهَا، وَلِذَلِك أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيّ
.اهـ.
فدخل عمرو بن عبد ود وكان شيخاً قد
جاوز المائة يومئذ فبارزه علي بن أبي طالب رضي
الله عنه فقتله، وكان عمرو بن عبد ود مشهورًا في الجاهلية بالشجاعة. ولما رأى البقية -الذين
كانوا قد تقدموا إلى الخندق - قتلَ صاحبهم هُزموا ورجعوا إلى أصحابهم.
(وكان
شعار المسلمين تلك الغزوة (حم، لا ينصرون)
كان شعار المسلمين في غزوة الخندق
(حم، لا ينصرون) والشعار العلامة ليتميز لهم أصحابهم.
قال ابن الأثير في النهاية : قِيلَ
مَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ لَا يُنْصرون، ويُريد بِهِ الخَبر لَا الدُّعاء؛ لِأَنَّهُ
لَوْ كَانَ دُعاء لَقَالَ لَا يُنْصَرُوا مَجْزوماً، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ
لَا يُنْصَرُون.
وَقِيلَ إِنَّ السُّوَر الَّتِي فِي
أَوَّلِهَا حم سُوَرٌ لَها شَأن، فَنَبَّه أَنَّ ذِكْرها لِشَرف مَنْزِلتها مِمَّا
يُسْتَظْهَر بِهِ عَلَى اسْتِنْزال النَّصْر مِنَ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ لَا
يُنْصَرُونَ: كَلَامٌ مُسْتَأْنَف، كأَنه حِين قَالَ قُولُوا حم، قِيلَ: مَاذَا
يَكُونُ إِذَا قُلنا؟ فَقَالَ: لَا يُنْصَرُونَ.اهـ.
وحين طال الحصار واشتد الضيق والبلاءعلى
المسلمين ،مع ماهم فيه من الجوع .
أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم أن يصالح بعض الكفار يقول: (أن يصالح عيينة بن حِصن
والحارث بن عوف رئيسَي غطفان، على ثلث ثمار المدينة وينصرفا بقومهما) أي
تنصرف غطفان عن القتال على أن يعطيهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثلث ثمار
المدينة. وفي هذا دليل على أنه لا بأس بمصالحة العدو بمقابلة بمال أو ثمار إذا كان
فيه مصلحة للمسلمين.
(وجرت المراوضة على ذلك
ولم يتم الأمر)
(المراوضة) المجاذبة هذا يقول شيئا وهذا يقول شيئا.
وفي«النهاية» (2/276): فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ
«فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصُطَرَفَ مِنِّي». أَيْ تَجاَذَبْنا في البيع
وَالشِّرَاءِ،
وَهُوَ مَا يَجْري بَيْنَ المُتَبايعْين مِنَ الزِّيادة والنُّقْصان، كَأَنَّ كَلّ
واحدٍ مِنْهُمَا يَرُوضُ صاحِبَه، مِنْ رِيَاضَةِ الدَّابة.
(ولم يتم الأمر)
أي: لم يتم أن غطفان تنصرف وأن يعطيهم النبي ثلث ثمار المدينة.
(حتى استشار صلى الله
عليه وسلم السعدين)
(السعدين) سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله
عنهما.
وهذه طريقة النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم استشارة الصحابة . فقال له السعدان (يا رسول
الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة) أي: إن كان هذا بوحي فسمعا وطاعة،
(وإن كان شيئاً تصنعه...) وإن كان رأيًا رأيته
فنحن لا نعطيهم إلا السيف فصوَّب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأيهما .وهذا
في رواية مشهورة في السيرة، والله أعلم.
(وهم لا يطمعون أن
يأكلوا منها ثمرة إلا قِرى) القِرى
:الضيافة .
*************************
ثم إن الله سبحانه وله
الحمد صنع أمراً من عنده خذَّل به بينهم وفلَّ جموعَهم، وذلك أن نعيم بن مسعود بن
عامر الغطفاني رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول
الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت رجل واحد
فخذِّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» .
فذهب من حينه ذلك إلى
بني قريظة ـ وكان عشيراً لهم في الجاهلية ـ فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال
يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا
شمَّروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم. قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال:
لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا لقد أشرت بالرأي. ثم نهض إلى قريش فقال
لأبي سفيان ولهم: تعلمون وُدِّي ونصحي لكم؟ قالوا نعم. قال: إن يهود ندموا على ما
كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن
يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم ذهب إلى قومه غطفان فقال لهم مثل ذلك.
فلما كان ليلة السبت في
شوال بعثوا إلى يهودَ: إنا لسنا بأرضِ مُقام فانهضوا بنا غداً نناجزُ هذا الرجل،
فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا
إلينا رهناً، فلما جاءهم الرسل بذلك قالت قريش: صَدَقَنا والله نعيم بن مسعود،
وبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدق
والله نعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم.
وأرسل الله عز وجل على
قريش ومن معهم الجنود والريح تزلزلهم، فجعلوا لا يقر لهم قرار، ولا تثبت لهم خيمة
ولا طُنُب، ولا قِدْر ولا شيء.
فلما رأوا ذلك ترحلوا
من ليلتهم تلك.
وأرسل صلى الله عليه
وسلم حذيفة بن اليمان يخبر له خبرهم، فوجدهم كما وصفنا، ورأى أبا سفيان يصلي ظهره
بنار، ولو شاء حذيفة لقتله، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً فأخبره
برحيلهم.
فلما أصبح رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم غدا إلى المدينة وقد وضع الناس السلاح فجاء جبريل عليه السلام
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل في بيت أم سلمة، فقال: أوضعتم السلاح؟
أما نحن فلم نضع أسلحتنا، انهض إلى هؤلاء، يعني بني قريظة.
*************************
كان من أسباب ردِّ المشركين تفرقهم،
فالتفرق من أسباب الهزيمة فقد قام نعيم بن مسعود رضي الله عنه وخذَّلهم وقام
بتفريق كلمتهم فكان هذا من أسباب رد المشركين وانصرافهم، ومن الأسباب أن الله عز
وجل أرسل ريحًا وجنودًا، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:9]. ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ وهم الأحزاب: قريش، وغطفان، وبنو
النضير، وبنو قريظة وأتباعهم في نحو عشرة آلاف كما تقدم. ولكن قريظة فيما بعد
تراجعوا خوفًا على أنفسهم. فأرسل الله عليهم الريح وهي جند من جنود الله، وأنزل
عليهم الملائكة وكانت الريح لا تقر لهم قرارًا تأخذ خيَمَهم وتُكفئ قدورهم وتسفيهم
بالحصا ،حالٌ مُرعب فلما رأوا ذلك قالو قد
آن الرحيلُ. وكان هذا من أعظم نصر الله ولهذا الله عز وجل يمتن عليهم ويبين
أن هذا من فضله عليهم، قال سبحانه: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:9]. وفي آخر الآيات ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ
وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾
[الأحزاب:25]. ارتحلوا من جوار المدينة خائبين
خاسرين بغير اختيارهم ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ لم ينالوا ما أرادوا ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ .
قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير
في تفسير هذه الآية: وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ
رَدَّهُمْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَشْفِ صُدُورَهُمْ وَلَا نَالُوا خَيْرًا فِي
اعْتِقَادِهِمْ، وَهُوَ الظَّفَرُ بِالْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا
أَيَّ خَيْرٍ، بَلْ رَجَعُوا خَاسِرِينَ لَمْ يَرْبَحُوا إِلَّا عَنَاءَ
السَّفَرِ، وَغُرْمَ النَّفَقَةِ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بِمَا
أَرْسَلَهُ مِنَ الرِّيحِ، وَالْجُنُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَكانَ اللَّهُ
قَوِيًّا عَزِيزاً عَلَى كُلِّ مَا يُرِيدُهُ إِذَا قَالَ لَهُ كُنْ كَانَ،
عَزِيزًا غَالِبًا قَاهِرًا لَا يُغَالِبُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ
مُعَارِضٌ فِي سُلْطَانِهِ وَجَبَرُوتِهِ.اهـ.
فهذا من فضل الله ومنَّته فهو الذي رد
الأحزاب وهو الذي هزمهم وردَّهم من غير قتال. وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم يتذكر هذه النعمة ويعزوها إلى معطيها وباريها سبحانه .أخرج البخاري
(2966) ومسلم (1742)عن عبدالله بن أبي أوفى: أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال«اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ
السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ».وهذا
يفيد أن الإنسان يتذكر نعمة الله عليه .
ومع ذلك فإن الله سبحانه قد أثنى على
الصحابة فقال {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ
عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا
بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24)}.قال القرطبي في تفسيره : مَدَحَهُمُ
اللَّهُ وَشَرَّفَهُمْ بِالصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ، فَمَا يُعْرَفُ فِيهِمْ
مُغَيِّرٌ وَمَا وُجِدَ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ مُبَدِّلٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.اهـ.فقد بذلوا جهودهم وقاموا بحفر
الخندق مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ،ووقفوا في وجه العدو وصبروا وصابروا
ورابطوا .
ثم قال سبحانه
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ
وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾
[الأحزاب:27]. إشارة إلى أرض بني قريظة على أحد
التفاسيرلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابته لما انصرف الأحزابُ رجعوا من غزوة الخندق إلى المدينة وأُمروا
بالخروج إلى بني قريظة وهذا في الصحيح .وفي «مسند
الإمام أحمد» (24994) عَنْ عَائِشَةَ، " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْأَحْزَابِ، دَخَلَ الْمُغْتَسَلَ
لِيَغْتَسِلَ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: أَوَقَدْ
وَضَعْتُمُ السِّلَاحَ، مَا وَضَعْنَا أَسْلِحَتَنَا بَعْدُ، انْهَدْ إِلَى بَنِي
قُرَيْظَةَ "، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى
جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام، مِنْ خَلَلِ الْبَابِ قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ مِنَ
الْغُبَارِ ".
نهوض إلى بني قريظة مباشرة بعد انتهاء
غزوة الخندق.
وسيأتي بعدغزوة الخندق غزوة بني قريظة في الدرس
الآتي إن شاء الله تعالى.
سورة الأحزاب ذكرالله عزوجل فيها وقعة
الأحزاب في تسعة عشر آية من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:9]. إلى قوله سبحانه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ
وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾
[الأحزاب:27].
وفي غزوة الخندق فوائد وعبر
إظهار عدة معجزات للنبي الكريم صلى
الله عليه وعلى آله وسلم .
والمعجزات يهتدي إلى الإسلام أناس كثير من الكفار
بسببها ،ويزدادُ المؤمن بها إيمانًا.
الابتلاء يوم الخندق وأنه عقَبَ ذلك
نصرٌ عظيمٌ للمسلمين.
بيان حكمة الابتلاء فقد قال سبحانه { لِيَجْزِيَ
اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ
يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا }قال القرطبي في تفسيره : أَيْ
أَمَرَ اللَّهُ بِالْجِهَادِ لِيَجْزِيَ الصَّادِقِينَ فِي الْآخِرَةِ
بِصِدْقِهِمْ. (وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ) فِي الْآخِرَةِ (إِنْ شاءَ) أَيْ إِنْ
شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ لَمْ يُوَفِّقْهُمْ لِلتَّوْبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ
أَنْ يعذبهم تاب عليهم قبل الموت.
مشاورة النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم صحابته .
قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه
الآيات : وَفِيهِ التَّحَصُّنُ مِنَ الْعَدُوِّ
بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الْأَسْبَابِ وَاسْتِعْمَالُهَا، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي
غَيْرِ مَوْضِعٍ.
فضلُ الصحابة وصبرهم وأخوَّتهم
وتظافرهم وشجاعتهم حتى ردالله كيد عدوهم .وكفى الله المؤمنين القتال.
إظهار الشدائد ما يبطنه ويسره
المنافقون ،فقد ظهرت سرائرُهم ومكرهم
وسجَّل عليهم حالُهم تاريخًا أسود .
جواز التجسس على الكفار فقد أرسل
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عددا من أصحابه ليطلعوا على خبر بني قريظة هل
نقضوا العهد أم لا ،وأرسل الزبير بن العوام ،وقَبل الرحيل أرسل حذيفة بن اليمان
ليطلع على خبر الأحزاب فجاء وأخبر بما يدل أنهم في حال سيء من البرد والريح والرعب
وأنهم مغادرون .
إنزال الله النصر من عنده يوم الأحزاب
من غير قتال.
واللهُ أعلم .