مِنْ فقْهِ أم
الدحداح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا،
فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا، فَقَالَ لَهُ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ» فَأَبَى، فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ،
فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي. فَفَعَلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ
النَّخْلَةَ بِحَائِطِي. قَالَ: «
فَاجْعَلْهَا لَهُ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا».
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَمْ
مِنْ عَذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ»، قَالَهَا مِرَارًا.
قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ:
يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ
بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ.
فَقَالَتْ: رَبِحَ الْبَيْعُ. أَوْ
كَلِمَةً تُشْبِهُهَا. رواه أحمد(19/464).
فيه من الفوائد:
زهد أم الدحداح وزوجها، وإيثار ما عند الله على
الدنيا.
أن الزوجة الصالحة لا تقف في وجه زوجها إذا أراد
أن يفعل معروفًا، وقد خرجت أم الدحداح- عند أن قال لها زوجها: يَا أُمَّ
الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي
الْجَنَّةِ-، مِن غير عتاب ولا ملامة، وتسخُّطٍ وتخويف بالفقر، بل خرجت من
الحديقة ومن غير استفسار أو جدال، ومسرورة مستبشرة، وتقول: رَبِحَ الْبَيْعُ؛
لأن عندها يقينًا أن زاد الآخرة باقي وزاد الدنيا فاني.
فرضي الله عن أم الدحداح وزوجها أبي الدحداح،
وأرضاهما.
وفيه: قوة
اليقين بوعد الله وأنه حق، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:
111].
وفيه: أن من
قَدَّم لنفسِهِ خيرًا فقد ربح ولم يخسر.
وفيه: تأكيد المرأة الصالحة إحسان زوجها وتشجيعه.
وفيه: فقه أم الدحداح؛ فلا يُسابق إلى هذه
الخصال، ويؤثر الباقي على الفاني، والآجل على العاجل إلا من عنده فقه وعِلْمْ.
اللهم اجعلنا من السبَّاقين إلى رضاك وجنتك.