جديد المدونة

جديد الرسائل

الأربعاء، 6 ديسمبر 2023

(27) سلسلة النساء الفقيهات

 

                    من فقه أم المؤمنين جويرية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

عَنْ جُوَيْرِيَةَ بنت الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟».

 قَالَتْ: نَعَمْ.

 قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» رواه مسلم (2726).

هذا الحديث فيه من الفوائد:

-فقه أم المؤمنين جويرية، وأنها كانت عابدة، ذاكرة لله كثيرًا، تجلس في مكانها بعد صلاة الصبح؛ لذكر الله حتى الضحى.

 وهذا عين الفقه، الحرص على بكور اليوم، واستغلاله في العبادة والذكر، وفي ذلك بركة عظيمة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «اللهُمَّ بَارِك لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا».

- تهيُّؤُ المرأة لآخرتها، وتزودها بالأعمال الصالحات،﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)﴾[البقرة]، وهذا من  الفقهِ أيضًا، علمٌ وعمل ومسابقة إلى دار النعيم.  

 -كما نستفيد من هذا الحديث: أن هذا هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المكث في المصلى بعد صلاة الفجر يذكر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

وجرى على ذلك الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

يقول أبو وائل شقيق بن سلمة: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَوْمًا بَعْدَ مَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ، فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ، فَأَذِنَ لَنَا، قَالَ: فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيَّةً، قَالَ: فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ، فَقَالَتْ: أَلَا تَدْخُلُونَ، فَدَخَلْنَا، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا، إِلَّا أَنَّا ظَنَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ، قَالَ: ظَنَنْتُمْ بِآلِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةً، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ انْظُرِي هَلْ طَلَعَتْ؟ قَالَ: فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَطْلُعْ، فَأَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ، قَالَ: يَا جَارِيَةُ انْظُرِي هَلْ طَلَعَتْ؟ فَنَظَرَتْ، فَإِذَا هِيَ قَدْ طَلَعَتْ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقَالَنَا يَوْمَنَا هَذَا-قَالَ مَهْدِيٌّ أحد رواة الإسناد: وَأَحْسِبُهُ قَالَ-وَلَمْ يُهْلِكْنَا بِذُنُوبِنَا، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ كُلَّهُ، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: «هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّا لَقَدْ سَمِعْنَا الْقَرَائِنَ، وَإِنِّي لَأَحْفَظُ الْقَرَائِنَ الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهُنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ الْمُفَصَّلِ، وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم» رواه مسلم (822)، ورواه البخاري مختصرًا (5043).

وقوله: (أَقَالَنَا يَوْمَنَا) أي: أقال عثرتنا.

قال المباركفوري رَحِمَهُ الله في «منة المنعم شرح صحيح مسلم» (1/ 516): فيه دليل على أن النوم بعد صلاة الفجر غفلة.

قال ابن القيم رَحِمَهُ الله  في «مدارج السالكين» (1/ 457): وَمِنَ الْمَكْرُوهِ عِنْدَهُمُ النَّوْمُ بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ وَقْتُ غَنِيمَةٍ، وَلِلسَّيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتَ عِنْدَ السَّالِكِينَ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، حَتَّى لَوْ سَارُوا طُولَ لَيْلِهِمْ لَمْ يَسْمَحُوا بِالْقُعُودِ عَنِ السَّيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ النَّهَارِ وَمِفْتَاحُهُ، وَوَقْتُ نُزُولِ الْأَرْزَاقِ، وَحُصُولِ الْقَسْمِ، وَحُلُولِ الْبَرَكَةِ، وَمِنْهُ يَنْشَأُ النَّهَارُ، وَيَنْسَحِبُ حُكْمُ جَمِيعِهِ عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْحِصَّةِ.

-واستنبط شيخ الإسلام من هذا الحديث كما في «مجموع الفتاوى» (6/ 553): أَنَّ زِنَةَ الْعَرْشِ أَثْقَلُ الْأَوْزَانِ.

وقال الذهبي في كتاب «العرش»(1/329): والعرش يمتاز مع كِبَرِ حجمه وسعته، بكونه أثقل المخلوقات، وزنته أثقل الأوزان. ثم ذكر هذا الحديث.

وقد سألتُ والدي الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله عن وجه استنباط شيخ الإسلام من هذا الحديث فقال: لأنه ذكر العرش دون غيره. والله أعلم.