جديد الرسائل

الأحد، 28 نوفمبر 2021

(85)سِلْسِلَةُ التَّفْسِيْرِ

 

 

[سورة الحج (22) : الآيات 61 الى 62]

﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهارِ﴾إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ (62)﴾

قال القرطبي رحمه الله في التفسير (12/90): قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهارِ﴾ أَي: ذَلِكَ الَّذِي قَصَصتُ عَلَيكَ مِن نَصرِ المَظلُومِ هُوَ بِأَنِّي أَنَا الَّذِي أُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ، فَلَا يَقدِرُ أَحَدٌ عَلَى مَا أَقدِرُ عَلَيهِ، أَي: مَن قَدَرَ عَلَى هَذَا قَدَرَ عَلَى أَن يَنصُرَ عَبدَهُ. اهـ.

﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيلِ﴾ قال ابن كثير: (وَمَعنَى: إِيلَاجِهِ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَالنَّهَارَ فِي اللَّيلِ إِدخَالُهُ مِن هَذَا فِي هَذَا وَمِن هَذَا فِي هَذَا) أي: إدخال بعض الليل في النهار إدخال بعض النهار في الليل ( فَتَارَةً يُطَوِّلُ اللَّيلَ وَيُقَصِّرُ النَّهَارَ كَمَا فِي الشِّتَاءِ وَتَارَةً يُطَوِّلُ النَّهَارَ وَيُقَصِّرُ اللَّيلَ كَمَا فِي الصَّيفِ).

﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَي: سَمِيعٌ بِأَقوَالِ عِبَادِهِ، بَصِيرٌ بِهِم، لَا يَخفَى عَلَيهِ مِنهُم خَافِيَةٌ فِي أَحوَالِهِم وَحَرَكَاتِهِم وَسَكَنَاتِهِم.

﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ﴾ أَيِ: الإِلَهُ الحَقُّ الَّذِي لَا تَنبَغِي العِبَادَةُ إِلَّا لَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُو السُّلطَانِ العَظِيمِ الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن، وَكُلُّ شَيءٍ فَقِيرٌ إِلَيهِ، ذَلِيلٌ لَدَيهِ.

قال الشوكاني «فتح القدير»( 3 / 550): وَالإِشَارَةُ بِقَولِهِ: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ اتِّصَافِهِ سُبحَانَهُ بِكَمَالِ القدرة الباهرة وَالعِلمِ التَّامِّ، أَي: هُوَ سُبحَانَهُ ذُو الحَقِّ، دينه حَقٌّ، وَعِبَادَتُهُ حَقٌّ، وَنَصرُهُ لِأَولِيَائِهِ عَلَى أَعدَائِهِ حَقٌّ، وَوَعدُهُ حَقٌّ، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ فِي نَفسِهِ وَأَفعَالِهِ وَصِفَاتِهِ حَقٌّ ». اهـ.

﴿وَأَنَّ مَا يَدعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطِلُ﴾ قال ابن كثير: أَي مِنَ الأَصنَامِ وَالأَندَادِ وَالأَوثَانِ، وَكُلُّ مَا عُبِدَ مِن دُونِهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَملِكُ ضَرًّا وَلَا نَفعًا.

﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ فَكُلُّ شَيءٍ تَحتَ قَهرِهِ وَسُلطَانِهِ وَعَظمَتِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ العَظِيمُ الَّذِي لَا أَعظَمَ مِنهُ، العَلِيُّ الَّذِي لَا أَعلَى مِنهُ، الكَبِيرُ الَّذِي لَا أَكبَرَ منه.

v    من الفوائد:

·        أن الله هو المالك المتصرف في الكون على ما يشاء قدير.

·        وفي الآية دلالة على قدرة الله التامة؛ لأن الليل والنهار آيتان من آيات الله، ولا يستطيع أن يفعل هذا إلا من بيده المُلك، ومن له العلم الشامل.

·        وفيه الاعتبار بتفاوت الليل والنهار وتعاقبهما فهذا يذهب وهذا يأتي، وهذا يطول وهذا يقصر، والأعمار تمشي وتنقضي مع الأيام والليالي.

·        وفيه أن من أسماء الله الحسنى: السميع، البصير. فلا يشغله سمع عن سمع ولا يشغله شيء، فإنه لا تخفى عليه خافية.

·        وفيه الحث على مراقبة الله.

·        أن المعبود بحق هو الله، فالله وحده المستحق بالعبادة لا شريك له.

·        ونستفيد بيان التقدير في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وأن فيها تقديرًا: أي: لا إله حق إلا الله. أما أن يقال: لا إله موجود إلا الله، فهذا خطأ، فهناك آلهة من دون الله لكنها باطلة، ﴿وَأَنَّ مَا يَدعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطِلُ﴾، وهكذا تفسير (لا إله إلا الله) أي: لا معبود إلا الله، هذا أيضًا خطأ؛ فلابد من إضافة (حق): لا إله حقٌّ إلا الله، وحق: خبر لا.

فالله هو الحق، وذاته حق ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ﴾، وصفاته حق، وأفعاله حق، وقضاؤه حق، ودينه وعبادته حق، وقوله حق﴿ قَولُهُ الحَقُّ ﴾[الأنعام]، ووعده حق، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخلِفُ المِيعَادَ ﴾[آل عمران].

·        وفيه التحذير من الشرك بالله ومن دعاء غير الله، ﴿ وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) ﴾[لجن:18].

·        وفيه أن جميع المعبودات من دون الله كلها باطلة.

·        وفيه أن من أسماء الله الحسنى: العلي، الكبير.