من البلاغة
عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ، قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} [التوبة: 113] الآيَةَ (1). رواه البخاري (1360)، ومسلم (24).
قال النووي رَحِمَهُ الله في شرح حديث المسيب بن حزن رقم (24) من «شرح صحيح مسلم»: فَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْآدَابِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ حَكَى قَوْلَ غَيْرِهِ الْقَبِيحَ، أَتَى بِهِ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ؛ لِقُبْحِ صُورَةِ لَفْظِهِ الْوَاقِعِ.
عنْ أبي سعِيدٍ سَعْد بْنِ مالكِ بْنِ سِنانٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَن نَبِيَّ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «كَانَ فِيمنْ كَانَ قَبْلكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعةً وتِسْعين نفْسًا، فسأَل عَنْ أَعلَم أَهْلِ الأَرْضِ فدُلَّ عَلَى راهِبٍ، فَأَتَاهُ فقال: إِنَّهُ قَتَل تِسعةً وتسعِينَ نَفْسًا، فَهلْ لَهُ مِنْ توْبَةٍ؟ فقالَ: لا، فقتلَهُ فكمَّلَ بِهِ مِائةً، ثمَّ سألَ عَنْ أَعْلَمِ أهلِ الأرضِ، فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ، فقال: إنهَ قَتل مائةَ نفسٍ فهلْ لَهُ مِنْ تَوْبةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومنْ يحُولُ بيْنَهُ وبيْنَ التوْبة؟... » متفقٌ عليه.
وهذا أيضًا فيه العدول عن ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة، فمن حكى كلام غيره مما لا ينبغي أن ينسبه إلى نفسه فيعدل عن ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة، مأخوذ من قوله: « قال: إِنَّهُ قَتَل تِسعةً وتسعِينَ نَفْسًا» ما أتى بضمير المتكلم، وهكذا قوله: « فقال: إنهَ قَتل مائةَ نفسٍ فهلْ لَهُ مِنْ تَوْبةٍ؟».
وفي حديث الوليدة السوداء التي كان لها خباء في المسجد، كما في رواية البخاري(439) عَنْ عَائِشَةَ، وهي تحكي خبر الوليدة التي كان لها وشاح فاختطفته الحُديا، « قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا».
فهذا من أدب الألفاظ، ألَّا ينسِب المتكلم إليه ما فيه لَوْمٌ وشَين.
فمثلًا: من قَدَّم سؤالًا أنه سرق، أو زنى أو شرب خمرًا، الذي يقرأ السؤال يأتي بضمير الغيبة، فمثلًا يقول: هذا سائل يسأل: إنه فعل كذا، يأتي بضمير الغيبة، وأذكر طالبًا في درس الوالد- وكان من المستفيدين-، فوردت مسألة في الطلاق، فقال الطالب: رجل قال: امرأته طالق ثلاثًا، وأتى بضمير الغيبة، وما أتى بضمير المتكلم، فعلى كلٍّ هذا من أدب الألفاظ.
[مقتطف من دروس رياض الصالحين لابنة الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله]