جديد الرسائل

الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

قوارعُ الأدلة في التحذير من سفكِ الدماء البريئة




الحمد لله،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد: فهذه كلمات ذهبيَّة لوالدي الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله،مفرَّغة من أول شريط(صلاة وخطبة عيد الأضحى)،فيها تحذير المسلم من سفكِ دمِ أخيه المسلم،يقشعِّر منها جلود الذين يخشون ربهم ،فاللهَ أسأل أن ينفع بها في هذا الجانب،وأن يرحم والدي ويغفر له،وكم بُحَّ صوتُه وهو يحذِّر من هذا المنكر،وهاهم هؤلاء يجنون ثمرات عاقبةِ الإعراض عن نصائح الراسخين من أهل العلم،وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قال والدي رحمه الله في مطلع خطبة عيد الأضحى:

في هذا اليوم المبارك خطب النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أصحابه بمنى عند جمرة العقبة، روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما»عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قال: خطبنا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بمنى، فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا،  فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ ، ثم قال النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
في هذه الخطبة المباركة التي هي كلمات تُعد على الأصابع فيها خير كثير. النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يسأل الحجيجَ في ذلكم الجمعِ المبارك: أي يوم هذا؟
 قالوا: يومٌ حرام ،وهو يوم النحر، سماه النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ الحج الأكبر.
أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ﴾ [القصص:57].

ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) ﴾ [العنكبوت:67]. ذلكم البلد الحرام.

وقوله: أي شهر هذا؟

 فإنه في ذي الحجة، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يفسِّر الأربعة الحرم بأنها ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ثلاثة متواليات ورجب، فهم في شهرٍ حرام.

ثم قال النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بعد أن أكَّد لهم وقرَّر أنهم في بلد حرام  وفي شهر حرام وفي يوم حرام:«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا،  فِي بَلَدِكُمْ هَذَا».

نعم، دم المسلم محرَّمٌ على أخيه،﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) ﴾ [النساء:93].

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)﴾ [الإسراء:33].

 عليه أن يتَأنَّى.

 ومعنى قوله: ﴿ فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ﴾.
لا يقول كما يقول الجاهليُّون: إن رأيت الخصمَ وإلا فابنَ عمِّه.
ولا أيضًا أن يأخذ بالواحد اثنين أو ثلاثة ،أو يعمِد إلى شيخ القبيلة ويقول: هذا الذي قتل  منا ليس بِكُفءٍ ولكن نقتل شيخ القبيلة، كل هذا اعتداء، النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقول:«من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما القصاص وإما الدية» وجاء في حديث آخر «العفو».

نعم يا أمةَ محمد لو أخذنا بتعاليم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لمَّا أصبحت الشعوبُ محترقة، ولما أصبح المسلمون مروَّعِين، إنَّا لله وإنا إليه راجعون.

النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقول كما في «الصحيحين»من حديث ابن مسعود:«ما أحل الله دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني» إذا زنى وهو قد تزوج يُرجَم «والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة».

 إذا ارتد وأصبح شيوعيًّا أو بعثيًّا أو ناصريًّا أو حداثيًّا. فالقتل «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» هكذا يقول النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.

 ويقول النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كما في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:« أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ».

 نعم أمرُ الدماءِ أمرٌ عظيم.
ويقول أيضًا كما في «الصحيحين»من حديث أبي بكرة:«المسلمان إذا التقيا بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟قال: إنه كان حريصًا على قتل أخيه».


 ويقول أيضًا كما في «صحيح البخاري» من حديث عبد الله بن عمر: «لَا يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا».
ومعنى الحديث: أنك إذا كنت سالمًا من الدماء المحرمة وأردتَ أن تحج تيسر لك الحج، أردت أن تتنفَّل ،أردت أن تصلي، أردت أن تتصدق كل أمور الخير تكون متيسرةً أمامك وميسرةً لك.
أما إذا كنت قد ابتُليت بالدم المحرَّمِ فإنك إذا أردت أن تعمل عبادة فإنها تكون مضيَّقة، كأنك تحاول أن تحمل الصخر الثقيل،وكأنك تحاول أن تنقل الجبل من مكانه.
الأمر خطير، ولكن التوبة تهدم ما قبلها ،والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقول في آخر الحديث:«لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».


[انتهى ولله الحمد 20 من شهر محرم 1441]