من أسماء الله: الحميد المجيد
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،
قَالَ: قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ
نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: قُولُوا:
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى
آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا
بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ،
وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(عن أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) البدري الأنصاري
عقبة بن عمرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(أَمَرَنَا
اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ) يشير إلى قول الله
تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)﴾ [الأحزاب: 56].
وقوله: (اللَّهُمَّ صَلِّ
عَلَى مُحَمَّدٍ) الصلاة من الله
على نبيه: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. كما قال أبو العالية.
وقوله: (عَلَى مُحَمَّدٍ)
محمد على وزن مفعَّل، بمعنى: مفعول، أي: المحمود حمدًا بعد حمد.
قوله: (إِنَّكَ حَمِيدٌ
مَجِيدٌ) قال ابن القيم في «التبيان في
أقسام القرآن»(94):
الحميد: الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال.
وقال رَحِمَهُ
الله في «جلاء الأفهام»(315): الحميد فعيل من الْحَمد،
وَهُوَ بِمَعْنى مَحْمُود، وَأكْثر مَا
يَأْتِي فعيلًا فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى بِمَعْنى فَاعل،
كسميع وبصير وَعَلِيم وقدير وَعلي وَحَكِيم وحليم وَهُوَ كثير، وَكَذَلِكَ فعول كغفور وشكور وصبور.
وقال بعد ذلك: فالحميد هُوَ الَّذِي لَهُ من الصِّفَات
وَأَسْبَاب الْحَمد مَا يَقْتَضِي أَن يكون مَحْمُودًا،
وَإِن لم يحمده غَيره، فَهُوَ حميد فِي نَفسه، والمحمود من تعلق بِهِ حمد الحامدين.
وقال الشيخ
ابن عثيمين في «شرح بلوغ المرام»(2/165): الحميد فعيل
بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، فحميد بمعنى فاعل، أي: حامد، فالله عز وجل حامد لكل من يستحق الحمد من عباده؛ ولذلك يثني على من يستحق الحمد من الأنبياء
والصالحين، فهو فاعل،
أي: فاعل للحمد.
ومحتمل أن
يكون (حميد)
بمعنى: محمود؛
لأن الله-سبحانه وتعالى-محمود على كل حال،
وهو محمود أيضًا على نعمه السابغة الكثيرة،
وإذا كان اللفظ محتملًا للمعنيين ولا تناقض بينهما،
فإن الصحيح أنه شامل لهما، وهذا ما يعرف عند
العلماء بالمشترك، فإذا كان اللفظ المشترك
صالحًا للمعنيين بدون تناقضٍ ولا تنافر، فإن
الأولى حمله على المعنيين جميعًا، ما لم يوجد
دليل على أن المراد أحدهما. اهـ.
فاستفدنا:
أن الحميد
فعيل بمعنى فاعل، أي:
يَحمد من يستحق الحمد من الأنبياء والصالحين.
أو فعيل بمعنى
مفعول، أي:
محمود، والمعنى أنه يُحمد على صفاته وأفعاله
ونعمه السابغة.
قال الصنعاني
في «سبل السلام»(2/244) عن الاحتمال
الأول، وهو أَنَّ حَمِيدًا
بِمَعْنَى حَامِدٍ: وَهَذَا أَنْسَبُ
بِالْمَقَامِ.
والمجيد:
قال
ابن القيم في «التبيان في أقسام القرآن»(94):
المجيد العظيم
الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام.
وقال الحافظ
في «فتح الباري»(11/163): أَمَّا
الْمَجِيدُ فَهُوَ مِنَ الْمَجْدِ، وَهُوَ
صِفَةُ مَنْ كَمُلَ فِي الشَّرَفِ، وَهُوَ
مُسْتَلْزِمٌ لِلْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ،
كَمَا أَنَّ الْحَمْدَ يَدُلُّ عَلَى صِفَةِ الْإِكْرَامِ.
وفي
هذا الحديث:
خَتْم الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بهذين الاسمين: حميد مجيد.
وقد جاء
الاقتران بين هذين الاسمين في القرآن في موضعٍ واحد،
قال تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ
أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ
إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)﴾[هود].
قال ابن القيم
في «جلاء الأفهام»(317): وَأما الْمجد
فَهُوَ مُسْتَلْزم للعظمة وَالسعَة والجلال،
وَالْحَمْد يدل على صِفَات الْإِكْرَام،
وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام، وَهَذَا معنى قَول العَبْد:
لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر، فـ لَا
إِلَه إِلَّا الله دَال على ألوهيته وتفرده فِيهَا،
فألوهيته تَسْتَلْزِم محبته التَّامَّة،
وَالله أكبر دَال على مجده وعظمته؛ وَذَلِكَ
يسْتَلْزم تَعْظِيمه وتمجيده وتكبيره؛
وَلِهَذَا يقرن سُبْحَانَهُ بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ فِي الْقُرْآن كثيرًا
كَقَوْلِه: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)﴾[هود].
وَقَوله
تَعَالَى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شريك فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}[الإسراء]،
فَأمر بِحَمْدِهِ وتكبيره.
وَقَالَ
تَعَالَى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي
الْجلَال وَالْإِكْرَام}[الرحمن]، إلخ كلامه رَحِمَهُ الله.
وقال الحافظ
في «فتح الباري»(11/163): مُنَاسَبَةُ
خَتْمِ هَذَا الدُّعَاءِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، أَنَّ الْمَطْلُوبَ تَكْرِيمُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ
وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَالتَّنْوِيهُ بِهِ وَزِيَادَةُ تَقْرِيبِهِ؛ وَذَلِكَ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ الْحَمْدِ
وَالْمَجْدِ، فَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى
أَنَّهُمَا كَالتَّعْلِيلِ لِلْمَطْلُوبِ،
أَوْ هُوَ كَالتَّذْيِيلِ لَهُ.
وَالْمَعْنَى: إِنَّكَ فَاعِلٌ مَا تَسْتَوْجِبُ
بِهِ الْحَمْدَ مِنَ النِّعَمِ الْمُتَرَادِفَةِ،
كَرِيمٌ بِكَثْرَةِ الْإِحْسَانِ إِلَى جَمِيعِ عِبَادِكَ.