جديد المدونة

جديد الرسائل

السبت، 15 يوليو 2023

(50)اختصار دروس شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري


 عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ، قَالَ: «إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» رواه البخاري (7536).

مقدار الشبر: من رأس الإصبع الوسطى إلى رأس الإبهام. والإبهام: الإصبع العظمى.

الذراع: من المرفق إلى رأس الإصبع الوسطى، وذراع اليد شبران.

الباع: ما بين يديك إذا مددتَهما. والباع قدر أربعة أذرع.

إذًا عرفنا مقدار الشبر، ومقدار الذراع، والشبر يُعدُّ نصف الذراع، وذراع اليد شبران.

كذلك الباع عرفنا تعريفه، وطول قامة الشخص بمقدار باع.

في هذا الحديث:

صفة القرب لله، فالله يقرب من العبد إذا قرب منه بالعبادة والطاعة، الجزاء من جنس العمل.

وفيه حث العبد على القرب من ربِّهِ، وكما قال الله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)﴾ [العلق والعبد يكون قريبًا من ربه بعبادته والسجود له، وكما قال النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» رواه مسلم (482) عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

فالعبد يقرب من ربه، والله يقرب من عبده الصالح، وإذا قرب الله من عبده حَظي العبد بالسعادة وبالرحمة، قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾ [الأعراف: 56].

وفيه إثبات صفة الهرولة لله، الهرولة نوع من المشي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عن أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ، قَالَ: «لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ، وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» رواه البخاري (7538).

«لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ» هناك استثناء « إِلَّا الصَّوْمَ» رواه الإمام أحمد(16/75) عن أبي هريرة في الحديث القدسي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ، إِلَّا الصَّوْمَ، وَالصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وسنده صحيح.

وهذا الحديث مُشكل، وقد أجاب عنه الحافظ في «فتح الباري»(تحت رقم 1895وقال: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ كَفَّارَةٌ وَزِيَادَةُ ثَوَابٍ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالصِّيَامِ الَّذِي هَذَا شَأْنُهُ مَا وَقَعَ خَالِصًا سَالِمًا مِنَ الرِّيَاءِ والشوائب، وَالله أعلم.

وقال البخاري رَحِمَهُ الله: بَابٌ: الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ، ثم أخرج حديث (1895وهو عند مسلم (4ص2218)عن حذيفةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ».

« وَالصَّوْمُ لِي» هذا فيه خاصية للصوم، وفيه أقوال كثيرة، ومن أشهرها: أن الله أخفى ثواب الصوم، الحسنة بعشر أمثالها وقد يضاعف الله لمن يشاء، أما الصوم فالله أخفى مقدار أجره.

هذا الحديث: فيه فضل الصوم، والمراد الصوم الخالي من نقص الأجر، فإن المعاصي تنقص الأجر، كما قال النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رواه البخاري (1903) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ، قَالَ: «لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ.

رواه البخاري (7539).

في هذا الحديث:

 فضل نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام.

وفيه التنبيه على عدم تنقُّصِ نبي الله يونس، فإنه قد يقرأ القارئ قصة نبي الله يونس وإلقاء نفسه في البحر والتقام الحوت له، فقد يقع في نفسه شيء، ففي هذا الحديث النهي عن ذلك.

ورواه البخاري (3395ومسلم (2377)عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بلفظ: «لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى».

« أَنَا» يحتمل أن المراد المتكلم نفسه، ويحتمل أن المراد نبينا محمد ﷺ، فلا يقول أحد: إن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل من يونس.

 وكما ورد في الحديث « لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ» رواه البخاري (2412ومسلم (2374) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.

 ويُحمل هذا على ما إذا كان على سبيل التنقص والازدراء فالواجب الكف، وإلا فهم يتفاوتون في الفضل، والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والرسل ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 253].  

أو أن هذا النهي على وجه التواضع من النّبِيّ صلى الله عليه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ-أَوْ مِنْ سُورَةِ الفَتْحِ-» قَالَ: فَرَجَّعَ فِيهَا، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ: يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ، وَقَالَ: لَوْلا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ، يَحْكِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم.

 فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ؟ قَالَ: آ آ آ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. رواه البخاري (7540).

الترجيع في القراءة: ترديد الصوت في الحلق.

قال الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ في الشرح (13/515): وَقَوْلُ مُعَاوِيَةَ: لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالتَّرْجِيعِ، تَجْمَعُ نُفُوسَ النَّاسِ إِلَى الْإِصْغَاءِ وَتَسْتَمِيلُهَا بِذَلِكَ، حَتَّى لَا تَكَادَ تَصْبِرَ عَنِ اسْتِمَاعِ التَّرْجِيعِ، الْمَشُوبِ بِلَذَّةِ الْحِكْمَةِ المفهومة.

وهذا من الأدلة على التغني بالتلاوة.

 وفيه الحرص على قراءة القرآن، حتى في السفر وعلى الراحلة.

استفدنا من هذا الباب:

رواية النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عن ربه، وهذا يقال له: الحديث القدسي.

الحديث القدسي: ما يرويه النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عن ربه.

وهذا من الأدلة على إثبات صفة الكلام لله.