جديد المدونة

جديد الرسائل

الاثنين، 17 يوليو 2023

(14) اختصار درس التفسير

 

 [سورة المؤمنون (23) : الآيات 84 الى 90]

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾إلى قوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (90)﴾

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها ﴾ قال ابن كثير : أَيْ: مَنْ مَالِكُهَا الَّذِي خَلَقَهَا وَمَنْ فِيهَا مِنَ الْحَيَوَاناتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالثَّمَرَاتِ وَسَائِرِ صُنُوفِ الْمَخْلُوقَاتِ.

﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ قال ابن كثير:  أَيْ: فَيَعْتَرِفُونَ لَكَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. أي: الأرض ومن فيها ملك لله.

﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن كثير : أَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لِلْخَالِقِ الرزاق لَا لِغَيْرِهِ.

﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ قال ابن كثير :  أَيْ: مَنْ هُوَ خَالِقُ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ بِمَا فِيهِ مِنَ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَاتِ والملائكة الخاضعين له في سائر الإفطار مِنْهَا وَالْجِهَاتِ.

﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ قال ابن كثير :  يَعْنِي: الَّذِي هُوَ سَقْفُ الْمَخْلُوقَاتِ.

 هذه مسألة من مسائل العقيدة أن العرش سقف المخلوقات، وهو سقف الجنة كما في الحديث أن الرسول ﷺ قال: « فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ - فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ» رواه البخاري (2790) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

﴿ الْعَظِيمِ﴾ أي الْكَبِيرَ. وَقَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ أَيِ: الْحَسَنِ الْبَهِيِّ، فَقَدْ جَمَعَ الْعَرْشُ بَيْنَ الْعَظَمَةِ فِي الِاتِّسَاعِ وَالْعُلُوِّ وَالْحُسْنِ الْبَاهِرِ.

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ قال ابن كثير: أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ رَبُّ السموات وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أَفَلَا تَخَافُونَ عِقَابَهُ وَتَحْذَرُونَ عَذَابَهُ فِي عِبَادَتِكُمْ مَعَهُ غَيْرَهُ وَإِشْرَاكِكُمْ بِهِ.

﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن كثير : أَيْ: بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أَيْ مُتَصَرِّفٌ فِيهَا.

الملكوت: الْمُلْكُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ. كما في «تفسير البغوي» (3/ 372).

﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ قال ابن كثير : كَانتِ الْعَرَبُ إِذَا كَانَ السَّيِّدُ فيهم فأجار أحدًا لا يحفر فِي جِوَارِهِ وَلَيْسَ لِمَنْ دُونَهُ أَنْ يُجِيرَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَفْتَاتَ عَلَيْهِ.

﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: وَهُوَ السَّيِّدُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ.

 قال البغوي رَحِمَهُ اللهُ في «تفسيره»(5/ 426):  ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾ أَيْ: يُؤَمِّنُ مَنْ يَشَاءُ ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: لَا يُؤمَّنُ مَنْ أَخَافُهُ اللَّهُ، أَوْ يَمْنَعُ هُوَ مِنَ السُّوءِ مَنْ يَشَاءُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ. اهـ.

وهذا كما قال تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) ﴾ [فاطر:2].

﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾

معنى ﴿ تُسْحَرُونَ ﴾ وتؤفَكُونَ: تصرفون عن القَصْدِ والحَق، قاله الزجاج في «معاني القرآن» (4 / 20).

قال ابن كثير : أَيْ فَكَيْفَ تَذْهَبُ عُقُولُكُمْ فِي عِبَادَتِكُمْ مَعَهُ غَيْرَهُ مَعَ اعْتِرَافِكُمْ وَعِلْمِكُمْ بِذَلِكَ.

﴿ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن كثير : وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَقَمْنَا الْأَدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ الْوَاضِحَةَ الْقَاطِعَةَ عَلَى ذَلِكَ.

﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ قال ابن كثير :  أَيْ: فِي عِبَادَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا قَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لَا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾، فَالْمُشْرِكُونَ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَنْ دَلِيلٍ قَادَهُمْ إِلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْإِفْكِ وَالضَّلَالِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِآبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمُ الْحَيَارَى الْجُهَّالِ، كَمَا قال الله عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:

23].

من الفوائد:

-هذه الآيات في محاجة الكفار ومجادلتهم، فمن كان يقر بأن الله الخالق المالك المدبر فعليه أن يفرد الله عز وجل في العبادة وحده لا شريك له.

-      ونستفيد أن الذي لا يخلق، ولا يملك، ولا يرزق، ولا يدبر الأمور ولا يصرفها لا يستحق أن يعبد من دون الله، ولا يحق أن يُصرف له شيء من العبادة، وهكذا في آيات أخرى يبين سُبحَانَهُ أن الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم لا يستحق العبادة: ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) ﴾ [مريم:42]. وأن من لا يضر ولا ينفع لا يستحق أن يعبد من دون الله ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)﴾ [طه: 89].

-      هذه الأدلة فيها مشروعية جدال أهل الباطل ومحاجتهم.