هل كان يحتلم النّبِيّ صلى الله عليه وسلم؟
مختلف في هذا، فمن أهل العلم من قال بالمنع، وأن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم لا يحتلم، وهذا القول صححه الإمام النووي رَحِمَهُ اللهُ.
القول الثاني: الجواز.
وعلى القول بالمنع يشكل عليه حديث: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصبِحُ جُنُبًا مِن جِمَاعٍ، غَيرِ احتِلَامٍ، ثُمَّ يَغتَسِلُ وَيَصُومُ» نقل الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ في «فتح الباري»(4/144) عن بعضهم: فِي قَوْلِهَا «مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ» إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ الِاحْتِلَامِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ مَعْنًى. اهـ.
أما الإمام القرطبي رَحِمَهُ اللهُ فقد قال في «المفهم» (9/124): هذا يفيد فائدتين:
§ إحداهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجامع ويؤخر غسله حتى يطلع الفجر؛ ليبين المشروعية، كما قال: «عمدًا فعلته يا عمر».
§ وثانيهما: دفع توهُّمِ من يتوهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتلم في منامه، فإن الحلم من الشيطان، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: «الحلم من الشيطان». والله تعالى قد عصمه منه. اهـ.
وقد فصَّل في هذه المسألة الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللهُ بأنه إن كان أريد بالاحتلام فيض من البدن فلا مانع من هذا، وإن أريد به ما يحصل من تخبُّط الشيطان فهو معصوم من ذلك صلى الله عليه وسلم.
وذكر ابن الملقن رَحِمَهُ اللهُ في «غاية السول في خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم»(290): وَالْأَشْهر امْتنَاع الِاحْتِلَام عَلَيْهِم-أي: على الأنبياء-، كَمَا قَالَه فِي «الرَّوْضَة». اهـ.
وأما حديث: «مَا احْتَلَمَ نَبِي قطّ إِنَّمَا الِاحْتِلَام من الشَّيْطَان»، هذا الحديث سنده ضعيف جدًّا، فيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، قال البخاري عنه: منكر الحديث.
ويقول الشيخ الألباني رَحِمَهُ اللهُ في «السلسلة الضعيفة»(1432) عن هذا الإسناد: باطل.
وقد سئل والدي الشيخ مقبل رَحِمَهُ اللهُ عن مسألة: هل الأنبياء يحتلمون؟
فأجاب: ما فيه دليل على أنهم يحتلمون، وهم بشر، وليس الاحتلام من الشيطان في كل الأحوال. ثم ذكر بعض أسباب الاحتلام: كالمرض، والبرد الشديد، أو ينام ويفكِّر في الجماع، ونحو ذلك. اهـ.
وحديث «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصبِحُ جُنُبًا مِن جِمَاعٍ، غَيرِ احتِلَامٍ، ثُمَّ يَغتَسِلُ وَيَصُومُ» فيه إشارة أن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قد يحتلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل الأنبياء يتثاءبون؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» رواه البخاري (6223)، ومسلم (2994).
فهذا الحديث يدل على أن الأنبياء لا يتثاءبون؛ لأنهم معصومون من الشيطان، والتثاؤب من الشيطان.
وقد جاء مرسلًا من مراسيل يزيد بن الأصم، قال: «مَا تَثَاءَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّلَاةِ قَطُّ» أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»(7982). وهو يؤيد أن الأنبياء لا يتثاءبون كما ذكر هذا الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» .
والسيوطي رَحِمَهُ اللهُ في «الخصائص الكبرى»(1/112) بوب لهذه المسألة: باب الآية في حفظه صلى الله عليه وسلم من التثاؤب.
وسئل والدي الشيخ مقبل رَحِمَهُ اللهُ عن مسألة: هل الأنبياء يتثاءبون؟
فأجاب رَحِمَهُ اللهُ: ما جاء أنهم يتثاءبون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[لَا يَجُوزُ على النّبِيّ صلى الله عليه وسلم الجُنُونُ]
لا يجوز على النّبِيّ صلى الله عليه وسلم الجنون ولا على غيره من الأنبياء، وقد اتَّهم كفار قريش النّبِيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فأنكر الله عَزَّ وَجَل عليهم ونفاه عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وكذا عن سائر الأنبياء، قال سُبحَانَهُ: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29)﴾ [الطور: 29]. وأخبر الله عزوجل أن هذا الاتهام قد قال به الأمم المتقدمة لأنبيائهم قال سُبحَانَهُ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) ﴾ [الذاريات: 52-53].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[جَوَازُ الإِغمَاءِ عَلَيهِ صلى الله عليه وسلم]
عن عائشة، وفيه أن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم لما ثقل قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ»، فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ. رواه البخاري (687)، ومسلم (418).
قال النووي رَحِمَهُ اللهُ في شرح هذا الحديث(4/136): قَوْلُهُ: (فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ) دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِغْمَاءِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ؛ فَإِنَّهُ مَرَضٌ، وَالْمَرَضُ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ، وَالْحِكْمَةُ فِي جَوَازِ الْمَرَضِ عَلَيْهِمْ وَمَصَائِبِ الدُّنْيَا تَكْثِيرُ أَجْرِهِمْ، وَتَسْلِيَةُ النَّاسِ بِهِمْ، وَلِئَلَّا يَفْتَتِنَ النَّاسُ بِهِمْ وَيَعْبُدُوهُمْ؛ لِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ومن الأدلة أيضًا: عنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَالَ: فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدَّهِ فَلَدُّوهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَؤُلَاءِ» وَأَشَارَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ. الحديث رواه عبدالرزاق في «المصنف»(9754).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[هَل كَانَ مِن خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم جَوَازُ مُكثِهِ فِي المَسجِدِ وهو جُنُب؟ ]
ورد حديثان :
عَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم: «يَا عَلِيُّ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَن يُجنِبَ فِي هَذَا المَسجِدِ
غَيرِي وَغَيرُكَ». فيه عطية بن سعد العوفي، وكذا الراوي عنه سالم بن أبي حفصة، وهما
ضعيفان.
عَن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَرحَةَ هَذَا
المَسجِدِ، فَقَالَ: «أَلَا لَا يَحِلُّ هَذَا المَسجِدُ لِجُنُبٍ وَلَا لِحَائِضٍ،
إِلَّا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَينِ،
أَلَا قَد بَيَّنتُ لَكُمُ الأَسمَاءَ أَن تَضِلُّوا». هذا حديث ضعيف؛ فيه جسرة
بنت دجاجة مجهولة حال، وقد قال البخاري: عندها عجائب.
هذه المسألة عدَّها بعضهم من خصائص النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، جواز المكث في المسجد وهو جنب، وفي المسألة بعض الأحاديث الضعيفة، وقد جزم الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللهُ بأنه لا يصح شيء من ذلك، أي: في الخصوصية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[هَل مِن خَصَائِصِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم طَهَارَةُ شَعَارِهِ]
لم تثبت هذه الخصوصية أن شعر النّبِيّ صلى الله عليه وسلم طاهر، وأن من عداه شعره نجس، فالصحيح أن شعر الآدمي طاهر؛ استصحابًا للبراءة الأصلية، وكما يفيده حديث أنس (أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم: لَمَّا حَلَقَ شَعرَهُ فِي حَجَّتِهِ أَمَرَ أَبَا طَلحَةَ يُفَرِّقُهُ عَلَى النَّاسِ).
قال ابن قدامة رَحِمَهُ اللهُ في «المغني»(1/95): وَشَعْرُ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ مُتَّصِلُهُ وَمُنْفَصِلُهُ، فِي حَيَاةِ الْآدَمِيِّ وَبَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إذَا انْفَصَلَ فَهُوَ نَجِسٌ. اهـ.
واستدل بعد ذلك ابن قدامة بحديث أنس المذكور، وقال(1/60): وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا سَاغَ هَذَا وَلَمَا فَرَّقَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ، وَيَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ؛ تَبَرُّكًا بِهِ. اهـ.
والمشهور عن الشافعية أن شعر الآدمي نجس.
قال النووي رَحِمَهُ اللهُ «المجموع»(1/232): فَاَلَّذِي صَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ نَجَاسَتُهُ، وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ جَمِيعُ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَوْ جَمَاهِيرُهُمْ طَهَارَتُهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَقَدْ صَحَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رُجُوعُهُ عَنْ تَنْجِيسِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ فَهُوَ مَذْهَبُهُ وَمَا سِوَاهُ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَهُ، ثُمَّ الدَّلِيلُ يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.
(وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ) أن شعر الآدمي طاهر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[مبالغةُ بَعضهِم وَقَالَ: بِطَهَارَةِ فَضَلَاتِهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الدم والبَولُ وَالغَائِطِ]
أما الدم فدم الإنسان على الصحيح أنه طاهر؛ لأن الأصل الطهارة، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا ما جاء به الدليل، كدم الحيض والنفاس.
وأما ما جاء عن شرب بعض الصحابة دم النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فهي أحاديث ضعيفة، منها:
عَن سفينة، قَالَ: احتَجَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ لِي: خُذ هَذَا الدَّمَ فَادفِنهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيرِ. أَو قَالَ: النَّاسِ وَالدَّوَابِّ». فيه بُرَيْهُ بنُ عُمَرَ بنِ سَفِينَةَ ضعيف.
عَن الزبير، قَالَ: احتَجَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَعطَانِي دَمَهُ، فَقَالَ: اذهَب فَوَارِه، لَا يَبحَث عَنهُ سَبعٌ أَو كَلبٌ أَو إِنسَانٌ، قَالَ: فَتَنَحَّيتُ فَشَرِبتُهُ، ثُمَّ أَتَيتُهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعتَ؟ قُلتُ: صَنَعتُ الَّذِي أَمَرتَنِي. قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَد شَرِبتَهُ. قُلتُ: نَعَم. قَالَ: مَاذَا تَلقَى أُمَّتِي مِنكَ؟!» فيه هنيد بن القاسم متروك وقد كذبه يحيى بن معين.
أما البول والغائط فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالتنزه منهما، وكان يتنزَّه منهما، وهذا دليل على نجاستهما، من ذلك حديث ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: «أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ» وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» رواه البخاري (156).
وهكذا استنجاؤه صلى الله عليه وسلم.
والقول بالخصوصية في هذا معتمد على أحاديث ضعيفة، فنبقى على الأصل، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110)﴾ [الكهف: 110]. فنبقى على الأصل وهو أن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم بشر، والبشر بوله وغائطه نجسان.